آخر الأخبار

الإمارات والذكاء الاصطناعي: طموح عملاق تحت نيران الصواريخ

شارك
لم تترك الإمارات مجالاً للشك في رغبتها في ترسيخ مكانتها إلى جانب الولايات المتحدة والصين كقوة عالمية في مجال الذكاء الاصطناعي.صورة من: Olaf Schuelke/IMAGO

لم يكن تعيين عمر سلطان العوّامة كأول وزير للذكاء الاصطناعي في العالم عام 2017، يمثل أهمية كبرى وسط اهتمامات الصحافة العالمية. وكان الرأي العام منقسمًا حول القيمة التي سيضيفها هذا المنصب الجديد.

وقتها قال العوّامة: "نريد أن تصبح الإمارات الدولة الأكثر استعدادًا في العالم للذكاء الاصطناعي"، وهو ادعاء بدا وقتها للبعض مبالغًا فيه، خاصةً أنه كان وزيرًا يبلغ من العمر 27 عامًا فقط. ومع ذلك، بحلول عام 2023، تم إدراج العوّامة في القائمة الأولى لمجلة تايم TIME100 للذكاء الاصطناعي.

شركات عملاقة ورهانات ضخمة على بوابة النجوم

منذ ذلك الحين، لم تترك الإمارات مجالاً للشك في رغبتها في ترسيخ مكانتها إلى جانب الولايات المتحدة والصين كقوة عالمية في مجال الذكاء الاصطناعي . وفي قلب هذا الطموح تقف شركة G42، وهي مجموعة تبلغ قيمتها مليارات الدولارات ومقرها أبوظبي تأسست عام 2018 ومتخصصة في الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية .

يرأس G42 الشيخ طحنون بن زايد آل نهيان - المستشار الأمني الوطني المؤثر - ويقودها الرئيس التنفيذي بنغ شياو، وتعمل الشركة على تطوير بنية تحتية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي في مجالات الرعاية الصحية والطاقة والمال والأمن السيبراني ومراكز البيانات.

حظيت G42 باهتمام دولي بعد حصولها على استثمار بقيمة 1.5 مليار دولار من مايكروسوفت في 2024، في الوقت الذي حاولت فيه الإمارات أن تضع نفسها كدولة توازن تكنولوجي بين الولايات المتحدة والصين. ومع ذلك، خضع هذا التوازن أيضًا لتدقيق من جانب واشنطن بسبب العلاقات السابقة للشركة مع شركات تكنولوجيا صينية والجدل المتعلق بالمراقبة.

تعمل أبوظبي حاليًا على تطوير مشروع "بوابة النجوم الإماراتية" (Stargate UAE)، وهي تجمع ضخم لمراكز البيانات لشركة Open AI وشركات أمريكية أخرى.

ويغطي المشروع مساحة تعادل مساحة موناكو ، ومن المفترض أن يكون أكبر مركز بيانات في العالم خارج الولايات المتحدة. ووفقًا لمصادر صناعية مختلفة، يتم حاليًا تشغيل بين 35 و58 مركز بيانات في الإمارات.

ظهرت شكوك حول إمكانية استمرار قصة التوسع المذهل للإمارات في الذكاء الاصطناعي. فقد حولت إيران فجأة تركيزها إلى دول الخليج، كاشفة عن نقطة ضعف جديدةصورة من: Nic Bothma/Matrix Images/picture alliance

الأمن الغذائي ونفط المستقبل: أسباب الرهان الخليجي

تواصلت DW عربية مع خبير أصرّ على عدم الكشف عن اسمه، والذي أفاد بأن دول الخليج العربي كثّفت استثماراتها في الذكاء الاصطناعي بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة وتوسعت في استخداماته في قطاعات مختلفة، لا سيما في القطاع الزراعي.

يقول الخبير إن ذلك يرجع لسببين: أولهما الأمن الغذائي، مدفوعاً بمخاوف من نزاع محتمل في المنطقة في ظل عدم تحقيق دول الخليج العربية الاكتفاء الذاتي في إنتاج الغذاء. أما السبب الثاني، فهو أن هذه الدول تنظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره "نفطها الجديد"، خاصةً وأنها تسعى منذ فترة إلى إيجاد مصادر دخل بديلة إلى جانب النفط.

قال سيباستيان سونز، الباحث الأول في مركز كاربو الألماني للدراسات، لـ DW عربية: "الاستثمار في الذكاء الاصطناعي لا يقتصر على تطوير البنية التحتية المحلية، بل يتعلق ببناء أصل استراتيجي". وأضاف: "إنه أكثر من مجرد ميزة إضافية؛ إنه يتعلق بأن تصبح لاعبًا رئيسيًا لا غنى عنه ورائدًا في هذا المجال".

جامعات الذكاء الاصطناعي: من الحلم الأكاديمي إلى الواقع

وفي ظل هذا السعي الإماراتي نحو تعظيم دور الذكاء الاصطناعي، تم التركيز بشكل خاص على تعزيز المكانة الأكاديمية للبلاد. ففي 2020، افتتحت الإمارات أول جامعة في العالم مخصصة بالكامل لدراسات الذكاء الاصطناعي على مستوى الدراسات العليا. تأسست جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي (MBZUAI) بهدف أن تصبح "ستانفورد الشرق الأوسط". ولوقت ما، بدا أن كل شيء يسير وفق الخطة.

لكن مع صبيحة يوم 28 فبراير/شباط 2026، شكل اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران نقطة تحول لطموحات دول الخليج في أن تكون مراكز للرفاهية والاستقرار وملاذًا آمنًا للاستثمار.

شنت إيران ضربات انتقامية على جيرانها في الخليج ردًا على الغارات الجوية الأمريكية التي استهدفت قيادات في إيران. وحتى دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 8 أبريل/نيسان 2026، اعترضت الإمارات، وفقًا لمصادر حكومية، أكثر من 537 صاروخًا باليستيًا وأكثر من 2200 طائرة مسيرة أُطلقت من إيران.

هشاشة البنية التحتية الرقمية

حاولت الحكومة الإماراتية نقل صورة أكثر أماناً وحاولت بث الطمأنينة، فأعلنت عن معدل نجاح في اعتراض ما أطقته إيران عليها بنسبة 95%. لكن خلف الكواليس، تحولت الحرب إلى سيناريو كابوسي لبلد يعتمد نموذج أعماله العالمي بشكل كبير على صورة الأمان والاستقرار. لم تكن الإمارات أبداً بمنأى عن الجغرافيا السياسية الإقليمية: فالإمارات وإيران تواجهان بعضهما البعض عبر الخليج على أقرب نقطة بمسافة جوية تبلغ 120 كيلومترًا.

وفجأة، ظهرت شكوك حول إمكانية استمرار قصة التوسع المذهل للإمارات في الذكاء الاصطناعي . فقد حولت إيران فجأة تركيزها إلى دول الخليج، كاشفة عن نقطة ضعف جديدة: "من الواضح أن إيران أظهرت - عبر سيناريوهات متعددة - استعدادها لتوسيع نطاق الاستهداف ليشمل البنية التحتية الحيوية، بما في ذلك صراحة الأصول التكنولوجية والمتعلقة بالذكاء الاصطناعي الموجودة في دول الخليج"، بحسب ما قال الباحث المقيم في طهران عماد بياندي من مركز البيانات للحوكمة.

وكان الحرس الثوري الإيراني قد هدد مباشرة بالانتقام من الشركات الأمريكية في المنطقة. وكانت مكاتب ومراكز بيانات تديرها شركات مثل غوغل ، مايكروسوفت ، بالانتير، آي بي إم، انفيديا وأوراكل ضمن قائمة الأهداف الجديدة المعلنة من إيران، حسب تقرير لموقع بوليتيكو.

وفي الاول من آذار/مارس 2026، ضربت طائرات مسيرة إيرانية من طراز "شاهد" مركزين لبيانات أمازون ويب سيرفيسز في الإمارات، مما أدى إلى انقطاعات في التيار الكهربائي، حسبما ذكرت شبكة بي بي سي. ووفقًا لتقرير لوكالة رويترز، قد يستغرق استعادة عمليات الحوسبة السحابية في الإمارات والبحرين عدة أشهر.

محاولة للسيطرة على مشهد متفجر

ومنذ بداية الحرب، بذلت الحكومة كل ما في وسعها لتجنب حتى أدنى مظاهر فقدان السيطرة. وأصبح من الصعب بشكل متزايد على المراقبين المستقلين داخل البلاد الإدلاء بتصريحات علنية. يخشى الكثيرون من الانتقام، ويبدو أن هناك أسبابًا وجيهة لذلك.

وجدت مجموعة بيلينغكات أدلة تشير إلى أن السلطات الإماراتية قللت مرارًا من شأن تأثير ضربات الطائرات المسيرة الإيرانية أو شوهت هذا التأثير . باستخدام مقاطع فيديو تظهر فيها مواقع محددة وتحليل المصادر المفتوحة، خلص الصحفيون الاستقصائيون إلى أن عدة حوادث وُصفت رسميًا بأنها "اعتراضات ناجحة" كانت في الواقع على الأرجح ضربات مباشرة بطائرات مسيرة على مبانٍ وبنية تحتية في دبي وإمارات أخرى.

كما أبرز التحقيق كيف قامت الإمارات بتجريم نشر لقطات الضربات، وقد اعتُقل أو هُدّد العشرات لمشاركتهم مقاطع فيديو عبر الإنترنت، في محاولة واضحة للحفاظ على صورة الاستقرار والأمن.

لكن رغم هذه الجهود، كان التوتر واضح للعيان. ووفقًا لتقرير من قناة CNBC، تعرض مركز بيانات يقع في جزيرة ياس بأبوظبي ومملوك لشركة Pure Data Centre Group - ومقرها الرئيسي لندن - لضربات وأضرار ناجمة عن شظايا.

قال الرئيس التنفيذي للشركة غاري وجتاسيك لـ CNBC: "جميع فرص مراكز البيانات متوقفة. لا أحد يريد تطوير مراكز بيانات جديدة أو تركيب وحدات معالجة رسومات جديدة حتى تستقر الأمور". وبعد ذلك بوقت قصير، ظهرت تقارير مقربة من الصناعة تنفي تصريحات الرئيس التنفيذي، مؤكدة أن Pure Data لا تزال "متفائلة جدًا" بشأن الشرق الأوسط.

كما جاءت إشارات أكثر مدعاة للطمأنينة من شركة Presight، وهي شركة مقرها أبو ظبي متخصصة في الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات مدعومة من G42. ووفقًا لممثلي الشركة، لا تزال جداول البناء لمشروع بوابة النجوم الأمريكي-الإماراتي على المسار المحدد، دون أي مؤشرات على تقليص المشروع. وقال مارتن ييتس، وهو مستشار في Presight، لـ DW عربية إن الأعمال في Presight "أصبحت الآن أكثر اتساعاً وتركيزاً من أي وقت مضى".

تأثير الحرب على قطاع التعليم والموارد البشرية

ومع ذلك، تتزايد المخاوف داخل جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي. جذبت الإمارات مغتربين مهرة مع وعود برواتب مرتفعة، ودخل معفى من الضرائب، وأنماط حياة فاخرة، وقبل كل شيء، تصور كونها ملاذًا آمنًا في الشرق الأوسط.

ووفقًا لتقرير صادر عن Rest of World في سبتمبر 2025، فقد وظفت الجامعة، منذ تأسيسها قبل ست سنوات، أكثر من 100 عضو هيئة تدريس من الصين والولايات المتحدة وألمانيا ودول أخرى. ويبلغ عدد طلاب الجامعة وخريجيها حاليًا أكثر من 700 من 49 دولة.

تم بناء الجامعة لمعالجة أحد أكبر التحدّيات الهيكليّة في الإمارات: جذب والاحتفاظ برأس المال البشري. ويشكل المواطنون الإماراتيون حوالي 10-15% فقط من إجمالي سكان البلاد، في حين يعمل معظم العمال المهاجرين في وظائف منخفضة الدخل أو منخفضة المهارة. وبينما يمكن للرواتب في الإمارات أن تنافس الرواتب في وادي السيليكون، لا تظهر الإمارات في الصفوف الأولى من تجمعات مهندسي الذكاء الاصطناعي العالمية، حسب تقرير صادر عام 2026 عن المجلس الأطلسي.

لكن في نهاية فبراير/شباط 2026، انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي صور لأضرار في مطار دبي وفندق فاخر يحترق، مما أضر بالصورة التي حرصت البلاد على بنائها بعناية على مدار عقود.

وأقر رئيس جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، إريك شينغ، خلال قمة الاقتصاد العالمي التي نظمتها Semafor في واشنطن العاصمة منتصف أبريل/نيسان، بأنه "لم تكن هناك ضربات مباشرة قريبة، لكن بعض الطلاب فضلوا المغادرة لبضعة أسابيع مع بدء تأثير الحرب الإيرانية على دول الشرق الأوسط، قبل أن يعودوا في نهاية المطاف إلى الحرم الجامعي".

ووفقًا لشينغ، خلقت الحرب توترًا نفسيًا وقلقًا بين الطلاب حول موعد انتهاء الصراع. وقال رئيس الجامعة إنه قبل الحرب، كان 80% من الطلاب يُقال إنهم ينوون البقاء في الإمارات بعد انتهاء دراستهم. ومع ذلك، لا توجد حاليًا أرقام رسمية تبين عدد المغتربين الذين غادروا الإمارات منذ بداية النزاع أو ما إذا كانوا ينوون العودة.

في نهاية فبراير/شباط 2026، انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي صور لأضرار في مطار دبي وفندق فاخر يحترق، مما أضر بالصورة التي حرصت البلاد على بنائها بعنايةصورة من: AFP

عودة من الأزمة؟ مرونة الإمارات واختبار الصمود

يقول محمد سليمان، الباحث الأول في معهد الشرق الأوسط في واشنطن العاصمة: "لقد تغير ملف المخاطر السياسية. وهذا أمر حقيقي". وأضاف: "لكن الأساسيات لم تتغير. لا تزال الإمارات تقع عند تقاطع تدفقات رأس المال بين الشرق والغرب؛ ولا تزال تملك الطاقة والأراضي والرغبة السياسية لبناء قدرات الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع".

وعلى مدى العقود الماضية، واجهت منطقة الخليج أزمات متكررة، من الأزمة المالية إلى جائحة كوفيد-19 والصراعات الخليجية السابقة، التي اختبرت "نموذج أعمال الخليج". ومع ذلك، تعافت الإمارات مرارًا وتكرارًا أسرع مما توقع الكثيرون.

يقول الصحفي وخبير الشرق الأوسط سيباستيان سونز: "خلال كل هذه الأزمات، أثبتت الإمارات مرونتها الكبيرة ووجدت طرقًا لإعادة ابتكار نفسها والتعامل مع مثل هذه الأوضاع الاستراتيجية". وأضاف: "أعتقد أن الضرر طويل الأمد سيحدث فقط إذا استمر هذا الصراع لفترة طويلة ولم تجد الإمارات طريقة لتكييف نموذج أعمالها مع هذا الوضع الجديد. مراكز البيانات أصبحت بنية تحتية حيوية، ويجب حمايتها بشكل أفضل تمامًا مثل مصافي النفط أو محطات تحلية المياه ".

تمتلك الإمارات رأس المال الذي يُمكنها من التحرك بمرونة كبيرة والتجاوب مع المواقف الصعبة من خلال حوافز لجذب والاحتفاظ برأس المال البشريصورة من: Joan Cros/NurPhoto/picture alliance

مستقبل إماراتي على المحك: تحديات الهيكلة وتغير المناخ

ويُعد رهان الإمارات واستثماراتها الضخمة في الذكاء الاصطناعي جزء من استراتيجية أوسع لتنويع اقتصادها في ظل تناقص موارد النفط.

يؤكد ذلك محمد سليمان قائلاً: "لا توجد شركة ستتخلى عن هذا الأمر. لا أرى ذلك. قد يعيدون تقييم الأسعار. والآن، أعتقد أن إعادة التقييم متواضعة مقارنة بالرهان الهيكلي الذي تضعه الإمارات وبقية الخليج على أن تصبح نقطة محورية في سباق الذكاء الاصطناعي العالمي".

تمتلك الإمارات رأس المال الذي يُمكنها من التحرك بمرونة كبيرة والتجاوب مع المواقف الصعبة من خلال حوافز لجذب والاحتفاظ برأس المال البشري. ففي 2019، وخلال أزمة كورونا، قدمت الحكومة برنامج "التأشيرة الذهبية" التي توفر إقامة طويلة الأمد ومزايا للمستثمرين الأجانب ورواد الأعمال والطلاب المتفوقين والخريجين والعلماء. قد تظهر حوافز أو مزايا جديدة إذا قررت الكفاءات الانتقال في حال استمرار الصراع لفترة طويلة.

ومع ذلك، حتى بعد حل اجتياز تحدي رأس المال البشري، لا تزال هناك عقبات جديدة تلوح في الأفق، إذ تحتوي مراكز البيانات على خوادم ووحدات معالجة رسومات ووحدات معالجة بيانات تحتاج كلها إلى كميات كبيرة من الطاقة وتنتج حرارة مرتفعة. لذا، فإن التبريد في المناخات الحارة مثل الإمارات يزيد التكاليف ويزيد من حجم الانبعاثات الكلية على مستوى العالم.

تقع الإمارات في واحدة من أكثر المناطق جفافًا في العالم، ومتوسط درجة حرارتها السنوي يزيد على 27 درجة مئوية. وتعتمد الإمارات على محطات تحلية المياه لتوفير المياه. وتُعد ندرة المياه قيدًا هيكليًا آخر يجب أن تعالجه الحكومة الإماراتية.

تحرير: خالد سلامة

DW المصدر: DW
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا