جاءت دعوة ترامب، التي وجّهها خلال اتصال جماعي بقادة ومسؤولين من البحرين ومصر والأردن وباكستان وقطر والسعودية وتركيا والإمارات، في لحظة إقليمية شديدة التوتر والحساسية. فقد تزامنت مع استمرار المحادثات مع طهران حول ملفات شائكة، كما أن واشنطن نفّذت غارات على جنوب إيران بعد ساعات فقط، في خطوة هزّت الهدنة الهشة أصلاً وهدّدت بنسفها بالكامل.
واعتبر ترامب في منشور على منصته "تروث سوشال" أن الاتفاقيات الإبراهيمية "ستكون وثيقة تحظى باحترام لم يحظَ به أي مستند تم التوقيع عليه في أي مكان في العالم"، مطالبًا السعودية وقطر بـ"التوقيع فورًا"، وداعيًا بقية الدول إلى أن "تحذو المسار نفسه".
وتسعى الإدارة الأمريكية اليوم إلى توسيع دائرة "الاتفاقيات الإبراهيمية"، بعدما كانت واشنطن قد رعت خلال ولاية ترامب الأولى مسار التطبيع بين إسرائيل وعدد من الدول العربية، بينها الإمارات والبحرين والمغرب.
منذ اندلاع الحرب على غزة في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، تصاعد الغضب الشعبي في الشارع العربي بشكل غير مسبوق تجاه الحكومة الإسرائيلية، في حرب خلّفت أكثر من 70 ألف قتيل فلسطيني وفق وزارة الصحة في القطاع.
في هذا السياق، يرى محللون أن أي خطوة تطبيعية في هذا التوقيت بالذات ستكون مكلفة سياسياً بالنسبة إلى معظم الدول التي تحدث عنها ترامب. الباحث هاي إيه هيليير، من معهد الخدمات المتحدة الملكية ومركز التقدم الأمريكي، يؤكد أن الحرب لا تزال مستمرة، ويتواصل التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية، ناهيك عن استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في جنوب لبنان والجولان المحتل.
أما الخبير في شؤون الشرق الأوسط في معهد "تشاتام هاوس"، يوسي ميكلبرغ، فيعتبر أن تصريحات ترامب لا تتعدى كونها "رسالة دعم لإسرائيل"، من غير المرجح أن تتحول إلى خطوات فعلية، متسائلاً بلغة ناقدة: "لماذا قد تكافئ هذه الدول نتنياهو بعد كل الدمار الذي ألحقه بالمنطقة؟".
وتجدر الإشارة إلى أن السعودية كانت قد دخلت في محادثات تمهيدية للتطبيع مع إسرائيل عام 2023، قبل أن تتراجع عنها بشكل كامل مع اندلاع الحرب على غزة ، مؤكدة لاحقاً أن أي اعتراف بإسرائيل يبقى مشروطاً بقيام دولة فلسطينية مستقلة.
وفي السياق نفسه، تستبعد الدبلوماسية الأمريكية السابقة باربرا ليف، التي شغلت منصب مساعدة وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى في إدارة جو بايدن، أن يقدم أي من القادة العرب أو المسلمين الذين تواصل معهم ترامب على خطوة تطبيع في الظروف الحالية.
لم يحمل منشور ترامب أي مؤشرات واضحة إلى وجود قناعة فعلية لديه بإمكانية توسيع "الاتفاقيات الإبراهيمية" في هذا التوقيت الحساس. ولهذا، يعتبر مراقبون أن الدعوة جاءت أقرب إلى رسالة سياسية بحتة، هدفها إظهار الاصطفاف المطلق إلى جانب إسرائيل، ومحاولة انتزاع إنجاز دبلوماسي يخفف من الضغوط المتزايدة المرتبطة بحرب أثارت غضباً واسعاً في المنطقة والعالم.
ويرى محللون أن هذه الدعوة قد تكون محاولة لطمأنة إسرائيل في وقت تسعى فيه واشنطن إلى إبرام تفاهم مع إيران، خصمها الإقليمي الأبرز. وفي هذا الإطار، كتب أستاذ العلاقات الدولية المساعد في جامعة قطر، عبدالله بندر الطيبي، عبر منصة "إكس"، أن الخطوة تبدو محاولة لإقناع إسرائيل والتيارات المتشددة في واشنطن بأن التصعيد العسكري حقق نتائج سياسية يمكن البناء عليها.
وأضاف أن الإدارة الأمريكية تحتاج إلى رواية تبرر هذا التصعيد وتقدّمه باعتباره أعاد تشكيل المشهد الإقليمي، لا باعتباره مواجهة بلا نتائج واضحة، مشيراً إلى أن التحدي لا يقتصر على التوصل إلى تفاهمات، بل يمتد إلى قدرة كل طرف على تسويقها داخلياً بوصفها "انتصاراً" لا "تنازلاً".
من جهته، تساءل الباحث هاي إيه هيليير عمّا إذا كان الهدف غير المعلن من تصريحات ترامب هو تقويض أي اتفاق محتمل مع إيران، في ظل معارضة بعض حلفاء واشنطن لهذا المسار. وقال إن اللافت للانتباه هو غياب الحماسة داخل واشنطن نفسها لمشروع "الاتفاقيات الإبراهيمية"، معتبراً أن ذلك يعكس مدى ابتعاد المقاربة السياسية الأمريكية عن تعقيدات الحسابات الإقليمية الحقيقية.
المصدر:
يورو نيوز
مصدر الصورة