وصفت عدة صحف السياسة البريطانية بأنها دخلت مرحلة من عدم الاستقرار المزمن، مشيرة إلى انزلاق تدريجي نحو محاولة منظمة للإطاحة برئيس الوزراء كير ستارمر، بعد أسابيع من التوتر السياسي والخسائر الانتخابية التي فجّرت صراعا داخليا بين أجنحة الحزب.
وقالت صحيفة تايمز -في مقال بقلم فريزر نيلسون تحت عنوان "باب داوننغ ستريت الدوّار يحولنا إلى مادة سخرية عالمية"- إن عملية تغيير رؤساء الوزراء تحولت إلى ما يشبه "طقسا دوريا لإسقاط القادة"، جعل بريطانيا تبدو من الخارج، دولة تعاني من سخرية عالمية بسبب كثرة تبديل حكوماتها.
وأشار الكاتب إلى أن هذه الظاهرة لم تعد مجرد أزمة سياسية داخلية، بل أصبحت صورة دولية لبريطانيا كدولة غير مستقرة سياسيا، تتكرر فيها الاستقالات والتمردات البرلمانية بشكل لافت.
ويعكس التنافس الحالي داخل حزب العمال حول خلافة كير ستارمر هذا النمط المستمر، حيث ينظر إلى آندي بورنهام كأبرز المرشحين المحتملين، في ظل تحركات داخل الحزب لإعادة تشكيل القيادة عبر انتخابات فرعية وترتيبات سياسية معقدة.
لكن الكاتب ينتقد الطريقة التي يتم بها التعامل مع الناخبين، معتبرا أن هناك نوعا من "توظيف الديمقراطية" لخدمة ترتيبات حزبية داخلية، بدلاً من أن تكون عملية التغيير نابعة من تفويض شعبي واضح.
وربط المقال بين هذا الدوران السياسي المستمر وبين تفاقم الأزمات البنيوية في بريطانيا، خصوصا ارتفاع الدين العام وتكاليف خدمته، مما يجعل البلاد أكثر عرضة لتقلبات الأسواق المالية، منتقدا ما يعتبره نمطا متكررا من السياسات غير القابلة للتنفيذ، حيث تُطلق الحكومات المتعاقبة وعودا كبيرة في مجالات مثل الهجرة والإسكان والطاقة دون امتلاك خطط واقعية أو استمرارية كافية لتنفيذها.
وحذر المقال من أن بريطانيا أصبحت أسيرة "دورة إسقاط القادة"، حيث يستبدل رئيس وزراء بآخر بشكل متكرر دون معالجة الأسباب العميقة للأزمات، مما يقود إلى مزيد من الركود الاقتصادي وتدهور القدرة الحكومية، ما لم يتم كسر هذه الحلقة والتركيز على إصلاحات طويلة الأمد بدلا من التغيير السياسي المستمر.
واعتبر موقع بوليتيكو أن حزب العمال البريطاني ينزلق تدريجيا نحو محاولة منظمة للإطاحة بستارمر، بعد أسابيع من التوتر السياسي والخسائر الانتخابية التي فجّرت صراعا داخليا بين أجنحة الحزب، مشيرا إلى أن 96 نائبا من الحزب طالبوا بوضع جدول زمني لرحيل ستارمر، لكن رفضه تحديد أي موعد فتح الباب أمام منافسة غير مستقرة بين شخصيات بارزة داخل الحزب بدلاً من انتقال منظم للسلطة.
ويبرز في المشهد -حسب الموقع- ثلاثة أسماء رئيسية تتنافس أو تُطرح كبدائل محتملة: عمدة مانشستر الكبرى آندي بورنهام، ووزير الصحة السابق ويس ستريتينغ، ونائبة رئيس الوزراء السابقة أنجيلا راينر، مما يعكس انقساما عميقا داخل الحزب بين من يريد تغييرا سريعا في القيادة لتفادي ما يعتبرونه شللا حكوميا، وبين من يرى أن الإطاحة بستارمر الآن قد تزيد الاضطراب السياسي في لحظة حساسة اقتصاديا وجيوسياسيا.
وفي هذا السياق، تقدّم الكاتبة كاميلا كافنديش قراءة سياسية للأزمة المتصاعدة داخل حزب العمال البريطاني، -في مقال بصحيفة فايننشال تايمز – معتبرة أن الأسابيع الأخيرة كشفت بوضوح الانقسامات العميقة التي حاول رئيس الوزراء كير ستارمر إخفاءها خلال العامين الماضيين.
ووصفت الكاتبة رسالة استقالة وزير الصحة ويس ستريتينغ، بأنها حادة ومباشرة، وتعبّر عن منطق جديد داخل الحزب، يقول إن القيادة تعني تحمّل المسؤولية، لكن الواقع غالبا ما يؤدي إلى سقوط الآخرين بدلاً من القادة أنفسهم.
وترى الكاتبة أن ما يجري داخل الحزب ليس انهياراً مفاجئاً، بل "حراك بطيء في الظل" نحو سباق قيادة غير معلن حتى الآن، حيث لا تزال آليات الحزب البيروقراطية وتوازنات الاقتصاد السياسي البريطاني تمنح ستارمر قدرة على البقاء مؤقتا، إلا أن بقاءه حتى الانتخابات القادمة يبدو غير مرجّح، رغم أنه ما زال يتمتع بسلطة المنصب وثقل الدولة.
ونبهت الكاتبة إلى أن بورنهام يُنظر إليه باعتباره المرشح الأبرز من "التيار الناعم اليساري"، لكنه يواجه اختبارا حاسما في انتخابات فرعية قد تحدد مستقبله السياسي، في حين لا يزال ستريتينغ لاعبا مهما رغم استقالته، إذ من المتوقع أن يطرح أفكارا سياسية واقتصادية جديدة، لكن البعض يعتقد أن خروجه من الحكومة قلل من نفوذه.
وختمت كافنديش بأن ستارمر رغم تمسكه بالسلطة، يواجه تحديا متزايدا في الحفاظ على وحدة الحزب، بينما يظل السؤال الأساسي مفتوحا: هل يستطيع حزب العمال إنتاج قيادة قادرة على مواجهة الأزمة الاقتصادية العميقة في بريطانيا، أم أن الانقسامات الداخلية ستمنعه من ذلك؟
من ناحيتها، قدمت صحيفة تلغراف قراءة مختلفة لهذا الوضع، وأشارت -في مقال تحليلي بقلم ويل سِلف تحت عنوان "ستارمر ليس حالة شاذة.. بل تجسيد لبريطانيا الحديثة"، إلى أن الانتقادات الموجهة لستارمر لا تفسّر جوهر المشكلة، بل تخفي خلفها أزمة أعمق تتعلق بطبيعة الدولة والمجتمع البريطاني المعاصر.
ورأى الصحفي والروائي في مقاله أن ستارمر يُصوَّر عادة في الإعلام والرأي العام كشخص بارد بيروقراطي ومفرط في الرسمية، لكنه لا يرى في ذلك "عيبا فرديا" بقدر ما يعكس تحولا بنيويا في بريطانيا نفسها، لأن ستارمر ليس استثناء ولا خللا، بل هو "نتاج طبيعي" لمجتمع أصبح يحكمه منطق الإجراءات والقواعد بدلا من الثقة الاجتماعية والعلاقات المباشرة.
وقال الكاتب إن الغضب الشعبي تجاه ستارمر لا يستهدف شخصه، بل يعبّر عن إحباط أوسع من الحياة الحديثة نفسها كالعقود المعقدة والبيروقراطية الرقمية وأنظمة الموارد البشرية وسياسات الامتثال التي تحكم تفاصيل الحياة اليومية، وبالتالي، فإن ستارمر "رمز بشري" لهذه المنظومة.
وينسب المقال ضعف القيادة السياسية اليوم إلى تغيّر طبيعة الحكم نفسه، حيث لم تعد الخبرة القانونية أو الإدارية كافية لفهم عالم سياسي تحكمه الفوضى الإعلامية، والمعلومات المتسارعة، والتأثيرات الرقمية العالمية.
ويخلص ويل سِلف إلى أن المشكلة ليست في ستارمر كشخص، بل في النظام السياسي والاجتماعي الذي أنتجه، وبذلك يصبح علامة على تحوّل أعمق في الدولة البريطانية، حيث تذوب القيادة الفردية داخل منظومة بيروقراطية معقدة تفقد معها السياسة معناها التقليدي.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة