مع احتدام الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران منذ أكثر من شهر، تشير تطورات المواجهة إلى أن حلم الحرب عن بعد -والمعتمدة بشكل كبير على الذكاء الاصطناعي– تحطم فوق الأراضي الإيرانية الواسعة والمعروفة بتضاريسها الوعرة.
وفي مقال عن الموضوع بصحيفة نيويورك تايمز، يقول مارك غوستافسون -وهو ضابط استخبارات سابق- وجاستن كوزلين -وهو مدير إدارة المنتجات السابق في شركة غوغل– إنه رغم مزايا الذكاء الاصطناعي في تحديد الأهداف، فإن الحقائق على الأرض تجعل حسم الحرب على إيران بهذا الأسلوب أمرا صعبا.
وأشار الكاتبان إلى أن الحسابات الإستراتيجية المتعلقة بإيران كانت دائما قاتمة، حيث كان المخططون العسكريون يدركون أن أي محاولة لإسقاط النظام أو كبح برنامجه النووي ستتطلب قوات برية ضخمة، وهو ما يعني وقوع خسائر أمريكية فادحة.
ومع ذلك، يرى غوستافسون وكوزلين أن التطور التكنولوجي والذكاء الاصطناعي أوحى للمسؤولين الأمريكيين بأن الولايات المتحدة قد تتمكن أخيراً من محاربة خصم رئيسي "إلى ما لا نهاية دون إرسال مواطنيها إلى خط النار".
ويشير الكاتبان إلى أن الذكاء الاصطناعي أحدث تحولاً حقيقياً في آليات الحرب، مما مكن القيادة المركزية الأمريكية من تقليص مدة استهداف الأهداف التي "كانت تستغرق ساعات وأحياناً أياماً لتصبح مجرد ثوانٍ".
وبفضل تلك التقنيات المتطورة تمت تغطية إيران بآليات مراقبة ذاتية، واستطاع الجيش الأمريكي مطابقة بيانات الاستخبارات الإشارية مع البصمات الحرارية وأنماط حركة المركبات، للعثور على المخابئ السرية بسرعة غير مسبوقة.
ورغم تلك النجاحات التقنية، يرى الكاتبان أن واشنطن باتت تدرك أن الواقع على الأرض أكثر قسوة، وذلك بسبب المساحة الشاسعة لإيران والتي توفر دفاعاً طبيعياً لا يمكن لأكثر الخوارزميات تعقيداً أن ترسم خريطة كاملة له.
ولاحظ الكاتبان أن الذكاء الاصطناعي فشل في كبح قدرات إيران على إطلاق المسيّرات والصواريخ متوسطة المدى، لأن ذلك يمكن إنجازه انطلاقا من شاحنات متنقلة، وهو ما يعني أنه لا يمكن للمراقبة الآلية والضربات الدقيقة العثور على كل هدف منها وتدميره قبل إقلاعه.
وأوضح الخبيران أن استخدام إيران لمسيّرات "شاهد" -التي يمكن إطلاقها من ظهر شاحنة صغيرة- خلق معضلة لأنها صغيرة وسهلة الإخفاء، ولا تصدر انفجارات يمكن رصدها عند الإطلاق، وهو ما يسمح لها بالتسلل عبر شبكة المراقبة.
وحذر الخبيران من سقوط ضحايا مدنيين جراء الاعتماد على الذكاء الاصطناعي، وأشارا إلى مأساة الاستهداف الخاطئ لمدرسة في جنوب إيران راح ضحيتها 175 شخصاً على الأقل، معظمهم من الأطفال.
وبينما ألقى البنتاغون باللوم على "معلومات استخباراتية قديمة"، يرى الكاتبان أن تلك المأساة تكشف حقيقة جوهرية، وهي أن الذكاء الاصطناعي لم يحلّ التحدي الأساسي المتمثل في منع مقتل المدنيين داخل بيئة مكتظة.
وعلى خلفية ذلك الفشل، حذر الخبيران من عواقب سياسية وإستراتيجية كبيرة، لأن الأمر ليس مجرد صراع منخفض المخاطر وسريع النتائج من منظور أنصار "الحروب الجوية السلسة".
وأمام تلك التحديات، تدرس إدارة الرئيس دونالد ترمب الآن إمكانية نشر قوات برية في إيران لتحقيق ما عجز عنه الذكاء الاصطناعي الذي كان محفزا على بدء الحرب، لكن المواجهة في جو هرها تبقى غير قابل للحسم من الجو.
وخلص الكاتبان إلى أن التناقض في الحرب على إيران أثبت أن التكنولوجيا أحدثت ثورة في "كيفية" خوض الحرب، لكنها تظل غير كافية أمام واقع مادي معقد بكهوفه وجباله ومنصات إطلاقه المتنقلة، وهو ما يجعل تحقيق النصر الكامل صعبا.
المصدر:
الجزيرة