في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
اقتحمت سيارة مفخخة عند فجر السبت، يقودها انتحاري، الحاجز الأمني لمدينة كاتي العسكرية، الواقعة على بُعد نحو 15 كيلومترا شمال غربي باماكو حيث يقيم الرئيس الانتقالي أسيمي غويتا، ثم انفجرت أمام منزل وزير الدفاع الجنرال ساديو كامارا. ودمر الانفجار العنيف مقر سكن الوزير تماما، وظل مصيره مجهولا طوال يوم كامل، إلى أن أكدت مصادر حكومية مالية خبر مقتله، أمس الأحد.
وهكذا أُسدِل الستار على مسيرة أحد أبرز ضباط الجيل العسكري الذي يحكم مالي منذ خمس سنوات، الذي وصفه مراسل الجزيرة نيكولا هاك بأنه واحد من أكثر الشخصيات نفوذا داخل القيادة العسكرية الحاكمة، وكان يُنظر إليه على نطاق واسع بأنه العمود الفقري للمجلس العسكري وعرّاب توجُّهه نحو موسكو.
وُلد ساديو كامارا يوم 22 مارس/آذار 1979 في مدينة كاتي ذاتها التي قُتل فيها، وهي معقل الجيش المالي ورمز انقلاباته المتعاقبة. تخرّج في المدرسة العسكرية المشتركة، وكان حين وقع انقلاب أغسطس/آب 2020 يتلقى تدريبا عسكريا في روسيا.
وتكتسب هذه التفصيلة من سيرة الرجل أهميتها لاحقا، فبحسب مجلة "ذي أفريكا ريبورت"، اختار كامارا الوجهة الروسية بعد نتائج ضعيفة في امتحانات القبول بالكليات الحربية الغربية، وسافر إلى موسكو في أواخر عام 2019 ضمن برنامج تدريبي مدته ثلاث سنوات، لكنَّ الانقلاب الذي شارك فيه عام 2020 قطع عليه إكمال البرنامج.
في أغسطس/آب 2020، شارك كامارا -إلى جانب أسيمي غويتا وماليك دياو وإسماعيل واغي- في الإطاحة بالرئيس المنتخب إبراهيم بوبكر كيتا. وفي أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه، عُيّن وزيرا للدفاع في حكومة المرحلة الانتقالية برئاسة موكتار وان. لكنه لم يستمر طويلا في المنصب، ففي مايو/أيار 2021، أُقصي من الحكومة الجديدة التي شكَّلها الرئيس الانتقالي باه نداو.
كان هذا الإقصاء الشرارة التي فجّرت ما يُعرف بـ"انقلاب داخل الانقلاب". فقد تحرك غويتا واعتقل الرئيس وحكومته في مايو/أيار 2021، ثم أعاد كامارا إلى وزارة الدفاع يوم 11 يونيو/حزيران من العام نفسه. ومنذ ذلك التاريخ، ظل في موقعه دون انقطاع حتى مقتله، مرسخا صورته شريكا لا يمكن لغويتا الاستغناء عنه، بل هو صانع شرعيته العسكرية ذاتها.
أسهم كامارا في صياغة التحول الإستراتيجي الأكبر في تاريخ مالي المعاصر، بالقطيعة مع باريس و"الارتماء في الحضن الروسي" كما تصفه الصحافة الفرنسية. وتشير وثيقة عقوبات أصدرتها وزارة الخزانة الأمريكية في يوليو/تموز 2023 إلى أن كامارا خطط ونظَّم نشر مجموعة فاغنر في مالي، وقام بزيارات متعددة إلى روسيا عام 2021 لإبرام الاتفاق مع باماكو. وتقدّر مصادر أمريكية حينئذ أن نحو 2000 مرتزق روسي كانوا ينشطون في البلاد.
ووفق تقرير "ذي أفريكا ريبورت"، فإن كامارا كان مهندس الإستراتيجية العسكرية للمجلس، وكرَّس الخط المتشدد ضد الجماعات المسلحة، خصوصا منذ تعزيز الشراكة مع الفاعلين الروس. وحين تحولت "فاغنر" في منتصف عام 2025 إلى " الفيلق الأفريقي" الموضوع تحت إمرة وزارة الدفاع الروسية مباشرة، ظل كامارا حلقة الوصل المعتمدة بين باماكو وموسكو، في حين طُرد جميع الجنود الفرنسيين والقوات الأممية في عهده، وأغلقت بعثة "مينوسما" أبوابها نهائيا.
لم تكن العلاقة بين الرجلين -غويتا الرئيس وكامارا وزيره القوي- توافقية على الدوام، فخلال الأشهر الأخيرة، تحوَّل التنافس الصامت إلى صراع شبه علني داخل الكواليس. ففي أغسطس/آب 2025، اعتُقل عشرات الضباط بينهم جنرالان بتهم الضلوع في محاولة انقلاب، وكان كثير منهم من الحرس الوطني الذي يقوده كامارا. وبات يُنظر إلى كامارا في الدوائر العسكرية الضيقة بباماكو خصما متصاعدا للرئيس غويتا، رغم تاريخهما المشترك في الانقلابين.
وبحسب موقع "فايننشال أفريك"، أعلن غويتا حينئذ تجنيد 124 ألف جندي جديد في إطار "عملية دوغوكولوكو"، وهو ما رأى مراقبون أنه بناء لقوة موازية خارج سيطرة وزير الدفاع. كما أُلقي القبض على عدد من المقربين من كامارا، بينهم الجنرال فاموكي كامارا قائد أركان الحرس الوطني، وفُسر ذلك بأنه قطيعة فعلية بين رأسَي السلطة العسكرية.
يفتح اغتيال كامارا ثلاثة ملفات شائكة دفعة واحدة:
فهل يكون مقتل ساديو كامارا، مهندس التحالف الروسي ومحرك انقلابَي 2020 و2021، إيذانا بتفكك النواة الصلبة لمجلس باماكو العسكري، أم محطة تدفع غويتا إلى مزيد من الانفراد بالقرار في وجه عدو يطرق أبواب القصر؟ سؤال مفتوح في بلد خبر الأزمات الأمنية المتكررة خلال الأعوام الخمسة عشر الماضية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة