في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
بعد 22 عاما من قمة 2004 في إسطنبول، يعود زعماء وقادة دول حلف شمال الأطلسي (ناتو) إلى هضبة الأناضول في قمة مرتقبة تحتضنها العاصمة السياسية أنقرة هذه المرة، لكن بهواجس وتحديات أمنية وجيوسياسية مختلفة، أكثرها تعقيدا الحرب الروسية المستمرة في أوكرانيا منذ 2021 بجانب حرب الشرق التي أشعل فتيلها الهجوم الأمريكي الإسرائيلي المزدوج على إيران.
وبينما وضعت قمة إسطنبول قبل أكثر من عقدين حجر الزاوية لتعامل الحلف مع الفترة الانتقالية في العراق إبان سقوط نظام صدام حسين وتوسيع نطاق العمليات العسكرية في أفغانستان ضد تنظيم القاعدة إلى جانب ضم حلفاء جدد من شرق أوروبا إلى الحلف، تسيطر على قمة أنقرة هذه المرة بوجه خاص مسألة زيادة التصنيع الحربي والرفع من موازنة الإنفاق العسكري للدول الأعضاء وتأمين الجناح الشرقي للحلف في ظل تفاقم التهديدات الروسية، مع مطالبات علنية من تركيا من أجل دور أكبر في مبادرات الدفاع الأوروبية.
ستستضيف تركيا 32 من قادة دول الحلف، بالإضافة إلى مسؤولين من دول الخليج ومنطقة آسيا والمحيط الهادي يومي السابع والثامن من يوليو/تموز، وسط توتر داخل الحلف بشأن تقاسم الأعباء والإنفاق الدفاعي وشكاوى الولايات المتحدة من عدم مشاركة الحلفاء في إعادة فتح مضيق هرمز.
وطالبت واشنطن بصورة متكررة الحلفاء بزيادة إنفاقهم العسكري إلى 5% من ناتجهم الداخلي الإجمالي بحلول 2035، والحد من اعتمادهم على واشنطن لضمان أمنهم، وهو ما سعت دول الحلف الأوروبية إلى الاستجابة له تدريجيا في قمة 2025 في بروكسل.
وقال وزير الدفاع التركي يشار غولر -لوكالة رويترز- إن القمة ستركز على اتحاد الحلف وستقيم زيادة إنفاق الحلفاء على الدفاع وتعزيز التعاون في مجال الصناعات الدفاعية وزيادة الدعم لأوكرانيا.
كما أشار الوزير التركي إلى أن الولايات المتحدة لا تنوي الانسحاب من الحلف، لكنها تريد أن يتحمل الحلفاء الأوروبيون وكندا مزيدا من المسؤولية عن أمن أوروبا، والذي قال إنه يجب أن يتضمن إشراك أنقرة في خططها ومبادراتها الدفاعية.
وتشير بيانات "معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام" إلى أن الإنفاق العسكري للدول الأوروبية الأعضاء في حلف الناتو رفعوا ميزانياتهم الدفاعية في 2025 بنسبة 14% مقارنة بالعام السابق، وهي أكبر زيادة منذ عام 1953.
ويعود ذلك إلى تسارع برامج إعادة التسلح على خلفية التوترات الجيوسياسية واستمرار النزاعات المسلحة، ووسط تزايد الشكوك بشأن موثوقية الولايات المتحدة كشريك أمني.
ومن جهة أخرى، يعكس هذا الارتفاع مساعي الدول الأوروبية للوفاء بأهداف حلف الناتو. فمن بين 29 دولة أوروبية عضوا في الحلف، باتت 22 دولة، في وضع تطابق مع معيار تخصيص 2% من الناتج المحلي الإجمالي للإنفاق الدفاعي.
مع ذلك، تصطدم دول حلف الناتو بعوائق ترتبط بكيفية دفع إنتاج الأسلحة بسرعة أكبر.
كشفت الصراعات في أوكرانيا والشرق الأوسط التحديات التي يواجهها القطاع الصناعي لإنتاج أسلحة بكميات كافية وخلال فترات زمنية قصيرة.
من جهة أولى، أظهرت الحرب الروسية على أوكرانيا قدرات أوروبا المحدودة على هذا الصعيد، إذ سلط الضوء على النقص في القدرات الأساسية وفترات الانتظار الطويلة للإنتاج. وفي الوقت نفسه، أدت الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران إلى استنزاف المخزون الأمريكي من الأسلحة، مما شكل ضغطا شديدا على الشركات لإعادة تشكيله.
وبعد عام على تعهدها التاريخي في لاهاي بزيادة إنفاقها الدفاعي، تواجه دول الحلف الأطلسي هذه السنة خلال قمتها المرتقبة في أنقرة تحديا آخر يقضي بحمل القطاع الصناعي على إنتاج أسلحة بكميات كافية.
ومع تدفق الأموال على الميزانيات الدفاعية التي ارتفعت العام الماضي بمقدار 90 مليار دولار في أوروبا وكندا وحدهما، يكافح الحلف لتحويل هذه الأموال إلى قوة نارية.
وقد شدد الأمين العام للحلف مارك روته على التحدي الكامن لتحويل تلك الأموال إلى قدرات جاهزة للقتال، واعتبار هذا التحدي أولوية مشتركة.
وستكون هذه القضية محورية في أنقرة، حيث يتوقع أن يبرم قادة الحلف صفقات بمليارات الدولارات خلال منتدى صناعي خاص ينظّم بموازاة أشغال القمة.
وبالنسبة لأوروبا، فإن الحاجة إلى تكثيف الجهود على هذا الصعيد ترتدي أهمية جوهرية في وقت تسعى القارة إلى الحد من اعتمادها على واشنطن في ظل الشكوك المتزايدة بشأن مدى موثوقية واشنطن والتحذيرات من أن روسيا قد تشن هجمات في السنوات المقبلة.
وفي السياق، قال مفوض الدفاع في الاتحاد الأوروبي أندريوس كوبيليوس: "تعلمنا كيف نجمع أموالا إضافية، لكن علينا أن نتعلم كيف ننفقها بصورة فعالة من أجل التفوق على روسيا في الإنتاج والابتكار والقوة النارية".
ومن جهته، ذكر الأمين العام لجمعية الصناعات الدفاعية الأوروبية كامي غران إن "عديدا من الشركات المصنعة تستثمر في قدرات إنتاجية أكبر بكثير"، مع ذلك لا يزال هناك الكثير يتوجب فعله.
ولبلوغ أهداف الجاهزية والتفوق على روسيا يتعين على الدول الأعضاء في الحلف أولا تجاوز عائق البيروقراطية وتيسير القوانين والإجراءات.
ويعود السبب الأول في ذلك إلى طبيعة الصناعة الدفاعية نفسها، إذ إنها ترتبط ارتباطا وثيقا بمسائل السيادة الوطنية لكل دولة، ما يجعل السوق الدفاعية مشتتة بين قواعد وطنية تحكم 27 دولة عضو في الاتحاد الأوروبي. ويؤدي هذا بالنتيجة إلى عوائق أخرى من بينها:
وقال إيف ماري غورلان نائب رئيس مجموعة "داسو" الفرنسية للشؤون الأوروبية: "ناقشنا ذلك معا داخل جمعيتنا، وتوصلنا إلى استنتاج مشترك بأن سوق الدفاع لا يمكن وصفها فعليا بسوق موحدة".
كما لخص مفوض الدفاع في الاتحاد الأوروبي أندريوس كوبيليوس الوضع في تعليقه بأن "الروس أنتجوا العام الماضي ألفي صاروخ باليستي وصاروخ كروز. نحن لا ننتج سوى 250 صاروخ كروز، ولا ننتج أي صواريخ باليستية. الأوكرانيون بدؤوا في إنتاجها العام الماضي، وسيصنعون منها 700 هذه السنة، لأنهم يصنعونها بمستوى كاف من الفاعلية".
وفي ضوء ذلك، تتجه الشركات الأوروبية بأعداد متزايدة إلى تطوير شراكات مع الشركات الأوكرانية للاستفادة من خبرتها، لا سيما في قطاع المسيرات.
بالإضافة إلى مسألتي الإنفاق والتصنيع الحربي، من المتوقع أن يناقش قادة حلف شمال الأطلسي الأهمية البالغة لتأمين حدود الجناح الشرقي للحلف مع تفاقم التهديدات الروسية وتزايد حوادث الحرب الهجينة والاختراقات عبر المسيرات في دول مثل بولندا وإستونيا ورومانيا، وشبهات بتورط أسطول الظل الروسي في عمليات تخريب الكابلات البحرية في بحر البلطيق، وهي اختراقات يُنظر لها على نطاق واسع من قبل خبراء الدفاع الأوروبيين على أنها محاولات اختبار روسية لقدرات دول الحلف على رد الفعل.
ويتولى الآن الفيلق الألماني الهولندي قيادة القوات البرية التابعة للحلف في إستونيا ولاتفيا، كما ينشئ من خلال هيئة أركانه مقرا تكتيكيا ثانيا للمنطقة.
وقال وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس أثناء وجوده بمدينة تارتو الإستونية هذا الأسبوع قبل قمة حلف الناتو في أنقرة: "تعزز ألمانيا التزامها على الجناح الشرقي للناتو، بالتعاون مع أصدقائنا الهولنديين"، مضيفا أن الفيلق سيركز في مهمته القيادية "بشكل كامل على إستونيا ولاتفيا"، في تأكيد على التحرك الأوروبي داخل الناتو.
ويقع مقر قيادة الفيلق الألماني الهولندي في مدينة مونستر بولاية شمال الراين-ويستفاليا. ووفقا للبيانات، سيتولى الفيلق مسؤولية تنظيم المناورات العسكرية، وكذلك الدفاع عن الجناح الشرقي للحلف إذا وقع أي طارئ، بينما كان مقر قيادة الناتو في بولندا يتولى هذه المهمة حتى وقت قريب.
ونظريا، يعيد زيادة الوجود العسكري لحلف شمال الأطلسي على مقربة من الحدود ومناطق النفوذ الروسية شرق أوروبا، التوتر بين موسكو والغرب إلى المربع الأول على خلفية المحاذير التي تضعها عادة روسيا أمام حدود تقدم الناتو، وهي مسألة شديدة الحساسية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة