منذ عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى البيت الأبيض مطلع عام 2025، لم تقتصر أزمة الهجرة على مشاهد المداهمات أو الاعتقالات، بل برزت إستراتيجية جديدة أكثر صمتا وفاعلية وهي دفع المهاجرين لترحيل أنفسهم بأنفسهم.
وفقا لبيانات المحاكم التي جمعها "معهد فيرا للعدالة" ونشرتها صحيفة واشنطن بوست، أصدر قضاة الهجرة أكثر من 80 ألف أمر بـ"المغادرة الطوعية" منذ تولي ترمب منصبه وحتى مارس/آذار 2026.
هذا الرقم يمثل زيادة كبيرة تصل إلى 7 أضعاف مقارنة بـ11400 أمر مماثل صدرت خلال آخر 15 شهرا من إدارة الرئيس السابق جو بايدن.
وتشير البيانات إلى أن الظاهرة في تصاعد مستمر، حيث تجاوزت أوامر المغادرة 9 آلاف أمر في شهر واحد فقط هو مارس/آذار 2026.
فكيف تحولت "المغادرة الطوعية" من خيار قانوني إلى ما تعتبره منظمات حقوقية أداة للإكراه، ومحاولة لـ"تفريغ" أمريكا من المهاجرين؟
المغادرة الطوعية هي آلية قانونية تسمح للمهاجر بمغادرة الولايات المتحدة على نفقته الخاصة من دون أي يصدر له أمر إبعاد رسمي يمنعه من العودة مستقبلا.
لكن الأرقام تكشف واقعا مختلفا، إذ إن أكثر من 70% ممن قبلوا بهذه المغادرة في عهد ترمب فعلوا ذلك وهم داخل مراكز الاحتجاز التابعة لوكالة الهجرة والجمارك (ICE).
وتتركز هذه الحالات جغرافيا في ولايات الجنوب التي تضم بعض أضخم مراكز الاحتجاز التابعة لوكالة الهجرة والجمارك، حيث تصدرت تكساس القائمة بـ12400 حالة، تلتها لويزيانا بـ5400 حالة خلال ستة أشهر فقط، وفقا لتقرير معهد فيرا.
وتفسر شاينا كيسلر، مديرة مبادرة تمثيل عالمي في معهد فيرا هذه الظاهرة قائلة: "الناس يقبلون بالمغادرة الطوعية لأنهم يحاولون الخروج من الاحتجاز بسرعة، ولأنهم لا يرون أمامهم أي مسار محتمل للحصول على إنصاف".
وتضيف في حديث لصحيفة واشنطن بوست: "يبدو أن هذا جزء من أجندة الترحيل الجماعي، حيث يشجع الناس على المغادرة حتى حين يكون لديهم ربما حق قانوني مشروع للبقاء".
ويتفق مع هذا الطرح أريل رويز سوتو، المحلل البارز في "معهد سياسات الهجرة"، الذي يعتبر أن غياب فرصة الإفراج بكفالة هو المحرك الأساسي، قائلا للصحيفة: "من الواضح أن المزيد من المحتجزين يسعون للمغادرة الطوعية بديلا للبقاء في الاحتجاز".
وتنقل واشنطن بوست قصة شاب من الشرق الأوسط (33 عاما) لا يملك سجلا إجراميا، أصيب بنوبات هلع وبدأ يضرب رأسه بالباب في الحبس الانفرادي.
وبعد أن لوّح له ضابط بترحيله إلى أوغندا، اختار الشاب المغادرة، قائلا لشقيقه: "أنا أموت هنا على أي حال. أفضل أن أموت في بلدي على أن أذهب إلى مكان سأموت فيه".
تقييد الكفالات: أصدر تود ليونز، القيادي بوكالة الهجرة والجمارك، مذكرة تقيد بشدة حق المهاجرين غير النظاميين في طلب الكفالة وتجعل الاحتجاز هو القاعدة، مما دفع الآلاف للاستسلام رغم وجود طعون قضائية ناجحة.
شلل المساعدة القانونية: علقت وزارة العدل تمويل برامج التوجيه والمساعدة القانونية داخل مراكز الاحتجاز، مما ترك مئات الآلاف بلا دعم في نظام محاكم يئن تحت وطأة أكثر من 3.7 ملايين قضية هجرة معلقة.
إقالة القضاة: أُقيل أكثر من 100 قاضي هجرة خبير، واستُبدلوا بقضاة جدد يفتقرون للخبرة، وهم الذين يصدرون النسبة الكبرى من أوامر المغادرة.
الترحيل المعجل وكمائن المطارات: تم توسيع نطاق الترحيل السريع متجاوزا المحاكم. كما نفذت خطة لتعقب المهاجرين بالمطارات الداخلية، أسفرت عن اعتقال 75% من المستهدفين قبل صعودهم للطائرات، وفق نيويورك تايمز في تقرير سابق.
في المقابل، لا تتردد الإدارة الأمريكية في الدفاع عن سياساتها بقوة، ففي تصريح نقلته واشنطن بوست، بررت وزارة الأمن الداخلي إجراءاتها الصارمة بشن هجوم لاذع على إدارة بايدن، قائلة إنها "أطلقت بلا مسؤولية ملايين الأجانب غير الشرعيين غير المدققين في المجتمعات الأمريكية".
وشددت على أن "الرئيس ترمب والوزير ماركوين مولين يطبقان القانون كما كُتب للحفاظ على أمن أمريكا".
على صعيد الأرقام، تظهر بيانات أوردها موقع أكسيوس أن وكالة الهجرة والجمارك رحلت قسريا 442637 شخصا في السنة المالية 2025.
ورغم ترويج الأمن الداخلي إعلاميا لـ"رحيل أكثر من مليوني شخص ذاتيا"، يشير الموقع ذاته إلى غياب الشفافية والبيانات المنتظمة التي تثبت صحة هذا الرقم الأخير.
وتبرز هنا مفارقة مالية، ففي حين تضع الوكالة هدفا لترحيل مليون شخص العام المقبل، فإنها طلبت تخفيض ميزانيتها الأساسية للاحتجاز والترحيل بـ751 مليون دولار.
لكن هذا التخفيض لا يعكس تراجعا، بل يكشف عن حجم الدعم الهائل للإدارة، إذ يوضح أكسيوس أن الوكالة استغنت عن هذا المبلغ لحصولها مسبقا على سيولة ضخمة ضمن حزمة تمويل استثنائية مررها الكونغرس الجمهوري صيف 2025، مما وفر لها أموالا طائلة لتمويل عملياتها بمعزل عن ميزانيتها السنوية المعتادة.
لم تتوقف الإجراءات عند المهاجرين الجدد، بل امتدت لتشمل تفعيل ترمب لقانون "أعداء أجانب" لعام 1798.
وقد سعت الإدارة بموجب هذا القانون لترحيل أشخاص بشبهة الانتماء لعصابات دون تمكينهم من إجراء قضائي كامل.
ومن أبرز الأمثلة أليساندرو باريديس، المهاجر الفنزويلي الذي خشي ترحيله إلى سجن (CECOT) السيئ السمعة في السلفادور، قبل أن يُنقذ في اللحظة الأخيرة بقرار مؤقت من المحكمة العليا أوقف ترحيله.
التصعيد شمل أيضا حملة الجنسية الأمريكية، إذ أعلنت وزارة العدل أنها في طريقها لتجاوز إجمالي قضايا نزع الجنسية (Denaturalization) التي رُفعت خلال سنوات بايدن الأربع مجتمعة، في شهر واحد فقط. يضاف إلى ذلك فرض تدقيق أمني على حسابات وسائل التواصل الاجتماعي للمسافرين من 42 دولة حليفة.
وأمام هذه الترسانة التشريعية والقرارات التنفيذية، يجد مئات الآلاف أنفسهم أمام خيارين: إما البقاء في غياهب احتجاز لا أفق له، أو التوقيع على ورقة تنهي الحلم الأمريكي بـ"مغادرة طوعية" هي في جوهرها إكراهٌ مقنّع بقوة القانون.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة