رحّبت الولايات المتحدة بتكليف علي الزيدي بتشكيل الحكومة العراقية الجديدة ، بعد ضغوط أمريكية ساهمت في إبعاد نوري المالكي عن سباق رئاسة الوزراء ودفعه إلى التراجع عن الترشح.
وفي بيان نُشر عبر السفارة الأمريكية في بغداد على منصة "إكس"، أعربت واشنطن عن تمنياتها للزيدي بالنجاح في تشكيل حكومة قادرة على تلبية تطلعات العراقيين، والمساهمة في بناء مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا وسلامًا.
وأكد البيان أيضًا دعم الولايات المتحدة للعراق في مساعيه لحماية سيادته وتعزيز أمنه، ومواجهة الإرهاب، والعمل على تحقيق تنمية تعود بالنفع على الشعبين العراقي والأمريكي.
وأضاف: "نُعلن تضامننا مع الشعب العراقي الساعي إلى تحقيق الأهداف المشتركة المتمثلة في صون سيادة العراق، وتعزيز الأمن لدحر الإرهاب، وبناء مستقبل مزدهر يحقق فوائد ملموسة للأمريكيين والعراقيين".
وكان الرئيس العراقي نزار آميدي قد كلف، يوم الاثنين الماضي، رجل الأعمال والمصرفي علي الزيدي رسميًا بتشكيل الحكومة الجديدة، وذلك بعد مرور خمسة أشهر على الانتخابات التشريعية.
ويواجه الزيدي مهمة معقدة، إذ يتعين عليه تشكيل حكومته خلال مهلة لا تتجاوز ثلاثين يومًا، في ظل مشهد سياسي متوتر وتباينات حادة بين القوى المختلفة داخل البلاد.
وجاء هذا التطور ليضع حدًا لأزمة سياسية استمرت عدة أشهر، ترافقت مع ضغوط أمريكية قوية، شملت تهديدات من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بوقف الدعم عن العراق في حال عودة نوري المالكي إلى رئاسة الحكومة، بعد أن شغل المنصب مرتين سابقًا.
وكان تحالف "الإطار التنسيقي"، الذي يضم قوى شيعية مقربة من إيران ويمتلك أكبر كتلة برلمانية، قد رشّح المالكي في يناير/كانون الثاني عقب الانتخابات، قبل أن يتراجع لاحقًا تحت ضغط سياسي خارجي.
ورفضت الإدارة الأمريكية ترشيح نوري المالكي لرئاسة الحكومة العراقية، وذلك في إطار موقف سياسي واضح عبّرت عنه واشنطن عبر تصريحات رسمية وتغريدات للرئيس دونالد ترامب ومسؤولين كبار في إدارته.
ويعود هذا الرفض، وفق الموقف الأمريكي، إلى ما تعتبره واشنطن ارتباطًا وثيقًا بين المالكي وإيران، حيث ترى الولايات المتحدة أنه يمثل امتدادًا لنفوذ طهران في العراق.
وفي سياق سياسة "الضغط الأقصى" ضد إيران، شددت الإدارة الأمريكي على أنها لن تدعم أي حكومة عراقية تُعتبر خاضعة لتأثير إيراني مباشر، معتبرة أن عودة المالكي إلى السلطة تعني تعزيز هذا النفوذ.
كما تستند واشنطن في موقفها إلى إرث حكم المالكي بين عامي 2006 و2014، إذ تتهمه بسياسات إقصائية ساهمت في تعميق الانقسامات الطائفية، وهو ما تعتبره الإدارة الأمريكية أحد العوامل التي مهدت لظهور تنظيم داعش وسيطرته على مساحات واسعة من العراق عام 2014. وقد وصف ترامب، في منشورات له، تلك المرحلة بأنها اتسمت بالفوضى والانحدار الاقتصادي، معتبرًا إعادة ترشيح المالكي خيارًا غير مقبول.
وفي السياق ذاته، لجأت واشنطن إلى أدوات ضغط اقتصادية، ملوّحة بوقف المساعدات الأمريكية للعراق، إلى جانب احتمال فرض قيود على تدفق الدولار عبر النظام المالي المرتبط بعائدات النفط، وهو ما أثار مخاوف من تداعيات اقتصادية داخل البلاد.
وبناءً على هذه الضغوط، دفعت الولايات المتحدة باتجاه اختيار مرشح توافقي غير تصادمي، قادر على الحفاظ على التوازن في علاقات العراق مع كل من واشنطن وطهران.
وقد ساهم هذا المسار في تراجع عدد من المرشحين البارزين، وصولًا إلى تكليف علي الزيدي، رجل الأعمال والمصرفي، كحل وسط، وهو ما قوبل بترحيب سريع من الجانب الأمريكي.
وبعد سلسلة من المشاورات، اتفق تحالف "الإطار التنسيقي" يوم الاثنين على ترشيح علي الزيدي، ما مهد الطريق أمام الرئيس العراقي لتكليفه رسميًا، في حين انسحب المالكي من المنافسة.
ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مصدر سياسي قوله إن قرار "الإطار التنسيقي" جاء بعد اتصالات مع أطراف أمريكية. وفي نهاية المطاف، وافقت مكونات التحالف على التراجع عن ترشيح نوري المالكي.
وقد لعب الضغط الأمريكي دورًا حاسمًا في هذا التحول، خصوصًا عبر التلويح باستخدام "سلاح الدولار" من خلال إمكانية تقييد إمدادات العملة الأمريكية للعراق عبر البنك المركزي.
ودفع التهديد دفع أطرافًا داخل الإطار، خاصة تلك المرتبطة بمصالح اقتصادية، إلى إدراك أن الإصرار على ترشيح المالكي قد يؤدي إلى أزمة مالية حادة تهدد استقرار النظام السياسي برمته، ما سرّع في الدفع نحو البحث عن مرشح تسوية.
وفي الوقت ذاته، لم يكن موقف الإطار موحدًا، إذ برزت تباينات داخلية واضحة، إذ مال هادي العامري إلى خيار التهدئة وتفادي العقوبات، بينما أبدى قيس الخزعلي مرونة أكبر تجاه فكرة اختيار مرشح توافقي أو تكنوقراط، طالما أن توازنات القوى ومصالح الفصائل، بما في ذلك ملف "الحشد الشعبي"، لن تتأثر بشكل مباشر.
كما أشارت معطيات سياسية إلى وجود نصائح إقليمية تدعو إلى ضبط التصعيد مع واشنطن، في ظل انشغال أطراف إقليمية أخرى بمسارات تفاوضية حساسة، ما عزز فكرة تجنب أي مواجهة مفتوحة بشأن تشكيل الحكومة العراقية، وتفضيل شخصيات أقل إثارة للتوتر مع الإدارة الأمريكية.
وبناءً على ذلك، تم التوافق في نهاية المطاف على علي الزيدي، رجل الأعمال والمصرفي، كمرشح تسوية، مع جملة من الشروط أبرزها ضمان عدم ملاحقة قيادات الإطار قضائيًا، والحفاظ على التوازنات السياسية داخل الحكومة، مقابل تعهدات أمريكية بتخفيف القيود المالية المرتبطة بالنظام المصرفي العراقي بعد تشكيل الحكومة.
وتحافظ الولايات المتحدة على نفوذ واسع في العراق منذ الغزو الذي قادته عام 2003 وأطاح بنظام صدام حسين، غير أن هذا النفوذ توازى مع حضور إيراني قوي داخل المشهد السياسي العراقي.
وفي ظل تصاعد التوتر الإقليمي منذ اندلاع الحرب في الشرق الأوسط، شهدت المنطقة هجمات متبادلة استهدفت مصالح أمريكية، نُسبت إلى جماعات مرتبطة بإيران في العراق ودول أخرى.
المصدر:
يورو نيوز