في مكان ما من كتابه "العنف والمقدس" يشير الفيلسوف الفرنسي رينيه جيرار (Rene Gerard) إلى أن "الابن البار يقلد والده بشغفٍ بالغ، حتى يصبح كلٌ منهما عقبة لا محيد عنها أمام الآخر، وهو وضعٌ يتجنبه الابن اللامبالي بسهولة أكبر". هذه العلاقة الجدلية تنطبق على رينيه جيرار نفسه في علاقته مع بيتر ثيل، مؤسس شركة بالانتير، والشخص الأكثر تأثيرا في اليمين التكنولوجي الأميركي الجديد، بوصفه أحد الأبناء البررة الفكريين لجيرار.
حدث ذلك أواخر ثمانينيات القرن الماضي، عندما التقى ثيل بمعلمه جيرار لأول مرة في حرم جامعة ستانفورد، وهو اللقاء الذي لن يقلب حياة ثيل وحده، بل ومعه تيار واسع من الشباب التائهين بين فرضيات نهاية التاريخ وتفكك عرى الحداثة. لقد كان جيرار نسيجا لوحده في غابة من الفلاسفة المتشابهين. فرنسي غريب الأطوار، يُلقي محاضراته بأسلوب كثيف ومتكرر، وساحر على نحو لافت. جذبت أصالته التي تغرد خارج سرب الأنساق الأكاديمية السائدة، ثيل الشاب، مما وفر له ولغيره من الطلاب لغة بديلة لفهم الحياة الاجتماعية المعاصرة والدين وجوهر النزاع والتنافس بين البشر.
"كان جيرار نسيجا لوحده في غابة من الفلاسفة المتشابهين. فرنسي غريب الأطوار، يُلقي محاضراته بأسلوب كثيف ومتكرر، وساحر على نحو لافت"
كان ثيل طالبا يميل إلى التمرد، فجذبته رؤية جيرار لأنها قدمت نقدا مختلفا تماما للعالم الحديث والمسيحية، وهو ما كان يتعارض مع الأفكار التقليدية السائدة في ذلك الوقت والمكان. لاحقاً تعمقت معرفتهما من خلال المشاركة في مناقشات الغداء والندوات العلمية، التي كانت تُقام في ستانفورد. خلال هذه الجلسات، ذُهل ثيل بمدى "بصيرة" جيرار عن الطبيعة البشرية، وقدرته الفريدة على فهم ما يحدث فعلياً في سياقات إنسانية معينة.
وعلى الرغم من إعجابه، كان انطباعه الأول عن أفكار جيرار هو أنها تبدو "جنونية" ولا يمكن أن تكون صحيحة، لكنها استغرقت عدة سنوات لتترسخ في ذهنه ويقتنع بقوتها في تفسير تجاربه الشخصية والعالم الخارجي. وهذا الرسوخ اللاحق هو ما سيصنع لنا بيتر ثيل الذي نعرفه اليوم، والذي ظل دائماً يصف والده الروحي بكونه واحداً من "أواخر الموسوعيين العظماء الذين يهتمون بكل شيء".
منطلقاً من ذلك "الكل شيء"، ألقى بيتر ثيل بعد خروجه من ستانفورد بأفكار مرشده في أسواق المال والتكنولوجيا من "باي بال" إلى "فيسبوك" (كان ثيل أول مستثمر خارجي في فيسبوك عام 2004) مروراً بشركة "بالانتير تيكنولوجيز"، ولاسيما نظرية "المحاكاة"، التي أسرت لبه تماما وصارت موجها له، وقد ترجمها إلى قيمة اقتصادية وسلطوية ببراعة فائقة.
لم يستثمر ثيل في فيسبوك لذكاء تقني فحسب، بل لأنه رأى فيه تجسيداً لهذه النظرية، كما أسس بالانتير، عقب أحداث 11 سبتمبر/ أيلول، برؤية جيراردية صريحة، حيث تحولت المحاكاة من مفهوم فلسفي يحلّ مشكلة العنف إلى خوارزمية ربحية تمنح الأوليغارشية احتكارا تكنولوجيا للعنف والبيانات، بدلاً من الاحتكار التقليدي التي كانت تمارسه الدولة. لكن ثيل لم يبق وحيدا لفترة طويلة في هذا الطريق.
"ألقى بيتر ثيل بعد خروجه من ستانفورد بأفكار مرشده جيرار في أسواق المال والتكنولوجيا من باي بال إلى فيسبوك مرورا بشركة بالانتير"
مع تراكم أزمة النيولبيرالية تطورت أفكار جديدة مضادة داخل اليمين الأمريكي، تجلت بوضوحٍ في عام 2016 مع صعود دونالد ترامب. بالتزامن مع ذلك، بدأ تيار فكري بالظهور في وادي السيليكون، من خارج النزعة الليبرتارية التقليدية لليمين، أي النزعة لمحو دور الدولة على نحو جذري، وأيضاً من خارج النزعة المحافظة الجديدة. كان إطاراً فكرياً مختلفاً، أحد رواده هو بيتر ثيل وتلميذه جي دي فانس نائب الرئيس الأمريكي الحالي، أما أساسه الفكري فيستند إلى فلسلفة رينيه جيرار، الذي رحل عن دنيا الناس في 2015.
ويبدو أن طريق فهم التطور الفكري للترامبية الصاخبة، من مجرد حركة احتجاجية غاضبة وهشة إلى أيديولوجية متماسكة لليمين الجديد، تمرّ بالضرورة بفهم انتقال أفكار جيرار إلى هذا التيار الذي ينظر إلى العالم الحديث بوصفه عالماً عالقاً في دوامات التقليد والمحاكاة، مدفوعا بالتنافس ويتجه نحو أزمة لا يمكن حلها إلا بحدثٍ واحدٍ مزعزعٍ، وكيف أصبحت نظريات جيرار بمثابة النظام التشغيلي لبعضٍ من أكثر العقول نفوذاً.
يحار المرء أحياناً أين يضع رينيه جيرار. هل هو لاهوتي أم فيلسوف أم عالم أنثروبولوجيا أو حتى "مسيح دجال". وربما هو كل ذلك أو غير ذلك، بحسب الموقع الذي يقف فيه الدارس أو القارئ لأفكاره. لكن ما لا يمكن الخلاف حوله أن جيرار قد احتل مكانةً فريدةً في تاريخ الفكر في القرن العشرين، من خلال وضع نظريةً شاملةً في الأنثروبولوجيا واللاهوت تحاول تفسير أصول الرغبة والعنف.
لم تلقَ أفكار جيرار رواجا كبيرا إلا مطلع القرن الحادي والعشرين، لكن ليس في بلده فرنسا ولكن في الولايات المتحدة، وهو ما يشكل مفارقة. فلم يكن جيرار مُنظِراً سياسياً. وهو الذي رفض صراحةً التصنيف الأيديولوجي، وتعامل مع السياسة الحديثة كمجالٍ مُتأصِّلٍ بعمقٍ في فكرة "التنافس المُحاكى" وإلقاء اللوم على الآخرين. ومع ذلك، فقد أصبح إطاره المفاهيمي أحد أخطر القوالب الفكرية التي تدير عالم السياسة اليوم.
"وضع جيرار نظرية شاملة في الأنثروبولوجيا واللاهوت تحاول تفسير أصول الرغبة والعنف"
وُلد رينيه جيرار في مدينة أفينيون الفرنسية عام 1923. شغل والده، جوزيف، منصب أمين متحف قصر الباباوات ومكتبة ومتحف كالفيه في أفينيون. كان جوزيف مُعاديًا صريحاً للكنيسة ومناصرا وفيا لقيم فرنسا الجمهورية العلمانية. وقد أثرت مهنة والده فيه مذ كان صغيراً، حيث شكل المتحف عالمه السحري. قبل أن يهاجر إلى الولايات المتحدة عام 1947، حيث أكمل دراساته العليا في جامعة إنديانا وبدأ مسيرة أكاديمية طويلة في الجامعات الأمريكية، بداية من جامعة ديوك ثم كلية برين ماور وجامعة جونز هوبكنز، قبل انضمامه إلى ستانفورد، حيث أصبح شخصية محورية في قسم الأدب المقارن.
ركزت دراساته المبكرة على الواقعية الأدبية، لكن مساره الفكري سرعان ما اتسع. فقد قاده اطلاعه على الأدب إلى فضاء الأنثروبولوجيا الدينية مع اهتمام كبير بالمسيحية، وهو اهتمام غريب عن أبناء جيله من الأكاديميين الفرنسيين. وتتمحور أفكاره الأساسية حول فهم عميق للطبيعة البشرية وأصول العنف، من خلال "نظرية المحاكاة" و"آلية كبش الفداء"، وهما العمود الفقري لمشروعه الفكري الذي يهدف لتفسير كيف تنشأ الرغبات وكيف يحاول المجتمع احتواء صراعاته.
يبني جيرار فهمه لأصول العنف البشري على فرضية أن "الرغبة الإنسانية ليست فطرية أو عفوية كما يتوهم الفرد، بل هي رغبة بالتقليد أو محاكاة لرغبة شخص آخر". ومن خلال هذا المفهوم، استطاع تفكيك ما أسماه بـ"الأكذوبة الرومانسية" التي تقدس استقلالية الفرد وتدعي أن رغباتنا تنبع من ذواتنا العميقة. فهو يرى أن الرغبة لا تتكون من طرفين "الذات والموضوع" كما يُعتقد تقليدياً، بل هي بنية ثلاثية تضم "الذات الراغبة، والموضوع المرغوب فيه، والنموذج أو الوسيط". فالإنسان، بطبيعته ككائن لا يعرف ماذا يريد، ولذلك يلجأ إلى الآخرين ليقرروا له اتجاه بوصلة رغبته. فنحن لا نرغب في الشيء لقيمته الذاتية، بل لأن "النموذج" يرغب فيه، مما يمنح ذلك الشيء قيمة مضافة في أعيننا.
"يبني جيرار فهمه لأصول العنف البشري على فرضية أن الرغبة الإنسانية ليست فطرية أو عفوية كما يتوهم الفرد، بل هي رغبة بالتقليد أو محاكاة لرغبة شخص آخر"
يقسم جيرار هذه الوساطة إلى نوعين جوهريين. الأول وهو "الوساطة الخارجية" حيث يكون النموذج بعيداً عن متناول الذات، مثل معجب يقلد شخصية تاريخية أو مشهورة، وفي هذه الحالة لا يحدث تصادم بينهما لأن المسافة تحول دون التنافس. والثاني هو "الوساطة الداخلية"، وهي الأخطر، حيث يكون النموذج قريباً من الذات، زميل أو جار أو صديق، أو جماعات متجاورة أو دول قريبة. و هنا، تتحول الرغبة في الشيء نفسه إلى عائق، ويتحول النموذج من مصدر إلهام إلى منافس مباشر.
لكن مع تصاعد حدة التقليد، يقع الإنسان في فخ "التنافس المحاكي"، وفي هذه المرحلة، يصبح موضوع الرغبة، سواء كان وظيفة أو مكانة أو غرضا ماديا، أمرا ثانويًا، بينما يتحول التركيز الحقيقي إلى كيان الوسيط نفسه، فالذات لا تريد الشيء أو الموضوع ذاته، بل تريد أن تكون هي النموذج. وهذا الصراع يؤدي بالضرورة إلى محو الفروق بين المتنافسين، حيث يقلدون كراهية بعضهم البعض بنفس القدر الذي قلدوا به رغبات بعضهم، ليتحولوا في النهاية إلى توائم في العنف والكراهية، وهي حالة يطلق عليها جيرار "اللاتمايز".
وعندما ينتشر هذا النوع من التنافس في مجتمع ما، فإنه يؤدي إلى ما يسمى بـ "العدوى المحاكاتية". في ظل هذه العدوى، تتلاشى الحدود الفاصلة بين الأفراد، وينخرط الجميع في دوامة من التنافس على نفس الأهداف والمكانة، مما يهدد بانهيار النظام الاجتماعي وانزلاقه إلى فوضى شاملة. وهنا يحذر جيرار من أن هذا العنف المحاكي ليس مجرد مشكلة أخلاقية، بل هو خطر وجودي يهدد استقرار المجتمعات، خاصة في العصر الحديث حيث تآكلت الضوابط التقليدية التي كانت تحتوي هذا العنف.
أما الركيزة الثانية في مشروع رينيه جيرار فهي "آلية كبش الفداء"، وهي التحليل الأنثروبولوجي الذي يفسر من خلاله كيف استطاعت المجتمعات البشرية الأولى البقاء على قيد الحياة، وتأسيس الثقافة والدين، رغم تفشي العنف المحاكي الذي يهدد بتدميرها.
فإذا كانت "الرغبة المحاكية" هي المحرك للصراع، فإن "آلية كبش الفداء" هي الأداة التي استُخدمت تاريخياً لاحتواء هذا الصراع. تبدأ هذه الآلية في العمل عندما تخرج "الرغبة المحاكية" عن السيطرة، وينزلق المجتمع إلى فوضى شاملة من العداء والضغينة. ولاستعادة النظام ومنع الانهيار الشامل، يتحد المجتمع فجأة وبشكل تلقائي ضد ضحية واحدة عشوائية، يُشار إليها بـ"كبش الفداء". وفي هذا المستوى من الوعي بالفوضى، يتحول العنف من "صراع الكل ضد الكل" إلى "إجماع الكل ضد الواحد". فيتم تحميل هذه الضحية مسؤولية كل الكوارث التي حلت بالمجتمع، سواء كانت طاعوناً أو مجاعة أو فتنةٍ سياسية.
"لاستعادة النظام ومنع الانهيار الشامل، يتحد المجتمع فجأة وبشكل تلقائي ضد ضحية واحدة عشوائية، يُشار إليها بكبش الفداء"
ويلفت جيرار إلى أن فاعلية هذه الآلية تعتمد على عدم وعي المشاركين بها، فهم يعتقدون بصدق أن الضحية مذنبة وأن التخلص منها هو السبيل الوحيد للنجاة. وبمجرد قتل الضحية أو طردها، يحل سلام مفاجئ وتفرّغ الشحنات العدوانية، وهو ما يمنح المجتمع نوعاً من التطهير النفسي.
في المقابل يؤدي هذا التحول الدرامي من الفوضى القصوى إلى السلام المفاجئ إلى "تأليه" الضحية، فالمجتمع يرى أن هذه الضحية امتلكت قوة خارقة، وهي قوة "شريرة" تسببت في الفوضى، وقوة "مقدسة" في الوقت نفسه أعادت السلام بموتها. من هنا، يرى جيرار أن آلية كبش الفداء هي أصل الدين القديم، والطقوس التضحوية، والأساطير التي أُعيد إنتاجها تاريخياً للحفاظ على السلم عبر "إعادة إنتاج" عملية القتل الأصلية بشكل طقسي.
لكن هذه الآلية فقدت قدرتها مع الأديان التوحيدية. ذلك أن النصوص اليهودية والمسيحية أحدثت خرقاً جذرياً في هذا النظام الأنثروبولوجي؛ فبينما تتبنى الأساطير القديمة وجهة نظر "الغوغاء" وتصدق ذنب الضحية، ينحاز الوحي التوحيدي لـ "براءة الضحية"، حيث تُبرز قصص النبي يوسف والسيد المسيح في الكتب المقدسة، بوضوح أن الضحية بريئة وأن الجماعة هي المخطئة. وهذا الكشف أدى إلى تعطيل فاعلية "آلية كبش الفداء" في العصر الحديث؛ وجعلتنا "نرى الشيطان يسقط كالبرق"، كما سمى جيرار أحد كتبه، إذ بمجرد أن يدرك المجتمع أن الضحية قد تكون بريئة، يفقد العنف الجماعي قدرته على توحيد الصفوف وتحقيق السلام.
وقد دفعت هذه العطالة رينيه جيرار في سنواته الأخيرة إلى التحذير من أن العالم يعيش في "مأزق أبوكاليبتي (قيامي)"، حيث لم يعد هناك وسيلة «مقدسة» لإنهاء العنف. ويُمثل هذا المنظور القيامي، المرحلة الأكثر حرجاً في فكر جيرار، حيث انتقل من الأنثروبولوجيا القديمة إلى التنبؤ بمصير البشرية في ظل الحداثة المتأخرة.
"يرى جيرار أن التنافس المحاكي بين الأفراد والدول لم يعد يعرف حدودا مادية أو جغرافية؛ فالعالم أصبح كتلة واحدة لا يوجد خارج عنها يمكن تصدير العنف إليه"
يشير مصطلح "الارتقاء إلى التطرف"، الذي يستخدمه جيرار لوصف تراكم العنف غير المُصرّف، إلى الحالة التي يفقد فيها العنف أي كوابح تمنع تصاعده. في السابق، كانت المجتمعات البشرية تمتلك صمامات أمان دينية وطقسية قادرة على امتصاص العنف وتحويله إلى سلم مؤقت وأساطير. أما اليوم، وفي ظل العالم المعولم، يرى جيرار أن التنافس المحاكي بين الأفراد والدول لم يعد يعرف حدوداً مادية أو جغرافية؛ فالعالم أصبح كتلة واحدة لا يوجد خارج عنها يمكن تصدير العنف إليه أو طرد "كبش الفداء" نحوه. هذا الانغلاق يؤدي إلى ارتداد العنف إلى الداخل وتصاعده بشكل مطرد نحو انفجار شامل.
في هذا المنظور القيامي، لم يعد جيرار يميز بين أنواع الكوارث؛ فهو يرى اندماجاً بين الكوارث الطبيعية، مثل التغير المناخي، والكوارث البشرية، كالحروب النووية والإرهاب. فالأرض نفسها، أصبحت هي "الضحية العالمية" والقربان الضروري الذي يُستنزف في دوامة المحاكاة الاستهلاكية والتنافسية. لكن فكرة "النهاية" في المفهوم الجيراردي ليست انتقاماً إلهياً خارجياً، بل النتيجة المنطقية لعنف بشري لم يعد قادراً على الاختباء. والسياسة، في نظره، لم تعد قادرة على إنقاذنا لأنها أصبحت جزءاً من التنافس المحاكي.
في أسطورة حَجَر الفلاسفة، يسعى الخيميائيون إلى تحويل التراب إلى ذهب من خلال حيازة ذلك الحجر الثمين والنادر. وهو الحجر نفسه الذي وقع عليه بيتر ثيل في جراب رينيه جيرار. يتجلى تطبيق ثيل لنظرية جيرار بشكل واضح في فلسفته التجارية، وهو ما يظهر في جيمع أفكار كتابه "من الصفر إلى الواحد"، الذي يشرح فيه أن التنافس ليس نتاجاً للاختلاف بل نتاجاً للتشابه، وهو مفهوم مستمد من نظرية "الرغبة المحاكية".
يرى ثيل أن ضعف الابتكار في عالم الأعمال سببه الرئيس هو التنافس، حيث يصبح الناس مهووسين بمنافسيهم المباشرين، مما يجعلهم يفقدون الرؤية الحقيقية للقيمة، ويركزون فقط على التغلب على الآخر الذي يشبههم. ويؤدي هذا التشابه إلى المنافسة الصفرية، التي تبدد الأرباح وتجعل الشركات تتقاتل على هوامش ربح ضئيلة بدلاً من ابتكار شيء جديد.
وفي الكتاب نفسه، يطبق ثيل آلية "كبش الفداء" على عالم الأعمال، من خلال شخصية "المؤسس: في الشركات، التي تكون غالباً متطرفة تجمع بين صفات متناقضة، مما يجعله عرضة لأن يُعبد كبطل في أوقات النجاح، أو يُحول إلى كبش فداء ويُلام عند الفشل.
كما اعتمد ثيل على نظرية الرغبة المحاكية لإعادة تعريف النجاح والابتكار، ولاسيما في الاستثمارات التي غامر فيها. استثمر ثيل في فيسبوك مبكراً لأنه رأى فيه تطبيقاً عملياً لنظرية جيرار، فالمنصة تعتمد على مراقبة رغبات الآخرين عبر الإعجابات والتفاعلات، لتغذية رغبات المستخدمين، مما يؤدي إلى محاكاة مضاعفة وتكثيف التفاعل الرقمي، يثمر تحويل المحاكاة إلى وسيلة للريع المادي.
"استثمر ثيل في فيسبوك مبكرا لأنه رأى فيه تطبيقاً عمليا لنظرية جيرار، فالمنصة تعتمد على مراقبة رغبات الآخرين عبر الإعجابات والتفاعلات، لتغذية رغبات المستخدمين"
لكن ثيل الذي صنعته أفكار رينيه جيرار، ليس رجل الأعمال فقط، بل المحرض الإيدولوجي، وهذه أخطر نسخ الرجل متعدد الأوجه. حيث يستند إلى رؤية معلمه "القيامية" لبناء أيديولوجية سياسية تتجاوز الديمقراطية الليبرالية السائدة. يرى ثيل أن العقلانية التنويرية عجزت عن مواجهة العنف البدائي، وفي مقالته الشهيرة "اللحظة الشتراوسية"، يستخدم الرجل أفكار جيرار للمطالبة بخلق "نخبة قيصرية" أو سلطوية تعمل خارج قيود الديمقراطية التقليدية لحماية الغرب من "الفوضى المحاكية"، حيث تمزج رؤيته بين المثالية التكنولوجية والشعور بالخلاص المسيحاني.
سياسياً، كان ثيل داعماً مالياً بارزاً لدونالد ترامب خلال حملة عام 2016. لكن بحلول عام 2023، حوّل ولاءه إلى رون ديسانتيس، حاكم فلوريدا ومنافس ترامب الجمهوري في الانتخابات التمهيدية. ومع ذلك ظل على علاقة وطيدة بالترامبية وأجوائها من خلال جي دي فانس، نائب الرئيس ترامب وخليفته المحتمل.
منذ أن كان في جامعة ييل، تأثر فانس بشدة بأفكار ثيل. في عام 2011، وبعد فترة قضاها في وادي السيليكون، اختير فانس للحصول على "زمالة ثيل"، وهو برنامج ممول من شركات بيتر ثيل يدفع للشباب مقابل ترك الدراسة الجامعية وتأسيس شركات. ومن خلال هذه العلاقة، تعرف فانس على نظريات جيرار.
وجد فانس، الذي نشأ في بيئة مضطربة ومنخفضة الدخل في أوهايو، في أفكار جيرار تفسيراً للتدهور الاجتماعي الذي شهده في مسقط رأسه. فبينما رأى علماء الاجتماع في الفقر أو نقص التعليم سبباً لذلك التدهور، وجد فانس، من خلال منظور جيراردي، في فكرة انهيار النظام الثقافي وأزمة التقليد تفسيرا مقنعا.
أدت هذه العلاقة الإرشادية إلى خلق رابطة أيديولوجية صلبة. يشترك ثيل وفانس في الاعتقاد بأن النخبة الحديثة عالقة في حلقة مدمرة من "الرغبة المحاكية"، وأن النظام السياسي معطل لأنه فقد القدرة على تمييز الحقيقة. وإذا كان ثيل يطبق أفكار جيرار على عالم الأعمال والرؤية القيامية الأوسع، فإن دي فانس يطبقها على الصراع الثقافي واللاهوت. وهو ما دفعه إلى اعتناق الكاثوليكية، وهو قرار يُعتقد أنه مرتبط ارتباطًا وثيقًا بقراءته لجيرار.
"إذا كان ثيل يطبق أفكار جيرار على عالم الأعمال، فإن دي فانس يطبقها على الصراع الثقافي واللاهوت"
امتد تأثير الفيلسوف الفرنسي على ثيل وفانس إلى البنية الفكرية الأوسع للترامبية، مُشكلاً بذلك كيفية تواصل اليمين الجديد مع قاعدة ترامب الشعبية. وهو ما أعطى مزاعم الظلم التي ترفعها قواعد ترامب الاجتماعية مبررا "ميتافيزيقيا". حيث تُفسّر نظرية جيرار في الوساطة كراهية الشعبويين لوسائل الإعلام. فبالنسبة لقاعدة مؤيدي ترامب، لا تُعتبر الصحافة السائدة منحازة فحسب، بل هي "الوسيط" الذي يُملي على الجمهور ما يرغب فيه ومن يكره. كما صار يُنظر للتغطية الإعلامية المستمرة لإخفاقات و"فضائح" ترامب من منظور ذلك الخطاب الاضطهادي.
وقد أشار جيرار إلى أن المضطهدين يستخدمون دائماً قوالب نمطية لتشويه صورة كبش الفداء. فعندما تُصوّر وسائل الإعلام ترامب كتهديدٍ للديمقراطية، تسمع القاعدة "خطاباً تضحويا"، مُصمّمًا لتوحيد النخبة ضدّ الدخيل. وهذا يُعزّز دعمهم له، فإذا كان النظام يُحاول التضحية به، فلا بدّ أن يكون هو الضحية/المُنقذ. كما تفسر أفكار جيرار بالنسبة لأنصار ترامب وضعه "الخلاصي"، حيث يلعب البعد القيامي الذي حذر منه دوراً في رفع ترامب من مجرد رئيس إلى "مخلص".
يستغل اليمين الجديد، المتأثر بشدة بأفكار ثيل وفانس، هذه الطاقة الكارثية، من خلال الزعم بأن "نهاية التاريخ" (الديمقراطية الليبرالية) قد ولّت، وأننا ندخل حقبة من العنف والاضطرابات الشديدة، وأن ترامب هو الشخصية التي سدت هذا الفراغ. ويلقى هذا صدى لدى قاعدة – بيضاء الثقافة والعرق – تشعر بأن البلاد تفلت من قبضتها، ويؤكد مخاوفها من صراع حضاري ضد قوى الفوضى.
نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس يطبق أفكار جيرار على الصراع الثقافي واللاهوت (الفرنسية)لكن قياسا بترامب، يبدو ثيل وفانس أكثر ذكاء ووعيا. لذلك دائما ما يظهر السؤال عن مكمن السحر في هذا الرجل كي يتّبعه أشخاص أكثر منه ذكاءً وفطنةً وإدراكا. والحقيقة أن بيتر ثيل وجي دي فانس وغيرهما من رموز هذا اليمين الجديد، لا يدعمان ترامب لأنهما يعتقدان أنه قديس أو مخلص مثل ما يعتقد البسطاء من قاعدته الشعبية. لكن يدعمانه لأنه يمثل "حجر العثرة المطلق" أو "سكاندالون".
ينتمي هذا المصطلح إلى المعجم الانجيلي، ويُستخدم مجازياً للدلالة على شيء يدفع الناس إلى الخطيئة أو شيء يُفقدهم إيمانهم بالمسيح. بالنسبة لثيل وفانس، فإن هذا الحجر ضروري لكشف الحقيقة. حيث يمثل سلوك ترامب الفظ وانتهاكه للأعراف واستعداده لقول ما لا يُقال، عوامل تُفضي إلى "فضيحة" تُلحق العار بالنخبة.
هذه الفضيحة تُزيل قشرة اللباقة عن المجتمع النخبوي، وتكشف عن التنافسات الدنيئة الكامنة وراءها، وتُظهر زيف الإجماع الليبرالي. فهو ليس مخلصاً بقدر ما يمثل ذلك "الغريب الجيراردي"، الذي يدعمه فانس وثيل وتيارهما ضد نخبة الأوساط الأكاديمية والإعلامية، في سيبل تسريع الأزمة وفرض إعادة الضبط. وقد راهن ثيل وفانس بثرواتهما ومستقبلهما على فكرة أن السبيل الوحيد للخروج من متاهة المحاكاة هو هدم الجدران تماماً ولعلهما وجدا في ترامب ذلك المعول المناسب للهدم.
لكن ماذا لو كان جيرار حيا ورأى كيف تتحول أفكاره عن المحاكاة والضحية وأكباش الفداء إلى سياسات لقتل ما تبقى من الديمقراطية ومكافحة الهجرة وطمس التعدد الثقافي؟ هل كان سيعلن البراءة منها، أم أنه سيكون مرتاحاً لأنه أثبت حقاً أن ابنه البار بيتر ثيل، الذي يقلده بشغفٍ بالغ، قد أصبح فعلا عقبة رئيسية أمام شيوع أفكاره خارج عوالم اليمين المتطرف؟
" ما حدث لأفكار جيرار، هو عملية اختطاف أو تحويل وجهةٍ، جرت كثيرا في التاريخ لأفكار وتعاليم فلسفية ودينية"
يبدو أن ما حدث لأفكار جيرار، هو اختطاف أو تحويل وجهةٍ، جرت كثيراً في التاريخ لأفكار وتعاليم فلسفية ودينية. فقد تحولت نظرياته من أنثروبولوجيا لاهوتية تهدف لفهم العنف ونبذه، إلى مشرط جراحي واستراتيجية سياسية تُستخدم لإدارة الجماهير وتبرير السلطوية، وحتى الفاشية. والأمر لا يتعلق هنا بمجرد توظيف، بل بتحريف شاملٍ.
يحذر جيرار من أن "الاهتمام بالضحايا" يمكن عكسه؛ حيث يمكن لمن يمارس العنف أن يدعي أنه هو "الضحية" ليبرر اضطهاده للآخرين. وهذا التحذير هو بالضبط ما طبقه اليمين الجديد. من خلال تصوير قاعدتهم الاجتماعية كضحايا للنخبة والدولة العميقة. وباسم هذه "الضحية المزعومة"، يمارسون عملية "كبش فداء" كلاسيكية ضد مجموعات أخرى مثل المهاجرين، مستخدمين "قوالب الاضطهاد النمطية"، التي كان جيرار يسعى لتفكيكها.
قام بيتر ثيل بتطويع أفكار أستاذه جيرار لخدمة أجندة اليمين (غيتي إيميجز)عند رينيه جيرار، ظل العنف دائما عرضيا، وظل الحل المقترح يدور حول التسامح ونبذ التنافس المحاكي. في المقابل يرى هذا اليمين الجديد أن العنف حتمي ولا يمكن الهروب منه. ولذلك يسعون لتسريع الأزمة وهدم المؤسسات القائمة، معتبرين أن "القيصرية" هي الوريث الحتمي لليبرالية الفاشلة. فضلاً عن النزوع نحو الحمائية والانعزالية، لتبرير تصدير العنف خارجا، حيث إن أحد الأسباب الجوهرية لعدم قدرة المؤسسات الحالية على احتواء العنف هو العولمة. ففي السابق، كان يمكن للمجتمعات تصدير عنفها إلى خارج حدودها أو طرد الضحية بعيداً، أما اليوم فقد أصبح العالم كتلة واحدة مترابطة لا يوجد فيه خارج.
هذا الانغلاق يجعل التنافس المحاكي يرتد إلى الداخل، مما يؤدي إلى تفشي العنف حيث لم تعد الحدود السياسية للدول القومية قادرة على توفير الحماية. ولذلك يدافع هذا التيار على مسألة إغلاق الحدود ومراقبتها والحمائية التجارية، لبناء "خارج" يمكن أن يستوعب فائض العنف الداخلي.
وبينما أراد جيرار تحرير الناس من آلية الضحية عبر كشف زيفها، والتحذير من أن وعينا المعاصر بأن الإنسان كائن محاكٍ وأن المجتمعات البشرية بُنيت تاريخياً على جثث ضحايا أبرياء، يجعلنا إما أكثر قرباً من السلام أو أكثر عرضة للفوضى الشاملة إذا لم نضبط رغباتنا المتصارعة، يستخدم اليمين الجديد هذا الكشف لبناء أساطير سياسية جديدة، محولاً الفلسفة التي تسعى لفهم الصراع إلى نظام تشغيل للصراع نفسه.
لكن يبقى السؤال المحوري في السياسة الأمريكية اليوم هو ما إذا كانت هذه الاستراتيجية اليمينية الجديدة ستؤدي إلى شكل جديد من النظام، أم إلى تفكك كارثي شامل في ظل فراغ العجز عن تقديم بديل جديد، وفي ذلك الحيّز من الفراغ يتكاثر العنف ويتطور على نحو لن تستطيع كل "أكباش الفداء" في العالم أن تحد من غلوائه.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة