بالرغم من كثرة التساؤلات حول غيابه، قدّمت شبكة "سي إن إن" قراءة مغايرة مفادها أن ابتعاد المرشد الأعلى مجتبى خامنئي عن الظهور العلني بعد اغتيال والده لم يُضعف موقع القيادة في إيران، بل ساهم في تعزيز تماسك النظام وإدارة المرحلة الحساسة الحالية.
وبحسب التقرير، يختلف أسلوب مجتبى خامنئي (56 عامًا) جذريًا عن نهج والده الراحل، الذي كان حاضرًا باستمرار عبر الخطب والتدخلات المباشرة في مختلف المحطات التي مرّت بها البلاد. أما الابن، فيعتمد على إدارة غير علنية، تقتصر على بيانات رسمية تُنشر عبر الإعلام الإيراني، من دون أي ظهور مباشر منذ توليه موقعه.
وتشير "سي إن إن" إلى أن غيابه لا يعني بالضرورة انقطاعه عن القرار، إذ تفيد تقارير بأنه يشارك في اجتماعات عبر الاتصال الصوتي وينخرط في القرارات الكبرى المتعلقة بالحرب والمفاوضات مع واشنطن ، مع احتمال الاكتفاء بالمصادقة على الخطوط العامة بدل إدارة التفاصيل.
وفي هذا السياق، يطرح التقرير سؤالًا أساسيًا: هل يحدد خامنئي فعليًا اتجاه المفاوضات والخطوط الحمراء، أم أن دوره يقتصر على إقرار النتائج النهائية؟ وإذا كان غائبًا عن المشهد، فمن يدير فعليًا عملية اتخاذ القرار؟
بحسب علي واعظ من مجموعة الأزمات الدولية، فإن "مجتبى لا يبدو في موقع يسمح له بإدارة المفاوضات أو التحكم بتفاصيلها"، لكنه يشير إلى أن النظام "يستعين به للحصول على موافقة نهائية على القرارات الكبرى، ما يمنح تلك القرارات غطاءً سياسيًا أعلى".
ويضيف واعظ أن إبراز دور مجتبى رغم غيابه العلني يخدم وظيفة داخلية واضحة، إذ يوفّر "غطاءً يحمي صناع القرار من الانتقادات، ويُستخدم كمرجعية غير مرئية بدل والده الذي كان يتدخل علنًا وبشكل مباشر".
بدوره، كتب الخبير في الشأن الإيراني في معهد الدراسات الأمنية القومية الإسرائيلي، داني سيترينوفيتش، على منصة "إكس" أن إيران تواجه نظامًا يتجه بشكل متزايد نحو اللامركزية، ويتسم بالتشدد والتصلب الأيديولوجي، معتبرًا أن صمودها في النزاع يُقدَّم داخل الخطاب الرسمي بوصفه "نصرًا إلهيًا".
وترى شبكة "سي إن إن" أن هذا النمط يعكس تحولًا في آلية الحكم داخل إيران نحو قدر أكبر من الغموض والمرونة، بحيث لم يعد الظهور العلني للمرشد شرطًا أساسيًا لاتخاذ القرار، بل أصبح أداة رمزية تُستخدم عند الحاجة.
وتضيف الشبكة أن المفاوضات، التي كانت معقدة أصلًا قبل النزاع، أصبحت اليوم أكثر تعقيدًا بكثير، في ظل هذا التحول، ما أسهم في بروز شخصيات أخرى في المشهد السياسي، مثل رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي.
لكن هذا الغياب، بحسب التقرير، وضع القيادة الإيرانية أمام معادلة شديدة التعقيد: إدارة مفاوضات حساسة مع واشنطن في ظل ضغط خارجي متصاعد، بالتوازي مع احتواء قاعدة داخلية متشددة ترفض أي تنازل، ما يجعل عملية اتخاذ القرار أكثر حذرًا وتوازنًا.
وفي المحصلة، ترى "سي إن إن" أن غياب خامنئي العلني لا يشير إلى فراغ في السلطة، بل يعكس نمطًا جديدًا في إدارة الحكم، تُمارس فيه القيادة من خلف الستار، بما يمنح النظام مرونة أكبر في التكيف مع واقع الحرب والمفاوضات، لكنه في ذات الوقت يضع النظام أمام تحديات كبرى.
المصدر:
يورو نيوز