في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
لم تكن قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) التي استضافتها العاصمة التركية أنقرة مجرد اجتماع دوري لقادة الحلف، بل وصفتها الصحافة التركية بأنها محطة مفصلية عززت مكانة تركيا داخل الناتو.
وفي قراءتها لمخرجات القمة، رأت الصحف التركية أنها لم تقتصر على إعادة التأكيد على تماسك الحلف، بل فتحت أيضا الباب أمام مرحلة جديدة من التعاون الدفاعي، إلى جانب ما حملته من رسائل سياسية ورمزية.
فكيف قرأت الصحافة التركية نتائج القمة؟ وما أبرز المكاسب التي رأت أن أنقرة حققتها؟ وما الآفاق التي فتحتها القمة أمام الصناعات الدفاعية التركية؟
تناولت الصحف التركية مخرجات القمة بوصفها محطة مهمة للحلف، مركزة على ما اعتبرته تعزيزا لمكانة تركيا داخل الناتو، وتجديدا لالتزام الدول الأعضاء بالحلف في ظل التحديات التي واجهها قبل انعقاد القمة.
وفي هذا السياق، وصفت الكاتبة نيلغون تكفيدان غوموش في صحيفة حرييت القمة بأنها "تاريخية"، مشيرة إلى أنها جاءت وسط تكهنات بشأن احتمال انسحاب الولايات المتحدة من الناتو، لكنها اعتبرت أن نتائجها أكدت استمرار تماسك الحلف من خلال تجديد الدول الأعضاء التزامها به.
ومن أبرز نتائج القمة -وفق رؤية غوموش- تجديد الدول التزامها برفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2036، مؤكدة أن تركيا – صاحبة ثاني أكبر جيش في الناتو – خرجت من القمة وقد عززت مكانتها بوصفها "حليفا لا غنى عنه".
وتمثل قمة أنقرة الانطلاقة الرسمية لمرحلة "الناتو 3.0″، التي تقوم على استمرار الدعم الأمريكي للحلف مع تولي الدول الأوروبية دورا أكبر في أمن القارة ودفاعها، بحسب المقال.
وفي الاتجاه نفسه، ربط الكاتب يوجل كوتش – في مقال بصحيفة تركيا – بين مخرجات القمة وما حققته الصناعات الدفاعية التركية من تطور، مشيرا إلى أن "القطاع، الذي يلبي أكثر من 80% من احتياجات البلاد الدفاعية ويصدر منتجاته إلى 178 دولة معظمها أعضاء في الناتو، حظي بإشادة واسعة من الوفود الغربية المشاركة في القمة".
كما قدم الكاتب تصورا لتطور الجمهورية التركية عبر ثلاث مراحل؛ إذ اعتبر مرحلة تأسيس الجمهورية "تركيا 1.0″، تلتها مرحلة "تركيا 2.0" التي بدأت مع انضمام البلاد إلى حلف الناتو والانتقال إلى التعددية الحزبية، بينما وصف المرحلة الحالية بـ"تركيا 3.0″، معتبرا أنها تمثل انتقال تركيا إلى مصاف القوى العالمية بعد قرن من تأسيس الجمهورية.
ورأت الصحف أن أهمية قمة أنقرة لم تقتصر على مخرجاتها السياسية، بل امتدت إلى ما قد تفتحه من آفاق جديدة أمام الصناعات الدفاعية التركية، في ظل الحديث عن إزالة القيود المفروضة على التعاون العسكري بين الحلفاء واحتمالات إعادة تنشيط التعاون الدفاعي بين أنقرة وواشنطن.
وفي هذا الصدد، اعتبرت غوموش أن تعهد دول الناتو بمواصلة العمل على إزالة العوائق أمام تجارة الصناعات الدفاعية وتعزيز التعاون العسكري يمثل أحد أبرز المكاسب التي حققتها تركيا في القمة.
وأضافت أن الزيادة المرتقبة في الإنفاق الدفاعي الأوروبي تمنح تركيا فرصة لتعزيز موقعها شريكا رئيسيا، مستندة إلى خبرتها العسكرية وتطور صناعاتها الدفاعية.
كما أشارت إلى أن تركيا، التي باتت علامة عالمية في مجال المسيّرات، تواصل تطوير المقاتلة من الجيل الخامس " قآن" ومحركات الطائرات المحلية والمسيرة القتالية "قزل إلما"، في إطار جهودها لتعزيز قدراتها الدفاعية المحلية.
بدوره، استعرض محلل الصناعات الدفاعية كوبيلاي يلدريم – في حديث لصحيفة ملييت – التداعيات المحتملة لإعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، خلال لقائه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، استعداده لرفع عقوبات "كاتسا" ( قانون مكافحة أعداء أمريكا من خلال العقوبات) وبحث استئناف بيع مقاتلات "إف-35" لتركيا.
وجاء هذا الإعلان بعد سنوات من التوتر بين أنقرة وواشنطن على خلفية شراء تركيا منظومة الدفاع الجوي الروسية "إس-400″، وهو ما دفع الولايات المتحدة عام 2020 إلى فرض عقوبات عليها بموجب قانون "كاتسا"، قبل أن تستبعدها من برنامج مقاتلات "إف-35".
ورأى يلدريم أن عقوبات "كاتسا" فرضت حالة مستمرة من عدم اليقين على التعاون الدفاعي بين أنقرة وواشنطن، وجعلت الاتفاقيات المتعلقة بالأنظمة العسكرية أكثر تعقيدا وصعوبة، من دون أن تصل إلى حد الحظر الكامل.
واعتبر أن رفع هذه العقوبات من شأنه أن يفتح المجال أمام إبرام اتفاقيات عسكرية وتجارية بين البلدين في إطار عضويتهما في حلف الناتو، كما سينهي حالة عدم اليقين التي واجهتها شركات الصناعات الدفاعية التركية، سواء في استيراد بعض المكونات العسكرية أو في تنفيذ عدد من المشروعات الدفاعية الكبرى.
ولم تقتصر قراءات الصحافة التركية لمخرجات قمة الناتو على الجوانب السياسية والعسكرية، بل امتدت أيضا إلى الرسائل الرمزية التي حملتها مراسم استقبال قادة الحلف في أنقرة.
وتناول المؤرخ التركي إرهان أفيونجو – في تقرير لصحيفة ملييت – الدلالات البروتوكولية لمراسم استقبال قادة الناتو في المجمع الرئاسي، والتي تضمنت عرضا موسيقيا لجوقة المهتر العسكرية التاريخية، إلى جانب جنود يرتدون الأزياء الإنكشارية العثمانية.
وتعد جوقة المهتر أقدم فرقة موسيقية عسكرية في العالم، وتمثل أحد أبرز رموز التراث العسكري التركي ولا تزال تشارك في المراسم والفعاليات الرسمية داخل تركيا وخارجها.
أما الإنكشارية فهي فرقة مشاة في الجيش النظامي العثماني، تأسست في القرن الرابع عشر وأسهمت في العديد من الانتصارات العسكرية للدولة، قبل أن تُلغى عام 1826.
وأشار أفيونجو إلى أن الجديد في مراسم الاستقبال تمثل في إدراج الجنود الإنكشاريين لأول مرة، معتبرا أن استقبال قادة الحلف بجوقة المهتر والجنود الإنكشاريين حمل رسالة رمزية لافتة.
واعتبر المؤرخ أن الجمع بين الجيش التركي الحديث والرموز العسكرية التاريخية – كإدراج الجنود الإنكشاريين بعد قرنين على إلغاء هذه المؤسسة العثمانية – يجسد رسالة تربط بين الماضي والحاضر، مؤكدا أن استحضار التاريخ لا يعني التوقف عنده، بل الاستفادة منه وتوظيفه في الحاضر.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة