صادق البرلمان في الكاميرون مطلع الشهر الحالي على تعديل دستوري يقضي باستحداث منصب نائب الرئيس، في خطوة وُصفت بأنها مفصلية في المشهد السياسي الكاميروني.
وقد أثار القرار الذي أقرته الأغلبية البرلمانية موجة واسعة من ردود الفعل، بين من اعتبره تعزيزا للاستقرار المؤسسي، ومن رأى فيه محاولة لإعادة هندسة السلطة بما يخدم مصالح الرئيس بول بيا ونظامه القائم، حسب أفريكا نيوز الموقع الأوروبي المهتم بالشأن الأفريقي.
وتساءلت الصحيفة البوركينية "لو بايي" (Le Pays) عن مغزى التوقيت، مشيرة إلى أن الرئيس بيا، الذي يحكم البلاد منذ أكثر من 4 عقود، يسعى إلى ترتيب انتقال سلس للسلطة في ظل تقدمه في العمر. هذا التوقيت يثير مخاوف من أن المنصب الجديد قد يكون أداة لضمان استمرار نفوذ العائلة الحاكمة.
لم تسكت قوى المعارضة إزاء هذا التحول، فقد نقلت مجلة أفريكا نيوز وصف موريس كامتو، زعيم المعارضة الكاميرونية، التعديل بأنه "انقلاب دستوري"، معلنا عزمه جمع توقيعات وطنية لاستطلاع رأي الشعب.
وترى صحيفة "كامر" البلجيكية أن اللجوء إلى برلمان جرى تجديد ولايته مرتين دون اقتراع شعبي لاعتماد تعديل بهذا الحجم يطرح تساؤلات حول مدى تمثيله الحقيقي لنحو 30 مليون مواطن. كما تذهب بعض التحليلات إلى أن ما جرى يمثل تحولا كبيرا في قواعد الخلافة، إذ لم تعد مرتبطة بانتخابات سريعة، بل باتت تنتقل بصورة آلية داخل السلطة التنفيذية.
وقد كشفت هذه المواقف، التي تراوحت بين وصف الخطوة بـ"الانحراف الملكي" كما جاء في موقع قناة "تي في 5″ الفرنسية و"انقلاب دستوري" كما عنونته صحيفة "لو بوان" الفرنسية، عمق الانقسام حول ما إذا كان المنصب الجديد إصلاحا مؤسسيا أم أداة لتكريس حكم عائلي.
وبحسب إذاعة فرنسا الدولية، لم يخل النقاش داخل البرلمان من اعتراضات، إذ عبّر بعض النواب عن مخاوف من أن المنصب الجديد سيُستخدم لتقييد التعددية السياسية بدل أن يكون وسيلة لتعزيز الاستقرار. ومع ذلك، فإن الأغلبية الداعمة للرئيس حسمت التصويت لصالح التعديل.
بمجرد إقرار التعديل، انفجرت التكهنات في العاصمة ياوندي حول هوية المرشح للمنصب الجديد. إذ أشارت صحيفة "لو بايي" البوركينابية إلى أن من بين أبرز الأسماء المتداولة فرديناند نغو نغو، الأمين العام للرئاسة الذي يُعد الرجل الثاني غير الرسمي في النظام، وصموئيل مفوندو أيولو، ولوران إسو ورونيه إيمانويل سادي، وكلاهما من أعمدة التجمع الديمقراطي للشعب الكاميروني الحزب الحاكم.
إلا أن أغلب التكهنات أشارت إلى أن فرانك بيا، نجل الرئيس، يُعد أبرز المرشحين لتولي المنصب، وهو ما يعززه تحليل موقع "أكتو كاميرون" (Actu Cameroun) الذي تحدث عن "حظوظ سوسيولوجية" تجعل من فرانك شخصية مرشحة بقوة، في ظل رغبة النظام في تأمين انتقال داخلي للسلطة.
وفي هذا السياق، تتردد مقارنات مع تجارب أخرى في القارة، إذ يذكر المنتقدون بأن دول وسط أفريقيا شهدت موجة من الأنظمة الأسرية في الغابون وتشاد، وأن الكاميرون تبدو في طريقها لعبور هذا المنعطف بدورها.
وبين من يرى أن استحداث منصب نائب الرئيس خطوة نحو تعزيز الاستقرار، ومن يعتبره محاولة لتكريس حكم عائلي، يبقى القرار علامة فارقة في مسار النظام السياسي الكاميروني. ويعكس الجدل الدستوري والسياسي المحيط به سؤالا أعمق: هل يمهّد هذا المنصب لإصلاح مؤسسي حقيقي، أم أنه مجرد أداة لإطالة عمر نظام بول بيا؟
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة