في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
بينما يسود الترقب لجولة ثالثة من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في واشنطن، خلال الأسبوع الجاري، أملا في إرساء وقف للأعمال العدائية، يعكس الميدان في الجنوب اللبناني واقعا مغايرا تماما، تشتد فيه العمليات العسكرية.
وينادي لبنان الرسمي بالضغط على إسرائيل، من أجل وقف غاراتها ونيرانها قبل جولة التفاوض، باعتباره مدخلا للمحادثات، التي أكدت الولايات المتحدة أنها ستُعقد يومي 14 و15 مايو/أيار الجاري.
قبل ذلك، تحدث مسؤول لبناني رفيع للجزيرة عن تقدّم في ملف المفاوضات، وأشار إلى بنود التفاوض، ومنها انسحاب إسرائيل بشكل كامل من لبنان، وتفاهم على ملفات ترسيم الحدود، وإطلاق الأسرى، وعودة النازحين، وإعادة الإعمار، تحت وعد أمريكي بوضع حد للاعتداءات الإسرائيلية على نحو تدريجي، وصولا إلى لحظة وقف إطلاق نار تام.
لكن الجيش الإسرائيلي وسّع نطاق عملياته العسكرية في جنوب لبنان، لتتجاوز خط نهر الليطاني نحو العمق اللبناني، إذ شنّ أمس الجمعة 75 هجوما، أسفرت عن مقتل 30 شخصا، وإصابة 22 آخرين على الأقل.
أما حزب الله، فأعلن عن شنّه قصفا صاروخيا على أبعد هدف إسرائيلي منذ بدء الهدنة، والمتمثل بقاعدة شراغا الواقعة بين مدينتي نهاريا وعكا شمالي إسرائيل، وهي قاعدة عسكرية تابعة للواء غولاني الإسرائيلي، ردا على استهداف الضاحية الجنوبية للعاصمة بيروت قبل أيام.
وأمام هذه الفجوة العميقة بين مسار الدبلوماسية والتطورات الميدانية، تبرز تحديات تزيد عُسر المفاوضات المرتقبة، لا سيما مع إقرار عام بارتباطها بالمحادثات بين واشنطن وطهران.
يكشف رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام للجزيرة عن أفق المفاوضات وفق تصور بلاده، والمتمثلة بإنهاء حالة النزاع بين لبنان وإسرائيل، دون التوجه لتوقيع "اتفاقية سلام"، مشيرا إلى أن لبنان يسعى للحصول على ضمانات أمريكية تسهم في استعادة سيادته وسلامة أراضيه.
ويضيف سلام أن "لبنان نجح في تثبيت أن الدولة هي الجهة المفاوضة باسمه من خلال مؤسساتها الدستورية"، مبينا أن ذلك النجاح في تثبيت الدولة كمرجعية للمفاوضات لا يعني أن البلاد لا تتأثر بمجريات مفاوضات إسلام آباد، كما جدد التزام بلاده بحصر السلاح بيد الدولة وحدها وفق مقررات الحكومة اللبنانية.
وبشأن تأثير التصعيد بين الجيش الإسرائيلي وحزب الله في جنوب البلاد، ينقل مدير مكتب الجزيرة في لبنان مازن إبراهيم عن رئيس الحكومة سلام قوله إن ذلك لن يعطل الشروع بالمسار التفاوضي.
ودعا الرئيس اللبناني جوزيف عون الاتحاد الأوروبي إلى تكثيف الضغط على إسرائيل لإلزامها بوقف إطلاق النار ووقف غاراتها المتواصلة على الجنوب اللبناني، مؤكدا تمسك بلاده بالهدنة الهشة مع إسرائيل.
ويؤكد سلام أنه إذا تواصلت الاعتداءات الإسرائيلية، فإن البند الأول في المفاوضات سيكون تثبيت وقف إطلاق النار.
والخميس، أكد مسؤول لبناني أن جهد إيران، في وضع وقف إطلاق النار بلبنان ضمن المسار التفاوضي بينها وبين واشنطن، محل ترحيب، مستدركا بأنه يجب أن يعبر من خلال مؤسسات الدولة الدستورية.
أما بالنسبة لإسرائيل، فتتمسك بمطلبها في نزع سلاح حزب الله بإشراف الولايات المتحدة، شرطا لإنهاء الحرب، رافضة أي تسوية لا تتضمن هذا الهدف.
لكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يواجه ضغطا خارجيا متصاعدا، إذ أبلغه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب هاتفيا مرارا برفضه أي عمليات تُقوّض وقف إطلاق النار في لبنان، في تقييد أمريكي مباشر يُضيّق هامش المناورة أمام الجيش الإسرائيلي.
ويقول مدير مكتب الجزيرة في فلسطين وليد العمري إن انتقادات داخلية حادة تتصاعد من شركاء الائتلاف اليميني في إسرائيل ومن سكان البلدات الحدودية، بسبب إخفاق نتنياهو في تحقيق الهدف المُعلن لحربه وهو نزع سلاح حزب الله، على غرار ما جرى في غزة حيث لم تُنزع أسلحة حركة المقاومة الإسلامية ( حماس) حتى اللحظة.
وتزداد حالة الحرج لدى نتنياهو -كما يوضح العمري- مع احتمال التوصل إلى اتفاق إطار مع إيران لإنهاء الحرب، إذ يخشى أن يُفضي ذلك إلى تقييد حركة الجيش الإسرائيلي في لبنان قبل بلوغ هدف نزع سلاح حزب الله.
ولا يخفي نتنياهو -في نظر محللين- سعيه الحثيث لـ"فصل المسارات" لإبقاء الساحة اللبنانية مفتوحة للاستهداف بعيدا عن أي صفقة إقليمية.
وفي الاتجاه نفسه، يتصاعد القلق الإسرائيلي من أن تنتهي المفاوضات مع إيران دون تفكيك كامل للمشروع النووي الإيراني أو إنهاء تخصيب اليورانيوم، مما يعني تكرار سيناريو غزة مرة أخرى، ويضع نتنياهو أمام فاتورة سياسية باهظة على أكثر من جبهة.
وفي المقابل، تحاول إسرائيل الخروج من المأزق عبر التصعيد في الميدان، إذ واصل جيش الاحتلال إصدار إنذارات بالإخلاء للسكان، وشن عمليات القصف المتواصل والتدمير الممنهج في القرى اللبنانية، وسط حالة استنفار قصوى أُلغيت على إثره جميع التجمعات والأنشطة في مناطق الشمال الإسرائيلي، وطُولب السكان بالالتزام بحالة الطوارئ المعلنة.
ولعل ما يعكس نظرة إسرائيل إلى الوضع في لبنان، هو ما صرح به وزير الدفاع الإسرائيلي السابق يوآف غالانت، إذ قال أمس الجمعة إن مدن بيروت وبعلبك والنبطية وصيدا "يجب أن تهتز بنيران الجيش الإسرائيلي من الآن فصاعدا لساعات طويلة".
ويضيف غالانت "يجب ألا ندع الإنجازات الكبيرة التي حققناها ضد حزب الله عام 2024، والتي منحتنا حرية مهاجمة كل هدف للحزب في لبنان حتى الشهر الماضي تفلت من أيدينا".
يرى حزب الله عموما أن سعي السلطة للتفاوض يُعد "تنازلا مجانيا" منها كما صرح سابقا، ويشدد على رفضه القاطع مسار التفاوض المباشر، ويحث مقابل ذلك على انتهاج المسار غير المباشر.
ويؤكد حزب الله أنه لن يتخلى عن سلاحه -الذي أصبح مطلبا مشتركا بين إسرائيل ولبنان والولايات المتحدة- ويشير دوما إلى أن الهدنة الحالية لم تكن لتحصل "لولا موقف إيران في محادثات باكستان".
ومنذ بدء الهدنة في منتصف أبريل/نيسان الماضي، واصل حزب الله تنفيذ هجمات بمسيرات وصواريخ استهدفت غالبا قوات إسرائيلية داخل جنوب لبنان أو مستوطنات قريبة من الحدود، ردا على العمليات العسكرية الإسرائيلية.
وفي أحدث موقف يعكس وجهة نظر الحزب، نفى النائب عن حزب الله في مجلس النواب اللبناني حسين الحاج حسن وجود أي تفويض من الحزب للحكومة للتفاوض على سلاح المقاومة مقابل وقف الحرب، مؤكدا أن أحدا لن يستطيع المساس بسلاح المقاومة، وأن أي مفاوضات تقوم على هذا الأساس لن تصل إلى نتيجة.
واتهم السلطة اللبنانية بـ"إلقاء كل أوراقها في السلة الأمريكية"، معربا عن اعتقاده بأن هذا الخيار سيعود على أصحابه بخيبة.
رفض النائب -في تصريحات للجزيرة مباشر- اتهامات خصوم حزب الله في الداخل اللبناني بأن الحزب يربط أمن لبنان بملفات إقليمية تتعلق بإيران أو مضيق هرمز، معتبرا أن إيران لا تحتاج إلى إمكانات حزب الله، بل إن الحزب ولبنان هما من يحتاجان إلى الدعم الإيراني.
وقال إن الولايات المتحدة تفاوض إيران حاليا، وإن طهران تصر على أن يكون لبنان جزءا من أي اتفاق، بما يشمل وقف إطلاق النار، والانسحاب الإسرائيلي، واعتبر أن إيران ليست في موقع ضعف، مشيرا إلى أن وسائل إعلام أمريكية وإسرائيلية تحدثت عن صمودها أمام الضغوط الأمريكية.
ووسط هذا التباين في الاتجاهات آنف الذكر، تشدد الخارجية الأمريكية على أن تحقيق "السلام الشامل" بين لبنان وإسرائيل يبقى مشروطا باستعادة الدولة اللبنانية سلطتها الكاملة على أراضيها، والتفكيك الكامل لسلاح حزب الله.
واعتبرت أن الوفدين الإسرائيلي واللبناني سينخرطان في مناقشات مفصلة تهدف إلى تعزيز اتفاق سلام وأمن شامل يعالج بشكل جوهري المخاوف الأساسية لكلا البلدين.
ورغم الخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار، قالت الخارجية الأمريكية إن لبنان وإسرائيل التزما بالاقتراب من هذه المحادثات مع وضع مصالحهما الوطنية في الاعتبار.
وعليه، يواجه الواقع الميداني والسياسي في لبنان مجموعة من التحديات المركبة، لعل أبرزها:
ففي حين تعلن الحكومة اللبنانية أنها الجهة الحصرية للتفاوض، يواصل حزب الله الرد على الخروقات الإسرائيلية، الأمر الذي يخلق فاصلا بين الدبلوماسية والميدان، ويجعل لبنان يتحدث بصوتين متناقضين، وهذا سيؤدي، في نظر محللين، إلى ذهاب الحكومة التي تملك شرعية التفاوض إلى المفاوضات دون أوراق القوة، التي يملكها حزب الله، والمتمثلة بالواقع الميداني.
لا يستبعد محللون أن ينجح التصعيد الإسرائيلي المتواصل في تقويض المسار الدبلوماسي، وهنا يعوّل البعض على الضغط الأمريكي وقدرة لبنان على تحقيق مطلبه الأول في المحادثات، والمتمثل بتثبيت وقف النار.
ويشكك البعض في نزاهة الوساطة الأمريكية، بالنظر إلى أن إدارة ترمب منحازة إلى إسرائيل، وهو ما عكسه بيان الخارجية الأمريكية آنف الذكر، مما يجعل الضمانات الأمريكية ووعودها لبيروت بالنسبة لمراقبين شعارا لن يكون بالإمكان إسقاطه على أرض الواقع.
ويجدر التذكير بأن التطورات الجارية في لبنان هي في الواقع إحدى تداعيات الحرب التي بدأتها إسرائيل وأمريكا على إيران قبل أكثر من 70 يوما.
وفيما تنتظر الولايات المتحدة ردا إيرانيا على مقترحاتها، وسط حديث متواتر عن قرب التوصل لاتفاق أو مذكرة تفاهم تنتهي بموجبها الحرب، تصر إيران كما بات معلوما على تضمين بند يربط جميع الجبهات، في حين كشفت صحيفة يديعوت أحرونوت الخميس أن واشنطن وافقت على هذا البند، رغم أنه لا يلائم إسرائيل، مما يضع لبنان في المحصلة ضمن الصفقة الإقليمية الأوسع.
وبينما يقر مسؤولون لبنانيون بصعوبة فصل المحادثات مع إسرائيل عن "مسار إسلام آباد"، تواصل إسرائيل إصرارها على فصل المسارات، وعدم شمولية لبنان باتفاق واشنطن طهران.
ولعل ما يجدر بالذكر في هذا المقام ما أوردته يديعوت أحرونوت، إذ قالت إن الاتفاق الأمريكي الإيراني المرتقب "قد يعيد تشكيل الساحة اللبنانية".
وهذه نقطة شائكة في المفاوضات، غير أنها تمثل تحديا داخليا في لبنان، وخارجيا أمام إيران، لا سيما أنه بات هدفا موحدا لدى إسرائيل ولبنان وأمريكا.
ثمة اختلاف في رؤية لبنان والولايات المتحدة للمحادثات، إذ ترى الأخيرة أن النتائج يجب أن تتمخض عن "اتفاق سلام" مع إسرائيل، في حين يشدد لبنان على أن أقصى ما يمكن تحقيقه هو إرساء ما وصفه بوقف للأعمال العدائية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة