يرى الكاتب الإيطالي جيوفاني ليغورانو أن الاعتداء العنيف الذي تعرضت له راهبة فرنسية في مدينة القدس المحتلة أواخر أبريل/نيسان الماضي لم يكن حادثة معزولة، بل يمثل مؤشرا على تنامٍ مقلق لكراهية المسيحيين داخل إسرائيل، في ظل تصاعد النزعات القومية والدينية المتشددة وتفاقم أجواء الاستقطاب في المنطقة.
وينطلق الكاتب في تحليل بمجلة فورين بوليسي إلى أن مقطع فيديو انتشر على نطاق واسع أظهر مستوطنا إسرائيليا يهاجم راهبة ويدفعها بقوة إلى الشارع قبل أن يركلها وهي على الأرض.
وقد وجهت السلطات الإسرائيلية إلى المشتبه به تهمة الاعتداء بدافع الكراهية الدينية، بينما أثارت الواقعة إدانات رسمية داخل إسرائيل وانتقادات من دول أوروبية عدة، بينها فرنسا وإيطاليا وإسبانيا.
بحسب فورين بوليسي، فإن الحادثة سلطت الضوء على ظاهرة آخذة في الاتساع تتمثل في المضايقات اللفظية والجسدية ضد المسيحيين وتدنيس الرموز والأماكن الدينية المسيحية، وهي ممارسات يرى منتقدون أنها غالبا ما تمر دون محاسبة كافية.
يوضح التقرير أن المسيحيين يشكلون نحو اثنين بالمئة فقط من سكان إسرائيل البالغ عددهم أكثر من عشرة ملايين نسمة، وأن الغالبية العظمى منهم من العرب. كما يقيم في البلاد آلاف رجال الدين المسيحيين، كثير منهم من غير المواطنين الإسرائيليين.
وبحسب بيانات مركز رصد الحرية الدينية، وهو منظمة إسرائيلية يهودية تدير خطا ساخنا لتلقي شكاوى المسيحيين، ارتفع عدد الحوادث العدائية الموثقة ضد المسيحيين إلى 181 حادثة خلال عام 2025، مقارنة بـ 107 حوادث في العام السابق. وتشمل هذه الحوادث البصق والإهانات اللفظية والتخريب والاعتداءات الجسدية والمضايقات عبر الإنترنت.
وتقول مؤسسة المركز يسكاه هاراني، وفقا للتقرير، إن الأرقام الحقيقية قد تكون أعلى بكثير بسبب عدم الإبلاغ عن العديد من الحالات. وترى أن ضعف إنفاذ القانون يشجع المتطرفين على تكرار هذه الأفعال، مضيفة أن غياب العقاب يشكل "ضوءا أخضر" لمزيد من الانتهاكات.
ويعزو محللون ومنظمات دينية ومدنية هذا التصاعد إلى تنامي نفوذ التيارات القومية الدينية داخل المشهد السياسي الإسرائيلي، إضافة إلى المناخ العام الذي يسوده الخوف والكراهية والاستقطاب منذ اندلاع الحرب على غزة. كما يرى بعض الباحثين أن الأفكار المسيانية المنتشرة في أوساط دينية متشددة تدفع بعض الأفراد إلى النظر بعدائية إلى كل من يُصنف خارج دائرة "الجماعة الخاصة بهم".
ويحذر التقرير من أن استمرار الاعتداءات على المسيحيين لا يهدد فقط النسيج الاجتماعي داخل إسرائيل، بل قد ينعكس أيضا على علاقاتها الدولية، خاصة مع الدول الأوروبية التي تضم مجتمعات مسيحية واسعة وتتابع بقلق أوضاع الأماكن المقدسة في القدس.
ويشير الكاتب إلى أن شخصيات سياسية إسرائيلية بدأت تدق ناقوس الخطر. ففي جلسة عقدها الكنيست في مايو/أيار الماضي، وصف أحد النواب هذه الحوادث بأنها "وصمة أخلاقية" على إسرائيل، معتبرا أنها تمثل فشلا تربويا وأخلاقيا يتطلب إجراءات عملية تتجاوز مجرد النقاشات البرلمانية.
وفي المقابل، يبرز التقرير أهمية التعليم والحوار بين الأديان كأداتين أساسيتين لمواجهة الظاهرة. فقد أظهرت دراسات أجراها مركز روسينغ أن كثيرا من الإسرائيليين يحملون تصورات خاطئة عن المسيحية، وأن ارتفاع مستويات التعليم والتواصل المباشر مع المسيحيين يرتبط بمواقف أكثر إيجابية وتسامحا.
ويخلص ليغورانو إلى أن معالجة المشكلة تتطلب أكثر من مجرد اعتقالات أو إجراءات أمنية، بل تستدعي جهدا تربويا ومجتمعيا طويل الأمد لمواجهة خطاب الكراهية وتعزيز التعايش.
المصدر:
الجزيرة