آخر الأخبار

العراق بين واشنطن وطهران.. اختبار السيادة وحصر السلاح

شارك
رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي

يقف العراق أمام مرحلة سياسية وأمنية شديدة الحساسية، مع تزامن دعوات رسمية لرئيس الوزراء العراقي علي الزيدي لزيارة كل من واشنطن وطهران، في وقت تواجه فيه حكومته اختبارا معقدا يتعلق بملف السلاح خارج إطار الدولة ومستقبل النفوذ الإيراني داخل البلاد.

وتتزايد التحديات أمام الحكومة العراقية مع تصاعد الحديث عن تحولات في استراتيجية طهران داخل العراق، بعدما كشفت تقارير عن توجه الحرس الثوري الإيراني لتشكيل خلايا سرية صغيرة تعمل خارج الهياكل التقليدية للفصائل المسلحة الموالية له، الأمر الذي يطرح تساؤلات بشأن مستقبل المواجهة بين مشروع الدولة ومراكز القوة المسلحة غير الرسمية.

ورغم إعلان عدد من الفصائل موافقتها على تسليم سلاحها للدولة والانخراط في المؤسسات الرسمية، فإن استمرار تمسك بعض التشكيلات المسلحة بسلاحها، إلى جانب الحديث عن تكوين شبكات سرية جديدة، يثير مخاوف من تحول العراق مجددا إلى ساحة صراع غير مباشر بين الولايات المتحدة وإيران.

ويرى مراقبون أن الزيارة المرتقبة للزيدي إلى واشنطن منتصف يوليو المقبل ستكون محطة مفصلية لتحديد مدى قدرة الحكومة العراقية على ترجمة وعودها بشأن فرض سيادة الدولة وحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية.

وكانت وكالة رويترز قد نقلت الثلاثاء الماضي عن مصادر عراقية أن الحرس الثوري الإيراني اعتمد استراتيجية جديدة تقوم على إنشاء خلايا سرية صغيرة يتكون كل منها من نحو عشرة عناصر تعمل بشكل منفصل عن الفصائل التقليدية وترفع تقاريرها مباشرة إلى طهران.

وبحسب الوكالة، شاركت بعض هذه الخلايا بالفعل في تنفيذ هجمات بالطائرات المسيّرة ضد أهداف وقواعد أميركية خلال الأشهر الماضية.

وفي ظل هذا المشهد المتشابك، تبدو بغداد أمام اختبار سياسي وأمني غير مسبوق، حيث لن يكون نجاح الحكومة العراقية مرهونا فقط بإدارة التوازن بين واشنطن وطهران، بل بقدرتها على فرض سيادة الدولة على كامل أراضيها وإنهاء ظاهرة السلاح الموازي للدولة، وهي معركة قد تحدد مستقبل العراق الإقليمي خلال السنوات المقبلة.

"الاختبار الحقيقي" للسيادة

وتعتبر الباحثة الأميركية المتخصصة في الشؤون الجيوسياسية، إيرينا تسوكرمان، أن الدور الإيراني في العراق "يدخل مرحلة أكثر خطورة وتعقيدا"، موضحة أن الخلايا السرية تمنح طهران هامشا أكبر للإنكار السياسي بعد أن أصبحت الفصائل التقليدية أكثر عرضة للمراقبة والضغوط المحلية والدولية.

وتقول تسوكرمان في حديثها لموقع "سكاي نيوز عربية" إن زيارة الزيدي المرتقبة إلى واشنطن تمثل "اختبارا حقيقيا لاستعداد بغداد للانتقال من الحديث عن السيادة إلى تنفيذ إجراءات فرض سيطرة الدولة على السلاح وضمان عدم استخدام أراضيها منصة لشن هجمات خارج الحدود".

وتحذر من أن أي نشاط مسلح ينطلق من الأراضي العراقية لاستهداف دول الخليج سينعكس سلبا على العراق نفسه الذي يسعى إلى جذب الاستثمارات الخليجية وتعزيز اندماجه في محيطه العربي.

وتضيف أن التحدي لا يقتصر على دمج الفصائل الكبيرة داخل مؤسسات الدولة، بل يشمل أيضا تفكيك الشبكات السرية والسيطرة على الطائرات المسيّرة وتتبع مصادر التمويل ومحاسبة الجهات المرتبطة بأطراف خارجية.

كما تنبه إلى أن النفوذ الإيراني في العراق لا يقتصر على الجانب العسكري، بل يمتد إلى مؤسسات دينية وشبكات اقتصادية مرتبطة بالطاقة وأجهزة نفوذ واستخبارات تراكمت خلال أكثر من عقدين.

وكان الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان قد وجه في الخامس من مايو الماضي دعوة رسمية إلى الزيدي لزيارة طهران، قبل أن تتحدث تقارير صحفية مجددا خلال الأيام الماضية عن تجديد الدعوة في إطار مساعي إيران للحفاظ على نفوذها داخل الساحة العراقية.

ملفات زيارة واشنطن

من جانبه، يرى الخبير الأمني والعسكري العراقي اللواء الدكتور علاء النشوع أن نجاح زيارة الزيدي إلى واشنطن قد يساهم في "تحويل التفاهمات السياسية بين البلدين إلى خطوات عملية لتعزيز استقرار العراق وإعادة ترتيب العلاقات بعد حرب إيران".

ويتوقع النشوع في حديثه لموقع "سكاي نيوز عربية" أن يتصدر الملف الأمني جدول المباحثات، خاصة ما يتعلق بحصر السلاح بيد الدولة ومنع استخدام الأراضي العراقية في أنشطة تهدد الأمن الإقليمي.

ويشير إلى أن المباحثات قد تشمل أيضا تطوير التعاون العسكري والاقتصادي وتعزيز جهود مكافحة تهريب النفط والأموال، وهي ملفات تمثل أولوية مشتركة بين بغداد وواشنطن.

الوقت يداهم بغداد

بدوره، يعتقد المحلل السياسي العراقي ياسين عزيز أن المؤشرات الإيجابية التي أظهرتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تجاه حكومة الزيدي منذ مرحلة الترشيح والتكليف قد تفتح الباب أمام معالجة عدد من الملفات المعقدة.

ويقول عزيز لـ"سكاي نيوز عربية" إن الولايات المتحدة "تعد أكثر الأطراف الخارجية تأثيرا على العراق سياسيا وأمنيا واقتصاديا وحتى دبلوماسيا، وليس أمام الزيدي وقت طويل لتلقي إشاراتها الإيجابية بإعطاء إشارة من جانبه بأنه قادر على ضبط الأمور، خاصة إنهاء هيمنة سلاح الفصائل على القرار العراقي وإبعاد نفوذ إيران".

ويضيف أن الملف الاقتصادي سيكون حاضرا بقوة خلال الزيارة، خصوصا بعد شروع الحكومة العراقية في عقد اتفاقيات مع شركات أميركية في مجالات الطاقة والتكنولوجيا.

كما يتوقع أن تحضر على طاولة النقاش ملفات العلاقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان، فضلا عن مساعي إعادة العراق إلى محيطه العربي بعد التوترات التي شهدتها علاقاته مع بعض الدول العربية نتيجة الهجمات التي نفذتها فصائل عراقية خلال الحرب الأخيرة بين إيران وإسرائيل.

تحديات اقتصادية متصاعدة

وتأتي هذه التحركات السياسية في وقت يواجه فيه العراق ضغوطا مالية متزايدة بسبب تداعيات أزمة الطاقة في المنطقة.

فمنذ إغلاق مضيق هرمز أمام جزء كبير من حركة صادرات النفط، تراجعت الإيرادات النفطية العراقية بشكل ملحوظ رغم ارتفاع الأسعار العالمية، ما دفع وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين إلى التحذير من أن استمرار الوضع الحالي قد يضطر الحكومة إلى الاعتماد على الاحتياطيات المالية والاقتراض لتأمين الرواتب والالتزامات الأساسية.

وتشير البيانات الرسمية إلى أن صادرات العراق النفطية خلال مايو بلغت نحو ثلاثة ملايين برميل فقط، فيما لم تتجاوز الإيرادات النفطية 300 مليون دولار مقارنة بنحو 6.5 مليارات دولار في يناير الماضي.

تفكيك العقيدة المليشياوية

أما الباحث العراقي في السياسات الاستراتيجية كاظم ياور فيرى أن الاهتمام الأميركي باستقرار العراق يرتبط أيضا بمنع عودة التنظيمات الإرهابية إلى الساحة العراقية.

ويقول في حديثه لـ"سكاي نيوز عربية" إن ظهور جماعات إرهابية مثل تنظيم داعش دفع الولايات المتحدة إلى تبني مقاربة تقوم على دعم الحكومات العراقية وتعزيز استقرارها لضمان عدم تحول العراق إلى مصدر تهديد للأمن الإقليمي والدولي.

ويضيف أن الزيدي "شخصية مستقلة وغير خاضعة للإملاءات أو للتنسيق مع الفصائل المسلحة، وبدأ مهامه بخطوات متناغمة مع واشنطن"، معتبرا أن الحكومة العراقية تحتاج إلى دعم أميركي ودولي لمواجهة الضغوط الإيرانية ومعالجة ملف السلاح.

ويشدد ياور على أن حصر السلاح بيد الدولة لا يعني مجرد جمع الأسلحة من الفصائل المسلحة، بل يتطلب "تفكيك عقيدة امتلاك السلاح خارج إطار الدولة وعقيدة الاعتداء على دول الجوار".

سكاي نيوز المصدر: سكاي نيوز
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا