آخر الأخبار

بكين بين ترمب وبوتين.. تهدئة مع واشنطن وتحصين للشراكة مع موسكو

شارك

في أسبوع دبلوماسي استثنائي، وفي مشهد نادر يعيد رسم خريطة التوازنات الدولية، تستقبل بكين رئيسي أكبر قوتين عسكريتين في العالم خلال أيام معدودة، فبعد أيام قليلة من اختتام الرئيس الأمريكي دونالد ترمب زيارته الأولى للصين منذ تسع سنوات، يستعد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لزيارة بكين من 19 إلى 20 مايو/أيار.

هذا التسلسل الدبلوماسي المحكم يكشف عن تحول جوهري في الجغرافيا السياسية العالمية، حيث باتت بكين محور استقطاب لا غنى عنه للقوى العظمى، في الوقت الذي تمارس فيه إستراتيجية دقيقة تجمع بين الانفتاح البراغماتي على واشنطن والتحالف الإستراتيجي الراسخ مع موسكو.

اقرأ أيضا

list of 3 items
* list 1 of 3 من بريكست إلى "بريتيرن".. هل تعود بريطانيا إلى الاتحاد الأوروبي؟
* list 2 of 3 إسرائيل تتسلّم أوراق اعتماد أول سفير لـ"أرض الصومال"
* list 3 of 3 الخرطوم تستعيد عافيتها تدريجيا وعودة النازحين إليها "تفوق التوقعات" end of list

مركز الثقل الدبلوماسي الجديد

وفي متابعة الصحافة الصينية لهذه الزيارات، وصفت صحيفة غلوبال تايمز الصينية هذا التزامن بأنه حدث "نادر للغاية في حقبة ما بعد الحرب الباردة".

ونقلت الصحيفة عن أستاذ العلاقات الدولية بجامعة الشؤون الخارجية الصينية لي هايدونغ قوله إن "توجه واشنطن وموسكو نحو بكين في وقت متقارب يحمل دلالة رمزية عميقة، لأن كون دولة ما تشكل الوجهة الرئيسية لقوتين عظميين في آن واحد، يعني لحظة تاريخية ورمزية للغاية".

هذا التدفق الدبلوماسي شمل أيضا قادة الأعضاء الدائمين الآخرين في مجلس الأمن، فقد زار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الصين في ديسمبر/كانون الأول 2025، تلاه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في يناير/كانون الثاني 2026.

ونتيجة لذلك أكّد لي للصحيفة أنه "في القضايا الأساسية مثل التعافي الاقتصادي، والحوكمة المناخية، ومنع الانتشار النووي، والأمن الإقليمي، لا يمكن لأي أجندة دولية كبرى أن تتقدم دون الصين".

تهدئة محسوبة مع واشنطن

وصف ترمب زيارته لبكين بأنها "نجاح كبير" و"لا تنسى"، واعتبر أن العلاقة مع الصين ستكون أفضل من أي وقت مضى -وفقا لما نقلته غلوبال تايمز عن وسائل إعلام دولية- سلطت الضوء أيضا على نتائج الزيارة.

إعلان

ذلك الثناء وعبارات المديح هيأت الظروف المناسبة لإعلان الصين عن عصر جديد من الاستقرار الإستراتيجي البنّاء بين القوتين العظميين، يركز على التعاون والتنافس المنظم بدلا من التنافس العدائي، وفقا لما نقلته الصحيفة عن شبكة "سي إن إن" .

وفي تصريح لمدير برنامج السياسة الدولية بالمعهد الوطني للإستراتيجية العالمية جاو هاي -نقلته الصحيفة- قال إن "الهدف في بكين ليس بالضرورة سد فجوة ثقة استمرت عقدا في قمة مدتها ثلاثة أيام، بل منع التصعيد غير المقصود"، مضيفا أن "التنسيق الدقيق والحوار الشفاف ضروريان للحفاظ على الاستقرار طويل المدى".

شراكة راسخة مع موسكو

في المقابل، تؤكد صحيفة الشعب الصينية في تقاريرها أن العلاقات الصينية الروسية تمرّ "في أفضل مراحلها التاريخية"، ونقلت عن وزير الخارجية الصيني وانغ يي اقتباسه من قصيدة للشاعر "دو فو" يصف فيه العلاقات الثنائية خلال مؤتمر صحفي سابق بأنها "ثابتة كالجبل لا تحركها الرياح ولا الأمطار".

دبلوماسية رؤساء الدول توفر "التوجيه الإستراتيجي" للعلاقات، حيث تتمتع العلاقات الصينية الروسية بمستوى عال من الثقة المتبادلة

وتتزامن زيارة بوتين مع الذكرى الثلاثين للشراكة الإستراتيجية والـ25 لمعاهدة حسن الجوار التي وصفتها الصحيفة بالأساس القانوني المتين والعلامة الفارقة المهمة في تاريخ العلاقات.

ففي رسالتين متبادلتين بمناسبة معرض الصين روسيا العاشر، أكد الرئيس الصيني أن التعاون في مختلف المجالات يتعمق ويتوطد بشكل مستمر، محققا ثمارا كثيرة، كما أعرب نظيره الروسي عن توقعاته بأن يفتح المعرض آفاقا جديدة للتعاون المتبادل.

وتؤكد صحيفة تشاينا ديلي في هذا السياق أن دبلوماسية رؤساء الدول توفر "التوجيه الإستراتيجي" للعلاقات، حيث تتمتع العلاقات الصينية الروسية بمستوى عال من الثقة المتبادلة، مما جعلها تصمد أمام اضطرابات المشهد الدولي، لتكون عامل استقرار لنظام العالم ما بعد الحرب.

مصدر الصورة تصف الصحف الصينية العلاقات مع موسكو بأنها في أفضل مراحلها (أسوشيتد برس)

قواعد ثابتة بأساس اقتصادي

تعتبر الصين الشريك التجاري الأكبر لروسيا للعام الـ16، بحجم تجارة بلغ في عام 2025 نحو 227.9 مليار دولار، متجاوزا حاجز 200 مليار دولار لثلاث سنوات متتالية، بينما بلغ حجم التجارة الثنائية خلال الأشهر الأربعة الأولى من هذا العام 85.241 مليار دولار، بزيادة سنوية تقدّر بنسبة 19.7%، وفقا لأحدث البيانات التي نقلتها صحيفة الشعب عن وزارة التجارة الصينية.

وتضيف الصحيفة أن التعاون بين البلدين يمتد إلى الطاقة و الذكاء الاصطناعي والزراعة والفضاء، مستدلة على ذلك بما قاله ليف زيلوني، المدير العلمي لمعهد الدراسات الفضائية الروسي من أن "الإمكانات الهائلة للتعاون في مجال الفضاء واضحة، خاصة في استكشاف القمر ودراسات التربة القمرية".

وكذلك على ما صرحت به يلينا سيردوكوفا ممثلة المكتب التجاري الروسي بأنها "تأمل في أن يكون التعاون بين روسيا والصين أكثر تنوعا، وأن يتحول من تعاون تجاري بسيط إلى تعاون في الإنتاج وسلاسل التوريد، وتعاون تقني، واستثمار طويل الأمد في المنفعة المتبادلة".

إعلان

في المقابل ركزت صحيفة الاقتصاد الصينية على جوانب التعاون البراغماتي واعتبرته القوة الدافعة لتطوير العلاقات الصينية الروسية المستقرة في ظل بيئة خارجية معقدة ومتغيرة، مشيرة إلى التبادلات الشعبية بعد تطبيق الإعفاء المتبادل من التأشيرات، وإلى "العام الثقافي الصيني الروسي 2025″، وإطلاق "عام التعليم الصيني الروسي 2026″، مما يزيد من وتيرة الزخم المتجدد "لتوارث الصداقة عبر الأجيال".

مصدر الصورة قد يعكس استقبال بكين المتقارب لترمب وبوتين تحولها إلى مركز لا يمكن تجاوزه في القضايا الدولية الكبرى (رويترز)

تنسيق إستراتيجي عالمي

شددت صحيفتا الشعب وتشاينا ديلي على أن البلدين كعضوين دائمين في مجلس الأمن، يتحملان "مسؤولية ومهمة كبرى" في الحفاظ على الاستقرار العالمي ودفع النظام الدولي نحو "اتجاه أكثر عدلا ومعقولية"، وأنهما "ملتزمان بحزم بالحفاظ على النظام الدولي الذي جوهره الأمم المتحدة"، وأنهما في سبيل ذلك "قوة رئيسية في معارضة الهيمنة وفي تعزيز التعددية القطبية".

وقالت تشاينا ديلي إن الزعيمين أصدارا في عام 2025 ثلاثة بيانات مشتركة حول تعميق العلاقات وتعزيز الاستقرار الإستراتيجي والحفاظ على سلطة القانون الدولي، وقد نقلت غلوبال تايمز عن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قوله في مؤتمر صحفي عقب احتفالات يوم النصر إن "التعاون بين دول مثل الصين وروسيا هو بلا شك عامل ردع واستقرار" في الشؤون العالمية.

وفي هذا السياق، يرى الأكاديمي لي هايدونغ أن القوى الأربع الكبرى التي زارت بكين مؤخرا، بالإضافة إلى روسيا "رغم اختلاف الأولويات والمواقف بينها، تتشارك في توجّه واحد، وهو أن أحدا منها لا يسعى إلى فك الارتباط الكامل أو المواجهة مع الصين"، وأن "الجميع يعترف بأن السوق الصينية لا يمكن الاستغناء عنها، لأن الصين في نظرهم قوة استقرار في عالم متزايد الاضطراب"، حسب ما أوردته صحيفة غلوبال تايمز.

روسيا والصين، "بروح الصداقة الدائمة وحسن الجوار، ستواصلان "ضخ الزخم الصيني الروسي" في بناء تعددية قطبية عالمية عادلة ومنظمة وعولمة اقتصادية شاملة ومنصفة

ونقلت الصحيفة نفسها عن فنغ شاو ليه مدير مركز الدراسات الروسية بجامعة شرق الصين أن "الوضع الدولي يشهد تحولا عميقا"، مشددا على "ضرورة أن يظل التعاون بين الصين وروسيا مرنا ومتجاوبا مع المتغيرات، مع التمسك في الوقت نفسه بمبادئه التأسيسية".

وبهذه الطريقة تحاول تقارير الصحافة الصينية رسم مسار أوضح للعلاقات المتداخلة والزيارات المتوالية بين انفتاح حذر على واشنطن وترسيخ إستراتيجي مع موسكو، وبشكل يبرز دور بكين العالمي والأكثر مركزية.

أما لحسابات القادم من الأيام بزيارة الرئيس الروسي بوتين، فتجمع التقارير على أن البلدين "بروح الصداقة الدائمة وحسن الجوار"، سيواصلان "ضخ الزخم الصيني الروسي" في بناء تعددية قطبية عالمية عادلة ومنظمة وعولمة اقتصادية شاملة ومنصفة، عبر تنفيذ المبادرات العالمية الأربع -التنمية والأمن والحضارة والحوكمة- لدفع بناء مجتمع المستقبل المشترك للبشرية.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا