يرى الكاتب ديفيد روزنبورغ أن الحروب التي تخوضها إسرائيل على أكثر من جبهة، لا سيما الحرب الجارية على إيران وحلفائها الإقليميين، كشفت عن حدود هيكلية عميقة في قدرات إسرائيل العسكرية ومتانة اقتصادها ومكانتها الدبلوماسية.
وفي مقال بمجلة فورين بوليسي، قال روزنبورغ -وهو محرر الشؤون الاقتصادية وكاتب رأي بالنسخة الإنجليزية لصحيفة هآرتس- إن الحروب المتعددة الجبهات ستكون لها تداعيات طويلة الأمد على إسرائيل بعد أن بدأت تقوّض تدريجيا موقعها الإستراتيجي.
وبخصوص الحرب على إيران، قال الكاتب إن إسرائيل لم تحقق أهدافها بعد ستة أسابيع من القتال، رغم إلحاق أضرار جسيمة بالبنية التحتية الإيرانية واستهداف قياداتها.
وأوضح الكاتب أن النظام الإيراني لا يزال قائما، ويحتفظ بعناصر من برنامجه النووي، إضافة إلى ترسانة من الصواريخ والطائرات المسيّرة. والأهم من ذلك أن إيران أثبتت قدرتها على تعطيل التجارة العالمية عبر إغلاق مضيق هرمز، مما أوجد نقطة ضعف إستراتيجية جديدة.
وتساءل الكاتب إن كانت إسرائيل قد خرجت من هذه الحرب أقوى أم أضعف، وقال إنه رغم التفوق التكتيكي فإن الموقع الإستراتيجي العام لإسرائيل تراجع.
واستند الكاتب في تقييمه إلى ثلاثة أعمدة رئيسية للقوة الإسرائيلية، هي القوة العسكرية والقدرة الاقتصادية والتحالف مع الولايات المتحدة، وقال إنها جميعا تواجه ضغوطا متزايدة.
فعلى الصعيد العسكري، يرى الكاتب أن كلفة الحرب كانت باهظة، لأن النزاعات السابقة كلفت الاقتصاد الإسرائيلي نحو 116 مليار دولار من الإنفاق الدفاعي المباشر، وأضافت الحرب مع إيران مليارات أخرى إلى هذه الفاتورة.
من جهة أخرى، يعاني الجيش الإسرائيلي -بنظر الكاتب- ضغطا ميدانيا كبيرا، مع انتشار قواته في غزة وجنوب سوريا والضفة الغربية، فضلا عن احتمال استمرار الوجود في جنوب لبنان.
ويشير روزنبرغ إلى أزمة متفاقمة في عدد الجنود، مع نقص يُقدَّر بنحو 15 ألف فرد. كما أن محاولات معالجة هذه الفجوة، مثل تمديد الخدمة الإلزامية أو إنهاء إعفاء المتدينين، تعثرت سياسيا.
ونتيجة لذلك، يجري استدعاء جنود الاحتياط لفترات طويلة ومتكررة، مما يثير مخاوف بشأن الاستدامة. وقد حذر مسؤولون عسكريون كبار من أن الجيش قد ينهار إذا استمرت الضغوط الحالية.
أما اقتصاديا، فإن الكاتب يحذر من أن مرونة الاقتصاد الإسرائيلي تتعرض للاختبار، لأن الحكومة تمول الحرب بشكل أساسي عبر الاقتراض بدلا من زيادة الضرائب أو خفض الإنفاق المدني، مما أدى إلى ارتفاع الدين العام المتوقع أن يتجاوز 70% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول نهاية 2026.
كما أن خطط رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لزيادة الإنفاق الدفاعي على مدى العقد المقبل (إلى نحو 6% من الناتج) قد تفرض ضغوطا إضافية على المالية العامة، وتجبر الدولة على الاختيار بين الأمن والإنفاق الاجتماعي.
لكنَّ الجانب الأكثر إثارة للقلق -بحسب روزنبرغ- هو تطور العلاقة مع أمريكا، لأن الحرب على غزة وإيران عززت التعاون بين البلدين، ووفرت دعما عسكريا وماليا غير مسبوق، لكنه قد يمثل -بنظر الكاتب- ذروة العلاقة وليس وضعا مستقرا.
ولاحظ الكاتب أن التداعيات السياسية للحرب بدأت تنعكس داخل الولايات المتحدة، خصوصا مع تأثيراتها الاقتصادية مثل ارتفاع أسعار الطاقة، إضافة إلى ظهور مؤشرات بأن إسرائيل ونتنياهو تحديدا قد يتحولان إلى عبء سياسي في واشنطن.
وأظهرت استطلاعات الرأي تراجعا ملحوظا في صورة إسرائيل لدى الأمريكيين خاصة بين الشباب والديمقراطيين، وحتى داخل الحزب الجمهوري بدأ بعض الشباب المحافظين في إبداء مواقف أكثر نقدية.
كما بدأت أصوات مؤثرة داخل تيار ماغا (لنجعل أمريكا عظيمة مجددا) بالتشكيك في جدوى الحرب، موضحة أن التدخل الأمريكي خدم المصالح الإسرائيلية أكثر من المصالح الأمريكية. وأشار الكاتب إلى أنه رغم أن تلك الآراء ما زالت أقلية، فإن تأثيرها يتزايد.
ومع هذه التحديات، يشير الكاتب إلى أن نتنياهو يواصل اتباع نهج عسكري هجومي قائم على الردع والاستباق بدلا من الدبلوماسية، ويشير إلى أن التفوق العسكري الإسرائيلي لم ينجح في إخضاع خصوم إسرائيل في المنطقة، وضرب مثلا بحركة المقاومة الإسلامية ( حماس) وقال إنها لم تستسلم حتى الآن.
وشكك الكاتب في مدى قدرة إسرائيل على خوض "حروب بلا نهاية"، وقال إنه في حال عدم التحول نحو المسار الدبلوماسي أو إعادة تعريف أهدافها الإستراتيجية، فإن إسرائيل قد تجد نفسها عالقة في دوامة من الالتزامات المتصاعدة التي قد تعجز عن تحمُّلها.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة