ألقت مزاعم سرقة تبرعات ضخمة من معبد "رام ماندير" في أيوديا بظلال قاتمة على أبرز إنجازات رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، محولةً ما كان يُوصف بـ"جوهرة التاج" في إرثه السياسي إلى بؤرة لأزمة فساد تهدد سمعة حزب "بهاراتيا جاناتا" الحاكم قبل انتخابات ولاية أوتار براديش الحاسمة.
وبات المعبد، الذي افتتحه مودي رسمياً في يناير 2024 وفاءً بوعد قطعه لأنصاره بإنهاء نزاع دام عقوداً، في قلب عاصفة سياسية وأخلاقية بعد الكشف عن اختلاس أموال نقدية ومعادن ثمينة قدمها الملايين كتبرعات.
واندلعت الشرارة الأولى للفضيحة عندما خرج ماهيبال سينغ، المشرف السابق في فريق المحاسبة بالهيئة الاستئمانية المسؤولة عن إدارة المعبد "شري رام جانما بهومي تيرث كشيترا، بتصريحات علنية كشف فيها عن مخالفات جسيمة في عدّ وتخزين وتسجيل العروض النقدية والذهبية والفضية والمجوهرات. تصريحاته هذه دفعت السلطات للتحرك فوراً للتحقق من صحة الادعاءات.
وعلى إثر ذلك، تصاعدت وتيرة التحقيقات الشرطية، أسفرت عن اعتقال ثمانية أشخاص يشتبه في تورطهم المباشر في عمليات السرقة والاختلاس، بينهم موظفون كانوا مكلفين بإدارة وعدّ تبرعات الزوار.
وسجلت الشرطة بلاغاً أولياً بحق تسعة موظفين بتهم الاختلاس المنهجي، وتمكنت من استعادة مبلغ 800 ألف روبية من منازل المتهمين خلال المداهمات.
وفي سياق تتبع خيوط الفضيحة وأبعادها، استندت معلومات مفصلة حول حجم الخسائر وإجراءات التحقيق إلى تقارير ميدانية نشرتها المنصة الهندية "CounterCurrents.org".
وأوضحت هذه التقارير أن الغموض لا يزال يلف الحجم الحقيقي للخسائر المالية، مشيرة إلى تباين كبير في التقديرات؛ فبينما يشير قادة معارضون ووسائل إعلام إلى أن المبالغ المفقودة قد تتجاوز 20 مليون دولار أمريكي، تذكر مصادر أخرى أرقاماً تتراوح بين 7 و7.5 كرور روبية (نحو مليون دولار)، فيما زعم مشرع سابق وجود 70 مليون روبية (حوالي 739,550 دولاراً) غير محسوبة، وهو تباين يعكس ضعف الشفافية في العمليات المالية للهيئة.
كما وثقت تقارير المنصة نفسها التطورات الإدارية للفضيحة، مشيرة إلى استقالة عضوين بارزين في الهيئة الاستئمانية، هما الأمين العام تشامبات راي والعضو أنيل ميشرا.
وبرر راي تنحيه بأنه خطوة لـ"ضمان تحقيق حر ونزيه" و"حماية لقداسة اللورد رام"، نافياً في الوقت ذاته ارتكاب أي خطأ شخصي.
وعلى صعيد الإجراءات الرسمية، أفادت التقارير بأن حكومة ولاية أوتار براديش، بقيادة رئيس الوزراء يوغي أديتياناث، شكلت في 14 يونيو 2026 فريق تحقيق خاص مكوناً من ثلاثة أعضاء للنظر في ملابسات القضية.
وكلف الفريق بتقديم تقرير أولي خلال سبعة أيام وآخر نهائي خلال خمسة عشر يوماً. وسلم الفريق نتائجه الأولية في 23 يونيو، مسجلاً إخفاقات جسيمة شملت سوء التعامل مع التبرعات، وضعفاً في أنظمة مراقبة الكاميرات، وقصوراً في التحقق من هوية الموظفين، بالإضافة إلى رصد تحويلات مالية غير نظامية، مما استدعى توصية بإصلاحات هيكلية تشمل تعيين رئيس تنفيذي جديد.
ومن جانبها، نفت المؤسسة المستقلة التي تدير المعبد ارتكاب أي مخالفات منهجية، فيما حاول حزب "بهاراتيا جاناتا" تصوير القضية على أنها تتعلق بموظفين من المستويات الدنيا فقط، مؤكداً تحرك الحكومة بسرعة ومهنية، ومتهماً أحزاب المعارضة باستغلال الحدث للنيل من رمز ديني وطني.
ولا تقتصر أهمية معبد "رام ماندير" على كونه موقعاً دينياً فحسب، بل يمثل حجر الزاوية في المشروع العقائدي لحزب "بهاراتيا جاناتا" القائم على فكرة "الهندوتا" أو القومية الهندوسية.
ويقع المعبد على أنقاض مسجد "بابري" التاريخي الذي هدمته جماعات قومية هندوسية، بينها جهات منتمية لـ"راشتريا سوايامسيفاك سانغ" (الذراع العقائدية للحزب الحاكم)، في ديسمبر 1992، مما أشعل موجة من أعمال الشغب الطائفية راح ضحيتها نحو ألفي قتيل، غالبيتهم من المسلمين، في واحدة من أسوأ فصول العنف منذ استقلال الهند عام 1947.
وكان حكم المحكمة العليا الصادر عام 2019 بمنح الأرض المتنازع عليها للمتقاضين الهندوس قد مهد الطريق للبناء، ليُفتتح المجمع الضخم لاحقاً كتتويج لنضال حضاري وانتصار للهوية الثقافية في نظر أنصار مودي، بينما يراه معارضوه تتويجاً لحملة طويلة انتزعت الهند من جذورها العلمانية.
وتكتسب الفضيحة خطورة إضافية نظراً للحجم الهائل للتبرعات التي يدرها المعبد. فبحسب البيانات التي استعرضتها منصة "CounterCurrents.org"، يستقبل الموقع نحو 50 مليون زائر سنوياً، بمعدل يتراوح بين 70 إلى 80 ألف زائر يومياً، ويرتفع هذا الرقم ثلاث مرات في عطلات نهاية الأسبوع والمناسبات الدينية.
وتُجمع التبرعات في 35 صندوقاً، محققة دخلاً سنوياً بلغ 3.27 مليار روبية (35 مليون دولار) في السنة المالية 2024-2025، مما يضع المعبد في مصاف أغنى المؤسسات الدينية في الهند.
غير أن إدارة هذه الثروة تتم عبر هيئة مستقلة ذات ارتباطات سياسية عميقة، وتعمل خارج نطاق الرقابة الحكومية المباشرة، وهو ما تكشف عنه التقارير كضعف في الحوكمة المالية يتطلب أنظمة رقابية صارمة كانت غائبة أو معطلة أثناء وقوع الجرائم المزعومة.
واستغلت أحزاب المعارضة، وعلى رأسها المؤتمر الوطني وحزب "ساماجوادي"، الفضيحة لتوجيه سهام النقد لحزب "بهاراتيا جاناتا" ، متهمة إياه بتسييس المعبد وخلق مناخ سمح بازدهار الفساد.
ودعا جايافاردان سينغ، القيادي في حزب المؤتمر، إلى نقل إدارة المعبد إلى القديسين التقليديين في أيوديا، معتبراً أن سوء الإدارة نتيجة مباشرة للتدخل السياسي في شؤون المؤسسة الدينية.
وتأتي هذه التطورات في توقيت حساس يسبق انتخابات محلية محورية في ولاية أوتار براديش، الأكثر اكتظاظاً بالسكان في الهند، حيث كان المعبد ركيزة أساسية في الخطاب الانتخابي للحزب الحاكم.
ويشكل تآكل الرواية التي صورت المعبد كرمز للنزاهة والانتصار الحضاري فرصة ذهبية للخصوم السياسيين لإعادة تشكيل البوصلة الانتخابية.
في ظل استمرار التحقيقات، برزت دعوات واسعة لإجراء إصلاحات هيكلية في إدارة المؤسسات الدينية الكبرى لضمان الشفافية والمساءلة.
وتتضمن المقترحات المطروحة جعل التدقيق المالي المستقل إلزامياً عبر جهات خارجية معتمدة، والتوسع في أنظمة التبرع الرقمي لتقليل الاعتماد على النقد، وتجهيز غرف العد بكاميرات مراقبة وإجراءات رقابة مزدوجة وفق بروتوكولات مصرفية صارمة.
كما تؤكد التقارير المنشورة على ضرورة فصل الأدوار داخل هياكل الحوكمة الدينية، وإنشاء لجان أخلاقية واضحة، ونشر ملخصات مالية ربع سنوية على المواقع الرسمية لبناء جسور الثقة مع الملايين من المتبرعين الذين قدموا أموالهم بدافع الإيمان والإخلاص.
المصدر:
يورو نيوز