تناولت 3 صحف أمريكية كبرى هي نيويورك تايمز، وول ستريت جورنال وذا هيل، الوضع العسكري والجيوسياسي في ظل احتدام المعارك بين الطرفين، في حين تدرس واشنطن خيارات محفوفة بالمخاطر لإعادة فتح الممر المائي الإستراتيجي بعد الهجمات الإيرانية على حركة الشحن.
ولفتت الصحف الثلاث إلى أن المسؤولين الأمريكيين يواجهون مهمة شاقة؛ إذ يتعين عليهم اتخاذ قرارات عسكرية صعبة في ظل ارتفاع أسعار النفط والمخاوف من أن تتحول المواجهات العسكرية المحتدمة حاليا إلى صراع إقليمي أوسع نطاقا.
وفقا لما ذكرته نيويورك تايمز، فإن نشر نحو 2500 جندي من سلاح مشاة البحرية الأمريكي يمثل مرحلة جديدة محتملة في الصراع.
وينتمي هؤلاء الجنود إلى الوحدة الاستكشافية البحرية الــ31، وهي قوة استجابة سريعة تتمركز بشكل دائم في جزيرة أوكيناوا بأقصى جنوبي اليابان، وتعمل ضمن منطقة قيادة المحيطين الهندي والهادي، وتضم الوحدة سربا من مقاتلات " إف-35"، وآخر من طائرات "إم في أوسبري".
وأشارت الصحيفة إلى أن وصول هذه القوات إلى الشرق الأوسط قد يتيح للولايات المتحدة تنفيذ غارات سريعة أو عمليات برية محدودة ضد مواقع إيرانية تهدد حركة الشحن في المضيق.
غير أن نشر مشاة البحرية يثير -برأي الصحيفة- قلقا متزايدا في واشنطن بشأن قدرة إيران على تعطيل تدفقات الطاقة العالمية. فمضيق هرمز، وهو ممر مائي ضيق يمر عبره نحو 20% من نفط العالم، أصبح أكثر خطورة بعدما بدأت القوات الإيرانية استهداف السفن والتهديد بزرع الألغام في المنطقة.
وبحسب نيويورك تايمز، فإن الضربات الجوية الأمريكية أجبرت الوحدات البحرية الإيرانية على تجنب نشر السفن الأكبر حجما، والاعتماد بدلا من ذلك على قوارب أصغر وأسرع قادرة على زرع الألغام البحرية مع تفادي الطائرات.
ويقول محللون عسكريون نقلت عنهم الصحيفة إن تلك القوارب يمكن أن تعمل انطلاقا من مجموعات من الجزر القريبة من المضيق، مما يجعل اكتشافها واعتراضها أكثر صعوبة.
كما أن وجود وحدة استكشافية من مشاة البحرية قد يسمح للقادة العسكريين الأمريكيين بشن غارات على تلك المواقع، وربما إنزال قوات مدعومة بالمروحيات والطائرات لإزالة الألغام التي زرعتها إيران أو تدمير منصات إطلاق الصواريخ.
لكن الصحيفة ترى أن مثل هذه العمليات تنطوي على مخاطر التصعيد. فالوحدات الاستكشافية البحرية -التي تُوصف غالبا بأنها "قوة الطوارئ 911 الخاصة بأمريكا"- صُممت للانتشار السريع في الأزمات، غير أن استخدامها في غارات على الأراضي الإيرانية أو الجزر القريبة قد يؤدي إلى تعميق الصراع.
وتفيد نيويورك تايمز بأن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أظهر استعدادا للموافقة على تنفيذ عمليات محدودة لكنها هجومية، وهو ما يثير مخاوف من اتساع رقعة الحرب.
وأعلن ترمب عبر وسائل التواصل الاجتماعي أن القوات الأمريكية نفذت غارة كبيرة على جزيرة خارك، وهي محطة التصدير النفطية الرئيسية لإيران.
ووفقا للرئيس الأمريكي، استهدفت الضربة أصولا عسكرية إيرانية في الجزيرة لكنها تجنبت عمدا إلحاق الضرر بالبنية التحتية النفطية. وقد ترتبت على الصراع بالفعل عواقب اقتصادية كبيرة، إذ ارتفعت أسعار النفط العالمية بنحو 40% منذ بدء الأعمال القتالية.
ورغم صغر حجمها نسبيا مقارنة بنحو 50 ألف جندي أمريكي موجودين بالفعل في المنطقة، فإن الوحدات الاستكشافية البحرية تتمتع بقدرات كبيرة.
فالسفن الهجومية البرمائية التابعة لها يمكن أن تحمل طائرات "إم في-22 أوسبري" ومروحيات نقل ومقاتلات الشبح من طراز "إف-35 لايتينينغ"، بينما تنقل السفن المرافقة قوات مشاة ومدفعية ومركبات برمائية قادرة على تنفيذ عمليات إنزال من البحر.
ويمكن لهذه القوات أيضا دعم عمليات مرافقة ناقلات النفط عبر المضيق ونشر أنظمة إلكترونية مصممة للتصدي للطائرات المسيرة.
ومع ذلك، يثير هذا الانتشار أيضا مخاوف بشأن فجوات إستراتيجية أوسع. إذ أفادت نيويورك تايمز بأنه مع التزام وحدات من مشاة البحرية بالعمليات في الشرق الأوسط وفنزويلا في الوقت نفسه، قد تفتقر الولايات المتحدة مؤقتا إلى قوة استجابة سريعة في منطقة المحيط الهادي، مما يقلل من حجم الموارد المتاحة للتعامل مع أزمات محتملة تشمل دولا مثل كوريا الشمالية أو تايوان.
أما التحدي الذي تنطوي عليه عملية إعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، فقد تناولته صحيفة وول ستريت جورنال بمزيد من التفاصيل.
ففي مقاله التحليلي بالصحيفة، أوضح الكاتب جاريد مالسين أن تأمين ممر الشحن سيتطلب موارد عسكرية كبيرة وربما أشهرا من العمليات.
وقال إن الولايات المتحدة تُحجم في الوقت الراهن عن إرسال سفن إلى مضيق هرمز، الذي لا يتجاوز عرضه 32 كيلومترا في أضيق نقاطه.
ومع أن ترمب ووزير الحرب بيت هيغسيث تعهدا بإرسال سفن حربية لمرافقة ناقلات النفط التي تستهدفها إيران، فإن مالسين نقل في مقاله عن ضباط في البحرية الأمريكية القول إن الطائرات المسيّرة الإيرانية والصواريخ المضادة للسفن قد تحوّل المضيق إلى "منطقة لقتل البحارة الأمريكيين".
وتقول الصحيفة إن أحد الخيارات المطروحة لتمهيد الطريق أمام عمليات المرافقة البحرية تتمثل في تكثيف استخدام القوة الجوية لتعقّب الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية وتدميرها قبل أن تتمكن من إطلاقها على السفن في المضيق.
وأضافت أن ثمة خيارا آخر يكمن في استخدام قوات برية للسيطرة على الأراضي المحيطة بالممر المائي مع توفير غطاء جوي لها وقدرات على إزالة الألغام.
يقدّر خبراء أن الأمر قد يتطلب سفينتين حربيتين لمرافقة كل ناقلة نفط، أو نحو 12 سفينة لحماية قوافل تضم ما بين 5 و10 ناقلات، من أجل توفير الدفاعات الجوية اللازمة. كما أن قِصر المسافات المعنية يجعل من عملية إسقاط الصواريخ والطائرات المسيّرة أكثر صعوبة بكثير.
ورغم أن الهجمات الأمريكية والإسرائيلية ألحقت دمارا كبيرا بالبحرية الإيرانية وقدراتها العسكرية، فإن قادتها ما زالوا يُظهرون القدرة على تنفيذ هجمات، وفق وول ستريت جورنال.
وفي تقدير المحلل البحري براين كلارك من معهد هدسون، أنه إلى جانب السفن الحربية، فإن الأمر قد يتطلب ما لا يقل عن 12 طائرة مسيّرة من طراز "إم كيو-9 ريبر" للقيام بدوريات في الأجواء واستهداف منصات إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية فور ظهورها على الساحل.
ومع كل هذه الموارد، قد تؤدي عمليات المرافقة إلى إبطاء حركة الشحن بشكل كبير. وبحسب محللي حركة الشحن الذين نقلت عنهم وول ستريت جورنال، فإن الإجراءات الأمنية قد تقلل حركة ناقلات النفط عبر المضيق إلى نحو 10% فقط من مستوياتها الطبيعية.
الخيار الأكثر طموحا الذي يناقشه المخططون العسكريون فيتمثل في إرسال قوات برية للسيطرة على أجزاء من الساحل الجنوبي لإيران بهدف القضاء على تهديدات الصواريخ والطائرات المسير
وتشير التقارير إلى أن أكثر من 600 سفينة تجارية عالقة بالفعل في الخليج بانتظار المرور الآمن، وقد يستغرق إزالة هذا التراكم أشهرًا.
أما الخيار الأكثر طموحا الذي يناقشه المخططون العسكريون فيتمثل في إرسال قوات برية للسيطرة على أجزاء من الساحل الجنوبي لإيران بهدف القضاء على تهديدات الصواريخ والطائرات المسيرة.
ومن المرجح -في تقدير كاتب المقال- أن تبدأ مثل هذه العملية بضربات جوية واسعة النطاق، تليها عمليات إنزال برمائية لقوات مشاة البحرية. غير أن الخبراء يحذرون من أن هذا النهج قد يتطور إلى التزام عسكري أكبر بكثير.
وأورد مالسين في تحليله أن القوات المسلحة الإيرانية -ولا سيما الحرس الثوري الإسلامي- تتمتع بخبرة في الحرب غير المتكافئة وقد تشن هجمات مستمرة على القوات الأمريكية.
ويحذر محللون نقلت عنهم وول ستريت جورنال من أن الغارات المحدودة قد تستمر إلى مدى زمني أطول إذا سعت الولايات المتحدة إلى الحفاظ على السيطرة على المناطق الساحلية القريبة من المضيق.
في تقريرهما بصحيفة "ذا هيل"، تطرقت مراسلة الشؤون العسكرية إلين ميتشل وزميلها فيليب تيموتياه إلى المعضلة التي تواجه الإدارة الأمريكية في محاولتها إعادة فتح مضيق هرمز وتجنب حرب أوسع.
وكتب المراسلان أن عمليات المرافقة البحرية قد تعرض السفن الأمريكية للطائرات المسيرة والألغام والقوارب السريعة الهجومية التي تستخدمها البحرية الإيرانية.
بيد أن الصحيفة ترى أن مرافقة قطع بحرية عسكرية للسفن عبر الممر المائي قد تكون خيارا مكلفاً ومحفوفاً بالمخاطر، في حين أن استخدام قوات برية لتأمين الساحل الإيراني سيُمثّل "تصعيدا جديدا وتحولا سياسيا لا يحظى بشعبية".
ثم إن كلا الخيارين، اللذين يُراد منهما تجنّب أزمة نفطية في ظل الارتفاع الحاد في الأسعار العالمية، ينطويان على خطر كبير بوقوع ضحايا جدد؛ إذ قُتل بالفعل 13 من العسكريين الأمريكيين في هذه الحرب.
أما فتح المضيق عبر التفاوض على إنهاء الحرب، فترى "ذا هيل" أن دوره سيأتي مع مجموعةٍ أخرى من الإشكالات.
ففي نظرها أن هذا المسار سيُبقي النظام الإيراني في مكانه مع استمرار امتلاكه مواد نووية، مما سيجعل من الصعب على الولايات المتحدة إعلان النصر استنادا إلى الأهداف التي أعلنها دونالد ترمب نفسه.
وفي مقابلة مع الصحيفة، قال ستيفن ويلز، وهو خبير في الشؤون البحرية لدى مركز الإستراتيجية البحرية الأمريكية، إن أمام الجيش خيارين: إما الاستيلاء على جزيرة خرج لإجبار طهران على وقف خنقه للمضيق، وإما أن تقوم البحرية الأمريكية بمهام مرافقة السفن عبر الممر، ولكن فقط بعد إزالة الألغام البحرية.
ووصف الوضع بأنه "صعب وفوضوي"، موضحا أنه يتعين التعامل مع كل لغم على حدة، "وهو أمر يشكِّل تحديا أكثر صعوبة أمام البحرية الأمريكية".
وطبقا للصحيفة، فإن إيران تمتلك أكثر من 5 آلاف لغم بحري -وهو "أكبر مخزون من نوعه في العالم"- تتراوح بين ألغام تلامسية قديمة وأجهزة أكثر تطورا من نوع "التأثير القاعي" التي تنفجر بمجرد التقاطها إشارات مغناطيسية أو صوتية تصدرها السفن المارة. وحتى عدد محدود من الألغام يمكن أن يعطل ممرات الشحن ويتطلب عمليات إزالة دقيقة وشاقة.
في المحصلة، تُجمع الصحف الثلاث على أن تأمين مضيق هرمز بالكامل قد يكون بالغ الصعوبة من دون حل سياسي أوسع للصراع.
فحتى إذا نجحت القوات الأمريكية في تقليص قدرة إيران على مهاجمة السفن، قد تظل شركات الشحن التجارية وشركات التأمين مترددة في إرسال السفن عبر المضيق ما لم تقتنع بأن خطر الهجوم قد انخفض بشكل كبير.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة