طهران- بعد دخول الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران أسبوعها الثاني، استيقظ سكان العاصمة طهران، الليلة الماضية، على كابوس قصف جنوني وصف بأنه الأشد منذ اندلاع الحرب، ومع بزوغ فجر السبت طفا معه موضوع الملاذات الآمنة على السطح، إذ تتصدر الجاهزية لمواجهة سيناريوهات الطوارئ حديث الشارع الإيراني منذ أيام.
وعلى وقع اهتزاز الأرض تحت المدينة التي يزيد تعداد سكانها على 15 مليون نسمة، لم يعد السؤال عن متى ينقطع هدير الصواريخ وضجيج الغارات، بل عن "أين ستختبئ الملايين إذا تحوّلت السماء إلى جحيم؟ وهل ملاجئ العاصمة جاهزة حقا لكابوس لم يعد احتمالا بل واقعا؟".
وللوقوف على مدى جاهزية المدينة التي أضحت تعيش على فوهة بركان منذ أسبوع، توجهت الجزيرة نت إلى باطن الأرض لاستكشاف واقع الملاجئ المحددة سلفا ومدى قدرتها على حماية الطهرانيين.
وبالرغم من أن دائرة إدارة الأزمات في طهران سبق وحددت 82 محطة مترو و300 مرآب سيارات داخل المجمعات التجارية والإدارية كملاجئ، لكنها وعبر المشاهدات العينية تبدو غير مُجهّزة بما يكفي لمواجهة كوابيس الهجمات المتواصلة.
وإثر إعلان الجيش الإسرائيلي -صباح اليوم السبت- أنه بدأ موجة غارات إضافية على ما سماه "بنى تحتية تابعة للنظام الإيراني" في طهران، نزلنا إلى عمق 50 مترا تحت الأرض في محطة "ميدان صنعت" للمترو شمال العاصمة، لكنها كانت شبه فارغة إلا من 30 شخصا قال بعضهم إنه لم يأت إلى هنا بحثا عن مكان آمن بل للتنقل إلى منطقة أخرى.
وخلف الشريط الأصفر في المحطة، يتذكر الحاج علي رضا (60 عاما) فترة الحرب العراقية الإيرانية (1988 – 1980) حيث اعتاد حينها سماع دوي الانفجارات، لكنه يقف اليوم حائرا أمام واقع مختلف تماما، وقال إن الشوارع لا توجد فيها أي لافتة تشير إلى وجود ملجأ، وإن كان التلفزيون الرسمي أعلن أن بعض محطات المترو أصبحت ملاجئ، لكنه لم يذكر أسماءها.
وتابع بنبرة أسى "هذه المدينة التي عاشت 8 سنوات من حرب الدفاع المقدسة، وعرفت معنى الصمود، تجد نفسها اليوم عارية أمام الصواريخ الإسرائيلية والأمريكية"، حيث أمست الملاجئ السابقة إمّا مُهملة أو تحوّلت إلى مخازن ومقاهٍ بعد انتهاء الحرب، حسب قوله.
واعتبر الحاج علي رضا، فتح المدارس والمساجد والمترو كمأوى "مجرد مسكنات مؤقتة"، مستدركا أن الفرق بين طهران تحت القصف وبعض الدول الأخرى ليس فقط في الملاجئ، بل في ثقافة البقاء، وأردف قائلا "هناك يخافون على حياتهم، وهنا اعتدنا أن نموت واقفين".
ولدى انتقالنا إلى محطتي "نواب صفوي" وسط المدينة و"17 شهريور" جنوبها، لم يكن الوضع مختلفا عن مشاهداتنا في المحطة السابقة.
وفي السياق، كشف الشاب الثلاثيني مهدي، وهو أحد عمال محطة 17 شهريور، عن عدم رغبة مسؤولي بلدية طهران بالحديث عن الملاجئ، مستدركا "ليس لأنها غير موجودة، بل السبب أبسط وأكثر تعقيدا في آن، ويرتبط بنمط القصف الحالي".
وفي حديثه للجزيرة نت، قال مهدي إن العدو يراقب، والتجمعات الكبيرة قد تكون أهدافا ثانوية على غرار الهجمات على المدارس والمستشفيات والصالات الرياضية، موضحا أن هذا لا يعني أننا تركنا الناس دون مأوى، بل البنية التحتية للمدينة تضم أماكن كثيرة جهزناها للإيواء الطارئ، وزوّدناها بالمياه الصالحة للشرب ودورات المياه والتجهيزات الأساسية الأخرى.
وواصل مهدي مبتسما "محطات المترو ليست وحدها. هناك مواقف سيارات تحت الأرض في المراكز التجارية الكبرى، بعضها يمتد لـ5 أو 7 طوابق تحت الأرض جميعها مجهزة لاستقبال المواطنين في حالات الطوارئ".
وعند الحديث عن الأرقام، يتردد -المتحدث نفسه- قليلا، ثم يضيف "الإقبال على الملاجئ ليس كبيرا بالمعنى المتوقع، ففي محطات المترو، تستقبل كل واحدة ما بين 100 إلى 150 شخصا يوميا"، مبينا أنه حتى اليوم الرابع من الحرب أن نحو 900 شخص فقط لجؤوا إلى محطات المترو.
وهذه الأرقام تبدو قليلة جدا مقارنة بعدد سكان طهران، لكنها تعكس حقيقة أن الناس ما زالت تُفضّل البقاء في منازلها، أو أن المعلومات عن الملاجئ لم تصل إليهم بالقدر الكافي. وفي سؤال الجزيرة نت لرئيس مركز الارتباطات والشؤون الدولية في بلدية طهران، حميد رضا غلامزاده، أرجع السبب إلى "عدم احترام العدو أي اعتبارات مدنية".
وأشار إلى أن القصف لا يستثني لا المدارس، ولا الصالات الرياضية، وحتى مبنى للبلدية كلها استهدفت خلال الأسبوع الماضي. وأن أي حديث عن ملاجئ آمنة غير دقيق، وقال "نحن نقدم أماكن تقلل الخطر، لكن لا نريد تجميع الناس وتعريضهم للخطر"، مستدركا أن الأهم من الملاجئ هو الوعي، وسرعة التصرف، وعدم التردد في النزول إلى الأماكن الأكثر تحصينا عندما تدعو الحاجة.
وتابع غلامزاده، أن التحدي الحقيقي يكمن في "عامل الوقت" حيث إن الفارق بين رصد الطائرات المعادية أو الصواريخ ووصولها إلى الأهداف لا يتجاوز دقائق يستحيل خلالها وصول الناس إلى الملاجئ حال إطلاق صفارات الإنذار، "لهذا لا نستطيع أن ننشر قوائم بأسماء الملاجئ على الملأ، فالعدو يرصد ويستهدف كل شيء".
ولفت غلامزاده إلى أن العدو يستخدم الذكاء الاصطناعي لتحديد أهدافه، ولذلك نراه يستهدف متنزه "الشرطة" بسبب التسمية ظنا منه أنه تابع للقوى الأمنية، وكذلك مناطق أخرى بسبب تسميتها بـ"جندي الوطن" أو "حارسو الثورة" -وليس الحرس الثوري– وغيرها من التسميات المشابهة.
وعلى بُعد بضعة كيلومترات من محطة 17 شهريور للمترو، زارت الجزيرة نت مرآب أحد المتاجر الكبرى جنوب شرق طهران، حيث كان مُجهّزا بالمقوّمات الأولية للإيواء، لكنه وبشهادة أحمد (اسم مستعار) أحد أعضاء مجلس إدارة المجمع التجاري "لم يراجعه شخص واحد للإيواء حتی الآن".
واعتبر أحمد (69 عاما)، في حديثه للجزيرة نت، أن استخدام المدارس أو مواقف السيارات كملاجئ "أمر مثير للدهشة"، لأنها تفتقر للمواصفات الفنية اللازمة لمواجهة التهديدات العسكرية، موضحا أن مرائب السيارات خاصة مع وجود مركبات ممتلئة بخزانات الوقود، تشكّل خطورة بالغة في حال وقوع انفجارات.
واستدرك بأن تلك المنشآت قد تصلح للإيواء المؤقت وليس كملاجئ يفترض أن تكون مقاوِمة بالكامل للانفجارات والشظايا وموجات الانفجار وسائر التهديدات العسكرية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة