"عشية استقلالها عن الاتحاد السوفياتي مطلع التسعينيات، وجدت كازاخستان نفسها رابع أكبر قوة نووية في العالم بحصيلة بلغت 1400 رأس نووي"
في مطلع عام 1992، وبينما أخذت كازاخستان تتلمس طريقها في النظام الدولي كدولة مستقلة بعد انفصالها عن الاتحاد السوفياتي في ديسمبر/كانون الأول 1991، لم يكن يشغل عقل رئيسها الأول نور سلطان نزارباييف أكثر من بناء دولة يستطيع أن يحكمها لأطول فترة ممكنة وبأقل قيود ممكنة، وأن ينجح في الوصول إلى علاقات جيدة مع واشنطن كي ينال الرضا من القوة التي باتت تتربع على قمة العالم وحدها.
بيد أن الدول الغربية التي أخذت تراقب تفكك الاتحاد السوفياتي منتشية بسقوط الشيوعية، بدأت توجه أنظارها صوب البنى التحتية النووية والعسكرية التي تركها السوفييت في بعض البلدان الكبرى، مثل أوكرانيا وكازاخستان. فبين عشية وضحاها، وبعد أن استقلت عن موسكو، كانت كازاخستان قد تحولت إلى القوة النووية الرابعة عالميا من حيث عدد الرؤوس النووية، بواقع 1400 رأس نووي سوفياتي، بالإضافة إلى قاذفات بعيدة المدى وصواريخ كروز، فضلا عن واحد من أكبر مواقع الاختبارات النووية في العالم.
بيد أن الموافقة لم تكن كافية كي تمنع سيلا من الشائعات بدأ مع ربيع عام 1992، مفادها أن إيران حصلت على رأسين نوويين من كازاخستان عبر عناصر روسية منفردة، وفقا لتقرير نشرته مجلة "شتيرن" (Stern) الألمانية آنذاك. سرعان ما تلقفت صحيفة نيويورك تايمز الخبر، وأضافت لمستها الخاصة، حيث أشارت إلى أن ضابطا روسيا رفيع المستوى أكد المعلومة، وقال إن ثلاثة أسلحة نووية تكتيكية قد اختفت من ترسانة الجيش الأحمر في كازاخستان.
"في عام 1992 أُشيع أن أن إيران حصلت على رأسين نوويين من كازاخستان، لكن هذه الشائعات سرعان ما ثبت زيفها"
بيد أن الشائعات سرعان ما ثبت زيفها، حين أكدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية أنها لم ترصد عملية من هذا النوع، بينما نفت مصادر استخبارية أمريكية على علم بالبرنامج النووي السوفياتي أن رؤوسا نووية قد تحركت من الأساس خارج نطاق دول الفضاء السوفياتي. في صيف العام نفسه، وقع نزارباييف على بروتوكول لشبونة واتفاقية "ستارت"، متعهدا بالتخلي عن سلاحه النووي وملتزما بالشروط الأمريكية، ومن ثم طُويت صفحة "كازاخستان النووية" القصيرة.
في السابع من سبتمبر/أيلول 1992، لم يتأخر رئيس الوزراء الكازاخستاني آنذاك سيرجي تيريشنكو عن طمأنة الدولة النووية الصغيرة القابعة في قلب الشرق الأوسط على مصيرها، حيث زار إسرائيل في أول زيارة رسمية لمسؤول بالدولة الوليدة إلى تل أبيب، وأكد لنظرائه هناك أن كازاخستان لا يمكن أن تبيع أيا من السلاح النووي الموروث عن موسكو لأي طرف، سواء إيران أو غيرها. لم تتوقف من ذلك الوقت الصلات بين كازاخستان وإسرائيل، طيلة 34 عاما، صارت فيها أستانا الدولة الأقرب في آسيا الوسطى إلى تل أبيب.
"أعلنت كازاخستان في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 الانضمام إلى اتفاقيات أبراهام لتلتحق بمسيرة التطبيع مع إسرائيل برعاية أمريكية"
آتت هذه العلاقات بعض ثمارها مؤخرا. ففي يوم 19 يناير/كانون الثاني الماضي، تلقى الرئيس الكازاخستاني قاسم جومارت توكاييف دعوة رسمية من نظيره الأمريكي دونالد ترمب للانضمام إلى "مجلس السلام"؛ الهيئة الانتقالية التي استحدثها ترمب مطلع عام 2026 للإشراف على مرحلة ما بعد الحرب في غزة. وكشفت موافقة توكاييف السريعة عن رغبة كازاخستان في أن تكون ضمن النواة المؤسسة لهذا المجلس الدولي في خطوة مكملة لإعلانها المفاجئ في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 الانضمام إلى اتفاقيات أبراهام، لتلتحق بمسيرة "التطبيع" مع إسرائيل برعاية أمريكية.
في الرابع من ديسمبر/كانون الأول 2023، وبينما كانت نيران الحرب في غزة تثير موجات من الغضب العالمي، وقف ران إيشاي، السفير الإسرائيلي السابق لدى كازاخستان قائلا إن أستانا تمثل نموذجا نادرا لـ"دولة خالية من معاداة السامية". واستند ران في تصريحاته على الخلط المعتاد بين الصهيونية وتاريخ اليهود في العموم، مشيرا إلى الوجود التاريخي لليهود في آسيا الوسطى، الذي تفننت إسرائيل في توظيفه منذ سقوط الاتحاد السوفياتي.
"أصبحت كازاخستان السوفياتية ملاذا آمنا لعشرات الآلاف من اليهود الفارين من جحيم النازية"
تعود الجذور الحقيقية لعلاقة اليهود بآسيا الوسطى الحديثة كما نعرفها إلى حقبة الحرب العالمية الثانية، حين أصبحت كازاخستان السوفياتية ملاذا آمنا لعشرات الآلاف من اليهود الفارين من جحيم النازية. وتحولت هذه الروابط مع سقوط السوفيات إلى ورقة دبلوماسية ناجحة، حيث هاجرت موجات كبيرة من اليهود الكازاخستانيين إلى إسرائيل، مؤسسين روابط عائلية وثقافية بين البلدين، تماما كما فعلوا مع روسيا ذاتها. واليوم، تحتضن كازاخستان الجالية اليهودية الأكبر في آسيا الوسطى، والتي تساهم في لعب دور الجسر بين كازاخستان وإسرائيل.
سارعت إسرائيل منذ بداية التسعينيات لتقديم نفسها بوصفها رائدا تكنولوجيا قادرا على حل مشاكل الدولة الفتية في الري وتحلية المياه والزراعة. ومن خلال "اللجنة الحكومية المشتركة"، تحول التعاون التقني إلى شراكة إستراتيجية توجتها زيارة رئيس إسرائيل آنذاك شيمون بيريز إلى كازاخستان عام 2009، وهي الأولى من نوعها لرئيس إسرائيلي، ثم زيارة بنيامين نتنياهو عام 2016، الأولى لرئيس وزراء إسرائيلي. كانت زيارة نتنياهو بالتحديد بمثابة إعلان رسمي عن نجاح إستراتيجية توطيد الشراكات الاقتصادية بعيدا عن الدوائر الإقليمية التقليدية لتل أبيب، مدعومة باتفاقية منطقة التجارة الحرة بين إسرائيل واتحاد دول آسيا الوسطى عام 2015.
لخص نمرود نوفيك، نائب رئيس شركة "ميرهاف" الإسرائيلية نظرة تل أبيب إلى كازاخستان منذ استقلالها حين وصفها بأنها "من أغنى دول العالم تحت الأرض (في إشارة إلى مواردها الطبيعية)، ومن أقلها تنمية فوق الأرض". كانت هذه الرؤية هي المحرك الذي دفع صناع القرار في إسرائيل للاستثمار فيها بكثافة، حتى وصل عدد الشركات الإسرائيلية الكبرى العاملة هناك إلى 52 شركة بحلول عام 2009، وإلى نحو 160 منذ عام 2022.
"وصل عدد الشركات الإسرائيلية الكبرى العاملة في كازاخستان إلى 52 شركة بحلول عام 2009، وإلى نحو 160 شركة في عام 2022"
اليوم، يتجلى هذا التكامل في أرقام التبادل التجاري التي بلغت نحو ربع مليار دولار عام 2024، حيث تصدر إسرائيل التكنولوجيا وتستورد ربع احتياجاتها من النفط من أستانا، حيث يتدفق نفطها عبر خط أنابيب بحر قزوين إلى الموانئ الروسية، ومنها إلى المصافي الإسرائيلية، مشكلا شريان حياة إستراتيجيا لا يتأثر بالتقلبات السياسية الإقليمية. وقد حلت كازاخستان في المركز الثاني في قائمة موردي النفط إلى إسرائيل في الفترة بين نوفمبر/تشرين الثاني 2023 وأكتوبر/تشرين الأول 2025، أي أثناء الحرب على غزة، مباشرة بعد أذربيجان.
بعيدا عن التجارة، تبرز العلاقة الأمنية كأحد أكثر مساحات التعاون عمقا بين الدولتين. فمنذ التسعينيات، وجدت كازاخستان في إسرائيل حليفا طبيعيا لمواجهة مخاوفها المتنامية من حركة أوزبكستان الإسلامية (IMU) وحزب التحرير في آسيا الوسطى، بالإضافة إلى صعود حركة طالبان في أفغانستان خلال الفترة نفسها.
كانت الخبرة الإسرائيلية في مكافحة التنظيمات المسلحة كنزا في نظرة القادة العسكريين الكازاخستانيين، ولذا تعمق التعاون الأمني بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، حيث تحولت إسرائيل إلى مورد رئيسي للأسلحة وتقنيات المراقبة، ما جعلها شريكا أمنيا وثيقا لكازاخستان، التي أرادت أيضا أن تكتسب موقعا مهما من إستراتيجية الحرب على الإرهاب الأمريكية لتعميق علاقاتها بواشنطن حينذاك.
"وجدت إسرائيل موطئ قدم في كازاخستان يحقق لها أهدافا عدة، أولها منع تغلغل النفوذ الإيراني"
وبينما تسعى دول آسيا الوسطى لتحقيق توازن دقيق في علاقاتها مع القوى الكبرى كضرورة إستراتيجية لموازنة الاعتماد على القوتين الشرقيتين (روسيا والصين)، وجدت إسرائيل موطئ قدم في كازاخستان يحقق لها أهدافا عدة، أولها منع تغلغل النفوذ الإيراني، عبر استغلال مخاوف أستانا العميقة من انتشار الأيديولوجيا الإسلامية، وثانيهما كسر عزلتها الإقليمية ببناء علاقات مع دول إسلامية غير عربية "معتدلة" على حد وصفها، بهدف إضعاف جبهة الرافضين لها وكسب المزيد من التأييد في المحافل الدولية.
قبل أن يلتقط الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أنفاسه من نشوة التفاخر بدوره في وقف حرب غزة، عاد يتصدر المشهد مجددا في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، معلنا انضمام كازاخستان رسميا إلى اتفاقيات "أبراهام"، في مفاجأة غريبة من نوعها، إذ إنها وضعت آسيا الوسطى أول مرة في قلب خارطة تطبيع كانت معنية بالأساس بالشرق الأوسط، كما أنها باتت تشمل دولة كانت تتمتع بالفعل بعلاقات قوية مع إسرائيل.
كانت اللقطة محاولة لإعادة الزخم إلى اتفاقيات أبراهام بعد الحرب الإبادية على غزة، وقد جاءت أثناء استضافة ترمب زعماء دول آسيا الوسطى الخمس في البيت الأبيض، ضمن إطار مجموعة (C5+1)، حيث كشف ترمب عن "مكالمة رائعة" جمعته بنتنياهو والرئيس الكازاخستاني توكاييف، معلنا أن كازاخستان أول دولة تنضم إلى الاتفاقيات في ولايته الثانية، ومبشرا بحفل توقيع رسمي قريب لدول أخرى تسعى للانضمام إلى ما وصفه بـ"نادي القوة". وبهذا الانضمام نالت كازاخستان العديد من الألقاب، كأول دولة من خارج نطاق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تنضم لهذا الإطار، وأول دولة إسلامية تقدم على هذه الخطوة بعد اندلاع حرب غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023.
"بالانضمام إلى اتفاقات أبراهام نالت كازاخستان العديد من الألقاب: أول دولة من خارج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تنضم لهذا الإطار، وأول دولة تقدم على هذه الخطوة بعد حرب غزة"
وبرغم أن القرار الكازاخستاني ينسجم مع رؤية أستانا التي تحرص على تسويق نفسها كدولة مسلمة "معتدلة" تبني جسور التواصل مع الجميع بما يشمل إسرائيل، يكاد يتفق المحللون على أن دافع أستانا الأول للانضواء تحت لواء أبراهام لم يكن سوى محاولة براغماتية لكسب ود البيت الأبيض في حقبة ترمب الثانية، حيث تكافأ مظاهر التوافق الشكلي التي تخدم الأولويات الأمريكية في المناطق الإستراتيجية، لا سيما في ظل رغبة كازاخستان في تنويع شراكاتها، كي لا تعتمد على الاقتصاد الصيني والدعم السياسي الروسي بشكل شبه كامل، وهو اعتماد طبيعي نتيجة موقعها وتاريخها.
في هذا السياق، بدت عضوية الاتفاقيات كخطوة منخفضة التكلفة تمنح كازاخستان صك غفران سياسي في واشنطن دون الحاجة لتقديم تنازلات جوهرية. أما بالنسبة لترمب، فإن هذا الانضمام يمثل اختراقا رمزيا يعوض تعثر مسار التطبيع السعودي الإسرائيلي الذي كبلته نيران الحرب في غزة؛ فإقحام دولة مسلمة وازنة من خارج الجغرافيا العربية يعيد تسويق الاتفاقيات كإطار دبلوماسي واقتصادي عالمي عابر للحدود، بدلا من كونها مجرد هيكل سلام إقليمي ضيق يترنح تحت وطأة الأزمات، ما يعكس أيضا السعي لإبقاء اتفاقيات أبراهام على قيد الحياة، ولو على حساب أهدافها الأصلية، أو حتى فقدان الاتفاقيات لأي بوصلة جيوسياسية واضحة والاكتفاء ببقائها الشكلي والرمزي.
"عضوية أبراهام خطوة منخفضة التكلفة تمنح كازاخستان صك غفران سياسي في واشنطن دون الحاجة لتقديم تنازلات جوهرية"
على صعيد العلاقة بين أستانا وتل أبيب وواشنطن، تظهر المعادن الإستراتيجية كورقة مهمة، إذ إن كازاخستان ليست مجرد شريك سياسي وأمني قديم، بل مصدر لمعادن عديدة، فهي المنتج الأول لليورانيوم عالميا بنسبة 40%، وتمتلك احتياطيات هائلة من التيتانيوم والمنغنيز والكروم. وفي اجتماع البيت الأبيض، لم يخفِ ترمب اهتمامه حين أكد أن "المعادن الحيوية" أولوية قصوى لتقليص الاحتكار الصيني لسلاسل التوريد. كذلك بالنسبة لإسرائيل، يمثل هذا الانضمام ضمانة للوصول إلى موارد يحتاجها قطاعا الدفاع والتكنولوجيا المتقدمة، بينما ترى أستانا في ذلك فرصة للانفكاك التدريجي عن التبعية الاقتصادية لبكين، التي تستحوذ حاليا على حصة الأسد من صادراتها المعدنية.
في يوم 11 ديسمبر/كانون الأول 2025، وبينما كانت أروقة الدبلوماسية في أستانا تضج بصدى التوقيع على أوراق الانضمام لاتفاقيات "أبراهام"، كان الرئيس الكازاخستاني قاسم جومارت توكاييف يستقبل نظيره الإيراني مسعود بزشكيان في أول زيارة رسمية له، مؤكدا عمليا أن أستانا تتقن "فن السير على الحبال"، وأنها حريصة على عدم قطع العلاقات مع طهران، الشريك المهم أيضا في مجالات الطاقة والتجارة.
من المنظور الإيراني، يمثل تمدد النفوذ الإسرائيلي نحو آسيا الوسطى خطرا إستراتيجيا يتجاوز حدود التطبيع التقليدي، وفي ظل تراجع نسبي لـ"محور المقاومة" في الشرق الأوسط، تجد إيران أن السبيل الوحيد للحفاظ على مصالحها وعلاقاتها الإستراتيجية والتاريخية بآسيا الوسطى، هو مزاحمة الإسرائيليين قدر الإمكان، وموازنة محاولات التغلغل الأمريكي بالتنسيق المتزايد مع الصين وروسيا على كافة الأصعدة، بدلا من ترك الساحة خالية أمام تل أبيب، أو الأسوأ، تعريض علاقاتها بدول المنطقة لتوتر إضافي في خضم حرب لم تنته بعد مع واشنطن.
"لم يعد الممر الأوسط مجرد فكرة على ورق، بل خيار اقتصادي يمكن أن يربط الصين وآسيا الوسطى بأوروبا عبر بحر قزوين وتركيا، متجاوزا الجغرافيا الإيرانية والروسية على السواء"
في تلك الأثناء، وبينما يضطرب مضيق هرمز ويتحدث العالم عن بدائل له، لم يعد "الممر الأوسط" مجرد فكرة على ورق، بل خيار اقتصادي يمكن أن يربط الصين وآسيا الوسطى بأوروبا عبر بحر قزوين وتركيا، متجاوزا الجغرافيا الإيرانية والروسية على حد سواء. ومن موقعها، ترى أستانا أن الاستفادة من الممر اقتصاديا مساحة جيدة للبناء على علاقاتها الوطيدة بتركيا، والوصول إلى الأسواق الأوروبية، في حين يظل موقف واشنطن من هذا الممر مبهما، فهو من جهة يقلص دور إيران، لكنه بطبيعة الحال يعزز الدور الصيني، ويعمق العلاقات بين أهم كتلتين اقتصاديتين في العالم بعد أمريكا؛ الصين وأوروبا.
تثير تحركات أستانا بالطبع حفيظة موسكو، التي تتوجس من انحراف كازاخستان أكثر من اللازم نحو المظلة الأمريكية، وهي الدولة الأهم بالنسبة لها في آسيا الوسطى، والتي لا تزال تحتوي على تعداد معتبر من المواطنين الروس. بيد أن موسكو، مثلها مثل طهران في الوقت الراهن، منشغلة بحرب ضروس في أوكرانيا، ومن ثم تفضل أن تنتهج نهج الحفاظ على العلاقات الجيدة مع أستانا وإن زاحمها آخرون، على أن تلعب بكين الدور الأكبر في رصد التغلغل الأمريكي-الإسرائيلي في القطاعات الحساسة مثل المعادن الحيوية والبنية التحتية، ومنافسة الحضور الاقتصادي الغربي.
من الداخل، لا تبدو هناك علامات قبول شعبي بالتطبيع واسع مع إسرائيل، حيث يصطدم الاندفاع الرسمي نحو اتفاقيات أبراهام بالتعاطف مع فلسطين، المتزايد منذ حرب غزة. أضف إلى ذلك أن العلاقات الوطيدة مع تركيا تجعل تأثير الإعلام والمواقف الثقافية في تركيا مهما في كازاخستان، وفي ظل المشاعر المعادية لإسرائيل في أنقرة، بما في ذلك في دوائر الحكم، يبدو المناخ الشعبي في كازاخستان أقل قبولا لعلاقات أعمق مع تل أبيب مقارنة بدوائر السلطة.
"وصلت اتفاقيات أبراهام بصورة غريبة ومفاجئة إلى حدود روسيا، وإلى الدولة الأكبر جغرافيا في آسيا الوسطى"
في مجتمع يخضع لقبضة أمنية قوية منذ سقوط الاتحاد السوفياتي، كان لافتا ظهور عرائض إلكترونية في كازاخستان تطالب بوقف النفط المتدفق نحو إسرائيل، مع حملات مقاطعة للعلامات التجارية الداعمة للاحتلال في كازاخستان. بيد أن تلك الظواهر تظل محدودة التأثير في ظل سيطرة أمنية وإعلامية للنظام الحاكم بقيادة توكاييف، وفي ظل وعي واضح لدى نخب كازاخستان بأن إسرائيل بوابة لا غنى عنها للوصول إلى واشنطن.
في نهاية المطاف، وصلت اتفاقيات أبراهام بصورة غريبة ومفاجئة إلى حدود روسيا، وإلى الدولة الأكبر جغرافيا في آسيا الوسطى، وإن لم تكن الأكبر من حيث التعداد السكاني. ورغم أن توسيع إطارها المفاجئ يعكس ربما إحباطا أمريكيا من انضمام المزيد من دول الشرق الأوسط إليها، ومحاولة ترسيخ أهميتها الرمزية على حساب جدواها الحقيقية على الأرض، فإن انضمام كازاخستان إليها يعد حدثا فارقا.
تمنح أستانا، غير البعيدة عن إيران والغنية بالموارد الطبيعية، الولايات المتحدة القدرة على إعادة تعريف الاتفاقيات على أنها إطار إقليمي يربط حلفاءها في الشرق الأوسط وجنوب القوقاز وآسيا الوسطى، وهو ما يتقاطع مع طموحات واشنطن في ولاية ترمب الثانية، ويوافق مساعي إسرائيل لكسر طوق جوارها المباشر وبناء دور جديد في إستراتيجية أمريكا الأكبر لتطويق خصومها في روسيا والصين.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة