مع اقتراب موعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، تتكشف ملامح معركة سياسية حاسمة قد تعيد رسم ميزان القوى في الولايات المتحدة، في ظل مؤشرات متباينة على تقدم نسبي للديمقراطيين في بعض الولايات، ومخاوف متزايدة لدى الجمهوريين من تراجع زخمهم ومساعيهم المحمومة للحفاظ على أغلبيتهم الهشة.
ومما يضفي على هذه الانتخابات أهمية بالغة هذه المرة، أنها تأتي في خضم أحداث محلية وعالمية تتمثل في الوضع الاقتصادي الخانق الذي يئن تحت وطأته الأمريكيون، والتحولات الجيوسياسية الدولية المتسارعة والصراع مع إيران.
في هذا السياق، يرسم تقرير في مجلة نيوزويك صورة دقيقة لسباق مجلس الشيوخ، حيث تشير أسواق التنبؤ السياسي إلى أن الديمقراطيين يمتلكون فرصا قوية للفوز بعدد من المقاعد الحاسمة، رغم بقاء السيطرة العامة على المجلس في نطاق غير محسوم.
ويشير التقرير إلى أن الجمهوريين يحتفظون حاليا بأغلبية 53 مقابل 47، مما يعني أن الديمقراطيين بحاجة إلى كسب 4 مقاعد لتحقيق السيطرة.
وبحسب المجلة، فإن منصتي "كالشي" و "بوليماركت" للتنبؤات تمنحان الديمقراطيين احتمالات أعلى للفوز في عدد من الولايات المحورية في معركة السيطرة على مجلس الشيوخ، بما في ذلك ألاسكا وجورجيا وماين وميشيغان ونيوهامبشير ونورث كارولينا، وأوهايو، في حين يتمتع الجمهوريون بحظوظ أفضل في السباقات الانتخابية في فلوريدا وآيوا وتكساس.
وتبقى الصورة الإجمالية -وفق نيوزويك- متقاربة للغاية، إذ تظهر التوقعات أن فرص السيطرة على مجلس الشيوخ تبقى "متعادلة تقريبا"، مع ميل طفيف للجمهوريين بنسبة 52% مقابل 48%.
لكن التقرير يحذر من أن مؤشرات منصتي التنبؤات (كالشي وبوليماركت)، رغم أنهما تحظيان بمتابعات حثيثة من قبل الخبراء الإستراتيجيين، ليست "مثالية".
وفي تقدير المجلة أن تلك المؤشرات قد تتأثر بعوامل مثل ميل المستثمرين إلى اتخاذ قرارات متسرعة فيما يتعلق برهانهم على فوز مرشحين بعينهم بناء على ردود فعل مبالغ فيها على أخبار عاجلة أو عناوين صحفية مثيرة ذات تداعيات قصيرة المدى، والتداول القائم على الانتماء الحزبي، وكلها أسباب قد تضر بالأسعار في منصات التنبؤات، لذا فمن المرجح أن تواصل الأسعار تقلبها وتغيرها.
وبالنظر إلى هذه المعطيات مجتمعة، تشير كل من منصتي كالشي وبوليماركت واستطلاعات الرأي إلى أن لدى الديمقراطيين فرصة ممكنة -وإن لم تكن مرجحة- لقلب موازين القوى في مجلس الشيوخ، حيث يبرز تفوقهم في عدة سباقات انتخابية مما يجعل الظفر بها ضرورة حتمية للسيطرة على المجلس.
ومع ذلك، تظل التحولات في الحملات الانتخابية، والتباين في ديناميكيات المرشحين، ونسبة إقبال الناخبين، والمناخ الوطني العام عوامل "غير محسومة" في هذه المرحلة المبكرة نسبيا قبل الانتخابات النصفية.
وبدوره، كشف الكاتب أندرو سولندر -في مقال بموقع أكسيوس- عن بوادر خلافات داخلية حادة بين النواب الديمقراطيين في مجلس النواب بسبب تدخل لجنة حملة الحزب لانتخابات المجلس إثر إعلانها دعم مرشحين بعينهم رغم استمرار المنافسة بينهم.
وأوضح الموقع في تقريره أن تلك اللجنة أعلنت عن دعمها 8 مرشحين ضمن برنامج يهدف إلى تقديم موارد مالية وتنظيمية لمرشحين يسعون لانتزاع مقاعد من الجمهوريين.
وأرجعت اللجنة السبب في اختيارهم إلى معايير تشمل الحشد الشعبي والدعم المحلي والقدرة على جمع التبرعات، بيد أن 5 من هؤلاء المرشحين لا يزالون يواجهون منافسين في الانتخابات التمهيدية، مما أثار انتقادات واسعة.
وانتقدت قيادات في الجناح التقدمي هذا التدخل، مؤكدة أن الناخبين -لا قيادة الحزب- يجب أن يحددوا المرشحين، كما أعربت النائبة ليندا سانشيز عن استيائها من تجاهل مرشحين من أصول لاتينية، معتبرة أنهم يمثلون عنصرا محوريا في معركة استعادة الديمقراطيين الأغلبية في مجلس النواب.
وشملت قائمة المدعومين -وفق أكسيوس- مرشحين بارزين مثل جاسميت بينز في كاليفورنيا، وبوب بروكس في بنسلفانيا، ومارلين غالان وودز في أريزونا، مما زاد من حدة الجدل، خاصة مع وجود منافسين يحظون بدعم أوسع داخل الحزب.
وحذر عدد من النواب الديمقراطيين -لم يكشفوا عن هويتهم- من أنهم قد يوقفون تبرعاتهم للجنة احتجاجا على هذه القرارات التي وصفوها بأنها "محيرة".
في المقابل، دافعت اللجنة عن قراراتها، مؤكدة أنها أبلغت العديد من النواب مسبقا، وأن تدخلها في الانتخابات التمهيدية ليس جديدا، بل يهدف إلى اختيار المرشحين الأكثر قدرة على الفوز في الانتخابات العامة واستعادة الأغلبية في مجلس النواب.
من ناحية أخرى، كشف تقرير نشره موقع بوليتيكو عن حالة قلق متزايدة داخل أروقة الحزب الجمهوري، دفعت بعض الإستراتيجيين إلى الدعوة لتغيير جذري في الخطاب الانتخابي، عبر التركيز على الهجوم المباشر على الديمقراطيين بدل الترويج للإنجازات الاقتصادية.
وذكر التقرير أن الرئيس دونالد ترمب، الذي يسعى لتسويق سياساته الاقتصادية، يواجه صعوبات في إقناع الناخبين، خاصة مع ارتفاع أسعار الوقود وتراجع معدلات التأييد إلى نحو 37%.
وقال خبير استطلاعات الرأي الجمهوري جون ماكلوغلين "ستشهدون تزايدا في حدة هجوم الجمهوريين لإبراز التباين مع الديمقراطيين، سواء كان ذلك من خلال تطبيق نظام العمل مقابل الرعاية هذا العام، أو عبر استئصال شأفة الفساد في برامج المعونات الغذائية وغيرها من البرامج مثل "ميديكيد" للرعاية الصحية.
كما نقل الموقع عن المتحدث السابق باسم البيت الأبيض شون سبايسر قوله إن "تكتيك التخويف مجرب وفعّال دائما"، مضيفا أن الرسالة يجب أن تركز على أن الناخبين "قد لا يحبون ما لديهم الآن، لكنهم سيكرهون ما سيقدمه الديمقراطيون".
ويعكس هذا التحول في الإستراتيجية شعورا متزايدا بالقلق، إذ أقر أحد المقربين من البيت الأبيض بأن "الاحتفاظ بمجلس النواب سيكون صعبا للغاية"، خاصة في ظل استمرار حرب إيران وارتفاع أسعار الوقود.
وأشار التقرير إلى أن أحد المتبرعين الجمهوريين ذهب إلى أبعد من ذلك، معتبرا أن التحول نحو تبني الخطاب السلبي "علامة على التأخر"، قائلا "عندما تبدأ بالهجوم، فهذا يعني أنك متأخر.
وانتقد موقع بوليتيكو "عدم انضباط ترمب"، مشيرا إلى أنه في الوقت الذي يطالبه فيه الحزب بالتركيز على الاقتصاد، يسهب في الحديث عن نتائج خضوعه لاختبارات قدراته العقلية، وطلاء "البركة العاكسة" الشهيرة أمام نصب أبراهام لينكولن التذكاري في واشنطن.
في موازاة ذلك، تناولت صحيفة ذا هيل المشهد الانتخابي من زاوية أوسع، مؤكدة أن السيطرة على الكونغرس بمجلسيه أصبحت "محل تنافس مفتوح"، في ظل الأغلبية الجمهورية الضئيلة في كل من مجلسي النواب والشيوخ.
ووفقا لتقرير الموقع، يبدو أن الديمقراطيين في موقع أفضل نسبيا للفوز بمجلس النواب، مستندين إلى استطلاع أجرته كلية "إيمرسون" في أبريل/نيسان، أظهر أن 50% من الناخبين يدعمون المرشحين الديمقراطيين مقابل 40% للجمهوريين.
وجاء في الاستطلاع أيضا أن نحو 45 دائرة انتخابية ستحدد مصير السيطرة على المجلس، في حين تلعب إعادة ترسيم الدوائر الانتخابية دورا مهما في ولايات مثل فيرجينيا ولويزيانا.
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية لصالح الديمقراطيين، لا تزال التحديات ماثلة، خاصة في مجلس الشيوخ حيث تبدو المنافسة أكثر تعقيدا.
ونقلت ذا هيل عن النائب الجمهوري كوري ميلز قوله "علينا خفض أسعار النفط وتكاليف المعيشة، ذلك لأن الاقتصاد الأقوى هو الطريق للحفاظ على أغلبيتنا".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة