بعد نحو عام من تشكيل قوات الدعم السريع سلطة موازية في نيالا عاصمة ولاية جنوب دارفور غربي السودان، كرست القوات واقعا جديدا بفرض إجراءات مالية وتجارية باتت ترسم اقتصادا موازيا.
وفي مطلع يناير/كانون الثاني الماضي، تبنت الإدارة المدنية لقوات الدعم السريع بالتعاون مع تحالف السودان التأسيسي "تأسيس" الذي تقوده القوات خطوات عملية لبناء نظام مصرفي مواز ونظام مالي مستقل.
وتعود جذور الخلاف بشأن العملة إلى يونيو/حزيران 2024 عندما قررت الحكومة السودانية إيقاف التعامل بالإصدارات المتداولة من فئتي 500 و1000 جنيه وإصدار أوراق نقدية جديدة، وهو ما رفضته قوات الدعم السريع التي حظرت استخدام الطبعات الجديدة في مناطق سيطرتها، مما أدى إلى نقص حاد في السيولة النقدية.
وحظرت السلطة الموازية في دارفور في وقت سابق تداول الفئات الورقية التي تحمل توقيع محافظ بنك السودان المركزي السابق برعي الصديق علي أحمد، مع السماح بتداول الفئات الموقعة من المحافظ الأسبق حسين جنقول والصادرة قبل يونيو/حزيران 2024، قبل أن تكلف السلطة جنقول برئاسة بنك مواز في نيالا.
ويوضح مصرفي يقيم في إقليم دارفور أن مناطق الدعم السريع تواجه تعقيدات حيث خرجت المصارف عن الخدمة في الإقليم وأجزاء من ولايات كردفان عقب اندلاع النزاع، مما أدى إلى توقف ضخ السيولة الجديدة في الأسواق وتدهور حالة الأوراق النقدية المتداولة.
كما أصبحت العملات المتداولة في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع – وفقا للمصرفي- ممزقة ومهترئة من كثرة التداول، لا سيما فئتا الـ200 جنيه والـ100 جنيه اللتان بدأتا تتلاشيان نسبيا من الأسواق.
ويقول المصرفي -الذي تحدث للجزيرة نت طالبا عدم نشر هويته- إن غالب مواطني دارفور يتعاملون بالتطبيقات المصرفية لبنوك الخرطوم، ولا يوجد سوى تطبيق واحد في مناطق سيطرة الدعم السريع باسم "المستقبل" تابع لشركة خدمات مصرفية لكنه غير مرتبط بالمصارف السودانية مما يضعف التعامل معه وعدم الثقة في استدامته واستقراره.
وأتى ذلك عقب أزمة سيولة نقدية خانقة يعيشها إقليم دارفور، إذ بلغت عمولات التحويلات المالية عبر تطبيقات بنوك الخرطوم نحو 20%، وصولا إلى 25% في بعض المناطق.
وتكشف مصادر رسمية للجزيرة نت أن الأوراق النقدية التي ضختها قوات الدعم السريع في مناطق سيطرتها بعضها نهبتها من مطبعة العملة في الخرطوم عقب انتشارها في العاصمة، كما أن دولة تساند القوات، لم تذكر اسمها، تعاقدت معها السودان لطباعة أوراق نقدية حولتها إلى الدعم السريع، بجانب عملة مزورة وزعتها مرتبات لجنودها.
وكان وزير المالية السوداني جبريل إبراهيم قال للجزيرة نت إن قوات الدعم السريع نهبت ما يعادل 350 مليون دولار من الخرطوم.
منذ أكتوبر/تشرين الأول 2024 حظرت قوات الدعم السريع مرور 12 سلعة أبرزها الصمغ والفول السوداني والسمسم والكركديه والماشية والدخن والذهب من مناطق سيطرتها إلى الولايات الواقعة تحت سيطرة الجيش لتسويقها أو مرورها إلى ميناء بورتسودان على البحر الأحمر شرقا، أو شمالا لتصديرها إلى مصر.
وحذرت الحكومة السودانية في وقت سابق من التعامل في تجارة وتصدير الصمغ العربي عبر المنافذ غير الرسمية، مؤكدة أن عمليات تهريب الصمغ التي تتم عبر مناطق سيطرة قوات الدعم السريع تُعد ممارسات غير قانونية تهدف إلى تمويل المجهود الحربي، وذلك بعد سيطرة القوات على مناطق إنتاج رئيسية في إقليمي دارفور وكردفان.
ويقول رجل الأعمال آدم الشريف الذي كان يعمل في تصدير الحبوب الزيتية من دارفور للجزيرة نت إن قوات الدعم السريع منعتهم من شراء المحاصيل الزراعية وخاصة الصمغ العربي والسمسم والفول السوداني واحتكرتها لشركات تابعة.
ويبين رجل الأعمال أن تلك الشركات فشلت في تسويق المنتجات ما أدى إلى انهيار أسعارها بالأسواق المحلية وشجع على تهريبها عبر تشاد وجنوب السودان حيث يشتريها مصدرون هناك ويتم تصديرها عبر مينائي دوالا في الكاميرون أو مومباسا في كينيا.
وحسب رجل الأعمال فإن إقليم دارفور صار مرتبطا تجاريا مع تشاد حيث يتم التبادل التجاري عبر الفرنك التشادي الذي يساوي 30 جنيها سودانيا أو الاستيراد عبر ميناء مومباسا الكيني ونقل السلع والبضائع بالشاحنات عبر أراضي جنوب السودان التي تتبادل تجاريا أيضا مع دارفور بمعبر ساق النعام بالجنيه السوداني.
تنشط قوات الدعم السريع عبر شركة الجنيد التي تملكها في التنقيب عن الذهب في عدة مناجم في دارفور أبرزها سونغو القريب من الحدود مع أفريقيا الوسطى وجنوب السودان وجبل عامر شمالي الإقليم.
وقال مندوب السودان بالأمم المتحدة الحارث إدريس أمام مجلس الأمن في 26 يونيو/حزيران الماضي إن عملية "نهب الموارد النفيسة كالذهب وتصديره من قبل قوات الدعم السريع ما زالت مستمرة"، وبلغ حجم تهريب الذهب في العام الماضي 56 طنا، بما يعادل أكثر من 7 مليارات دولار.
وفي العام الماضي، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على شركة الجنيد، المملوكة للدعم السريع، قائلة إن الذهب أصبح "مصدرا حيويا للإيرادات" للقوات وزعيمها محمد حمدان دقلو "حميدتي".
وتواصلت الجزيرة نت مع مسؤولين اثنين في الدعم السريع للتعليق على خطوات القوات لتنفيذ اقتصاد مواز في غرب البلاد لكنهما اعتذرا عن الحديث باعتبار أن القضايا الاقتصادية من مهام "حكومة السلام" التي شكلها تحالف "تأسيس".
يرى الخبير الاقتصادي هيثم فتحي أن قوات الدعم السريع تسعى لتكريس واقع مالي مستقل عن الحكومة السودانية من خلال السيطرة على الموارد، وتأسيس أنظمة جباية خاصة، وإدخال كميات كبيرة من النقد غير المعتمد رسميا.
وحسب حديث الخبير الاقتصادي للجزيرة نت فإن ما يحدث في إقليم دارفور يعكس بوادر ما يعرف بالاقتصاد المزدوج في السودان، حيث تُدار بعض المناطق من قبل الدعم السريع بأنظمة مالية موازية تشمل فرض جمارك، ودفع مرتبات، وتداول أوراق نقدية خارج سلطة البنك المركزي.
فمن دون مقاصة موحدة وسعر صرف موحد -كما يقول الخبير- سيبقى "الجنيه" على هامش المعادلة، ويظل السودانيون رهائن "اقتصاد مزدوج تموله ميليشيا مسلحة لا تؤمن بالدولة".
كما لجأت قوات الدعم السريع إلى التعامل التجاري والتبادل السلعي عبر الدولار في الولايات الحدودية المتاخمة لدول الجوار (تشاد، أو أفريقيا الوسطى، أو ليبيا أو جنوب السودان) التي يدخل فيها الدولار عاملا رئيسيا لتحديد قيمة العملة المستخدمة في تلك البلدان وفقا للخبير.
ويعتقد الخبير أن تبعات ما يحدث قد تؤدي إلى نظامين نقديين في البلاد، وانقسام في السياسة النقدية في ظل عدم اعتراف أي طرف بالآخر، محذرا من أن هذا سيقود إلى مشكلات عميقة تتراوح بين ظهور أسواق متعددة في البلاد والاستغلال التجاري، وكلها عوامل تؤثر بشكل مباشر على حياة المواطنين مما خلق فوضى معيشية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة