في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
يرى خبراء أن الحرب الدائرة على إيران ليست مجرد صراع على النفوذ الإقليمي أو الملفات النووية، بل هي في جوهرها معركة تتشابك فيها الغنيمة الاقتصادية مع العقيدة الدينية في مزيج بالغ الخطورة، إذ تُستدعى نصوص عمرها آلاف السنين لتبرير دمار يحدث اليوم وتحويل الخصم السياسي إلى "شر مطلق" لا يجوز التفاوض معه.
وأكد هذه الفكرة الأكاديمي التونسي المتخصص في الدراسات اليهودية ومقارنة الأديان الدكتور فوزي البدوي في حلقة (2026/3/31) من برنامج "ديوان أثير" وهذا رابطها، في قراءة لطبيعة التحالف الأمريكي الإسرائيلي ودوره الديني والاقتصادي في استهداف إيران.
وانطلق البدوي من ملاحظة جوهرية مفادها أن الدين ملازم لكل حروب البشرية، لكن ما يميّز المرحلة الراهنة هو التلاحم البنيوي بين الرأسمالية والحرب، إذ لا تعيش الرأسمالية في نظره إلا بتصريف تناقضاتها الداخلية عبر النزاعات.
وأشار إلى أن هذا التلاحم يفسر أن الولايات المتحدة الأمريكية، مع قِصَر تاريخها النسبي الذي لا يتجاوز 200 عام، هي أكثر دولة خاضت حروبا في تاريخ البشرية.
وأضاف إلى هذه البنية الاقتصادية ما سماه "المركب الصناعي العسكري" الذي لا يكتفي بإنتاج أدوات الحرب بل يسهم في صناعتها وتشكيلها.
وفيما يخص إيران تحديدا، أشار البدوي إلى أنها تحتل موقعا مزدوجا في المخيلة الإسرائيلية والأمريكية، فهي "إيران كورش" المحبوبة التي يطلق عليها التوراة لقب "مسيح الرب" لأنها أتاحت عودة اليهود إلى فلسطين، و"إيران هامان" المكروهة التي يجب التخلص منها وفق سردية "سفر أستير".
ولفت إلى تنافس الرؤساء الأمريكيين تاريخيا على لقب "كورش الأكبر" المخلّص، من هاري ترومان إلى دونالد ترمب الذي يقدّم نفسه اليوم في هذا الدور.
واستعرض البدوي ما سماه "الكوكتيل القاتل" الذي نشأ بعد عام 1967، حين التقى اليمين القومي "الجابوتينسكي" باليمين الصهيوني الديني المنحدر من أفكار الحاخام أبراهام كوك، مما أفضى إلى خليط أيديولوجي لم تعد معه النخب الإسرائيلية قادرة على الفصل بين الدوافع القومية والمرجعيات الدينية.
وأشار إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية، وإن لم يكن شخصا متدينا في سلوكه اليومي، فإنه يُشبع خطابه السياسي بالمرجعيات الدينية، ويرى نفسه "المسيح الملك" الذي يسبق عودة المسيح المنتظر، مستندا إلى توجيهات الحاخام مناحيم مندل شنيرسون زعيم حركة حباد الحسيدية.
وفيما يتعلق بمفهوم "العماليق" الذي يُطلَق على الفلسطينيين والإيرانيين على حد سواء، أوضح البدوي أن الخطورة الحقيقية تكمن في أن هذا الوصف لا يعني مجرد العداء بل يعني الخطر الوجودي الذي تستوجب الشريعة اليهودية إبادته كليا لا الانتصار عليه فحسب، وهو ما يفسر ابتعاد الحرب عن أي بُعد أخلاقي أو قانوني.
ووفقا للبدوي، فإن مواجهة هذا المشروع تستوجب ثورة تعليمية عربية حقيقية، قوامها ثلاثة مداخل متكاملة لا يمكن الاستغناء عن أي منها.
يتمثل المدخل الأول في إصلاح تدريس التاريخ لبناء وعي تاريخي حقيقي يدرك طبيعة الصراع وجذوره، في حين يقوم المدخل الثاني على إعادة الاعتبار لتعليم الفلسفة باعتبارها "المضاد الحيوي" لكل فكر مغلق وأداةً لبناء العقل النقدي، أما المدخل الثالث فهو إعادة ترتيب العلاقة مع الدين عبر منهجية تاريخية علمية لا تعادي الدين بل تعيد قراءته بوعي وجرأة فكرية.
ولفت البدوي إلى أن العالم العربي ما زال يواجه إسرائيل بأدوات الجدل الكلامي في القرون الوسطى، في حين أن إسرائيل الحديثة هي وليدة التاريخ الأوروبي الشرقي وثمرة الحركات الحسيدية وحركة الأنوار اليهودية، مما يجعل المواجهة غير متكافئة في أعمق مستوياتها الفكرية ما لم يُبنَ مواطن عربي جديد يرتكز على قيمتَي العدل والحرية.
المصدر:
الجزيرة