في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
مع كل تصعيد عسكري في المنطقة، لا تتحرك الصواريخ وحدها، بل يتزامن معها نشاط مكثف في الفضاء الرقمي.
وخلال الساعات الماضية، اجتاحت منصات التواصل موجة فيديوهات نسبت إلى استهدافات إيرانية طالت الرياض وجدة والدوحة ودبي والكويت، في مشهد بدا وكأنه يوثق ضربات متزامنة على عواصم خليجية.
غير أن التحقق من هذه المواد يكشف صورة مختلفة تماما، حيث فحصت وحدة المصادر المفتوحة بالجزيرة الفيديوهات المتداولة لتكشف أنها مقاطع قديمة أعيد تدويرها، أو مشاهد التقطت في دول أخرى، وجرى تقديمها على أنها أحداث جارية ضمن الحرب الدائرة.
أحد أكثر المقاطع تداولا زعم توثيق انفجارات في مدينة جدة وإصابة منشأة تابعة لشركة أرامكو، وحصد أكثر من مليون مشاهدة خلال وقت قصير.
غير أن البحث العكسي وتتبع أقدم النسخ المنشورة أظهرا أن الفيديو يعود إلى مارس/آذار 2022، حين استهدفت هجمات تبناها الحوثيون منشآت نفطية في جدة آنذاك، وأعيد نشر المشهد خارج سياقه الزمني لإيهام المتابعين بوقوع استهداف جديد.
وفي مقطع آخر، جرى تداول مشاهد لاشتعال نيران واسعة قيل إنها نتيجة قصف إيراني حديث على السعودية، بينما تبين أنها توثق غارات إسرائيلية على ميناء الحديدة عام 2024.
في الحالتين، يتكرر عنصر بصري واحد، ألا وهو منشآت طاقة مشتعلة.
في سياق مواز، تداولت حسابات مقطعا زعمت أنه يوثق سقوط مقذوف داخل العاصمة القطرية الدوحة، مع حديث عن فشل أنظمة الدفاع الجوي.
لكن الفحص أظهر أن المشاهد تعود إلى العاصمة البحرينية المنامة، وتوثق إطلاق صفارات إنذار وتصاعد دخان عقب استهداف هناك، ولا علاقة لها بقطر.
هكذا ينتقل المشهد رقميا من دولة إلى أخرى، وكأن الخريطة تتسع تدريجيا.
وفي الكويت، انتشر مقطع قيل إنه يظهر نقل جثامين 3 جنود أمريكيين قتلوا في ضربة إيرانية حديثة استهدفت قاعدة عسكرية.
غير أن الفيديو منشور منذ عام 2011، ويوثق نقل جنود أمريكيين قتلوا في العراق ، وأعيد تداوله ليعطي انطباعا بوقوع خسائر مباشرة داخل الأراضي الكويتية، مع التركيز على عنصر القواعد الأمريكية.
أما في دبي، فقد حصد مقطع ملايين المشاهدات بزعم توثيقه قصفا إيرانيا عنيفا للمدينة.
وبالتحقق، تبين أن المشاهد تعود إلى عام 2022، وتوثق عرض قفز بالمظلات أقيم فوق المدينة وأعيد تقديمه بصياغة درامية ليبدو كقصف عسكري ليلي.
تحليل الحسابات التي بادرت إلى نشر هذه المقاطع يظهر سمات متكررة. فعدد ملحوظ منها حسابات حديثة النشأة أو منخفضة التفاعل السابق، تفتقر إلى هوية تعريفية واضحة أو شخصية اعتبارية معروفة.
كما أن جزءا من الحسابات الأكثر نشاطا في الترويج لهذه المواد يصدر من بيئات رقمية إسرائيلية أو ناطقة بالعبرية، وتنشر المقاطع بصياغات توحي بوقوع ضربات مباشرة داخل دول خليجية.
ويظهر أيضا نمط تضخيم متسلسل، إذ تبدأ المقاطع عبر حسابات صغيرة، ثم تعاد مشاركتها عبر شبكة حسابات متقاربة في الخطاب، مما يمنح الانطباع بحدث واسع قبل التثبت منه.
عند جمع هذه الحالات، لا تبدو المقاطع حوادث منفصلة، بل أجزاء من سردية واحدة. فالمدن المختارة ذات رمزية سياسية واقتصادية واضحة، والمواد البصرية تركز على منشآت طاقة وقواعد عسكرية، والمشاهد غالبا ليلية ومشحونة دراميا.
هذا الانتقاء لا يبدو عشوائيا، بل يوحي بمحاولة رسم خريطة ذعر متكاملة تظهر الخليج وكأنه دخل ساحة المواجهة المباشرة، حتى في غياب وقائع ميدانية تؤكد ذلك.
في أوقات الحرب، تصبح الصورة أداة تأثير فوري، فمقطع قصير قادر على خلق انطباع بوقوع هجوم حتى قبل صدور أي بيان رسمي.
ولا تكمن خطورة هذه الفيديوهات في خطئها المعلوماتي فقط، بل في قدرتها على إرباك الجمهور والتأثير في المزاج العام وتعزيز روايات تصعيدية ربما لا تعكس الواقع.
تأتي موجة الفيديوهات المضللة في ظل تصاعد غير مسبوق في التوتر بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى.
فقد شهدت الأسابيع الأخيرة تبادلا للتهديدات، وتحركات عسكرية معلنة وغير معلنة، شملت ضربات متبادلة ورسائل ردع ميدانية، إلى جانب تعزيزات عسكرية أمريكية في المنطقة وتحذيرات إسرائيلية من توسيع نطاق العمليات.
وفي مثل هذا المناخ، تتحول المنصات الرقمية إلى ساحة موازية للصراع، حيث تتداخل الوقائع العسكرية الفعلية مع حملات التأثير المعلوماتي وصناعة الانطباعات.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة