عاد التوتر العسكري بين باكستان وأفغانستان إلى التصاعد، بعد تبادل القصف المدفعي ونيران الهاون على طول الحدود الوعرة بين البلدين، ما يطرح مجددًا تساؤلات حول الفجوة العسكرية الهائلة بين الجيشين وقدرة كل طرف على فرض نفوذه في هذا الصراع المتجدد.
وأعلن وزير الدفاع الباكستاني خواجة آصف أن "صبر بلاده قد نفد"، مؤكداً بدء "حرب مفتوحة" على جارتها التي تسيطر عليها حركة طالبان ، في حين شدد رئيس الوزراء شهباز شريف على قدرة القوات الباكستانية على ردع أي تهديد.
ووفقاً لمؤشرات التصنيف العسكري الدولي، تتفوق باكستان بشكل واضح من حيث حجم القوات والقدرات التسليحية والإنفاق الدفاعي، إذ تمتلك جيشاً نظامياً كبيراً وسلاح جو متطوراً ومنظومات صاروخية متنوعة، فضلاً عن ترسانة نووية تمنحها ثقلاً استراتيجياً إضافياً.
في المقابل، تعتمد أفغانستان على قدرات أكثر تواضعاً من حيث العتاد والتجهيز، مع تركيز أكبر على الخبرة القتالية الميدانية وحرب العصابات، ما يجعل طبيعة المواجهة المحتملة مختلفة بين تفوق تقني وعددي من جهة، وخبرة ميدانية وتكتيكات غير تقليدية من جهة أخرى.
مقارنة بين الإمكانيات
وتتربع باكستان في مرتبة متقدمة جداً ضمن أقوى 15 جيشاً في العالم باحتلالها المركز 14، بينما تأتي أفغانستان في مراكز متأخرة عالمياً (المركز 121)، بحسب تصنيف لموقع "Global Firepower" المتخصص في الشؤون العسكرية.
وهذا التفاوت يعكسه بوضوح حجم القوات البشرية، حيث تمتلك باكستان جيشاً نظامياً ضخماً يضم حوالي 660,000 جندي في الخدمة النشطة، وهو ما يعادل تقريباً أربعة أضعاف القوة البشرية للجيش الأفغاني الذي يقدر قوامه بنحو 172,000 جندي.
كما يتمتع الجيش الباكستاني بدعم على مستوى الرصيد البشري من خلال وحدات شبه عسكرية وشرطة عسكرية يبلغ قوامها نحو 300 ألف فرد.
كما تظهر الفجوة العميقة عند النظر إلى الميزانيات الدفاعية، إذ تخصص باكستان ميزانية سنوية ضخمة تصل إلى قرابة 9.1 مليار دولار لدعم التصنيع العسكري وشراء التقنيات الحديثة، في حين تقتصر ميزانية الدفاع الأفغانية على نحو 145 مليون دولار، وهو مبلغ متواضع يوجه غالباً للرواتب والعمليات الأساسية دون القدرة على التطوير.
أما الفارق الجوهري والأخطر، فيتمثل في امتلاك باكستان لترسانة نووية تضم حوالي 170 رأساً حربياً، مما يمنحها ثقلاً استراتيجياً لا تملكه أفغانستان التي تعتمد كلياً على الأسلحة التقليدية.
وتتنوع القوة البرية الباكستانية بين التكنولوجيا الحديثة والعدد الضخم، حيث تشغل أكثر من 2,600 دبابة قتالية وما يزيد عن 59,000 عربة مدرعة، مدعومة بأنظمة صواريخ باليستية ومدفعية ذاتية الحركة.
في المقابل، يرتكز العتاد الأفغاني على ما تبقى من مخلفات القوات الأمريكية والسوفيتية السابقة، وهي في معظمها مدرعات خفيفة مثل الهامفي تفتقر للغطاء الجوي والأنظمة الدفاعية المتطورة التي تمتلكها جارتها.
كما تمتلك باكستان سلاح جو متطوراً يضم أكثر من 1,397 طائرة، تشمل مقاتلات حديثة مثل F-16 وJF-17، وطائرات هجومية، ومسيرات متطورة، كما تمتلك أسطولاً بحرياً يضم غواصات وفرقاطات.
في المقابل، تفتقر أفغانستان تماماً لسلاح جو مقاتل، حيث تمتلك قوات كابول عدداً محدوداً جداً من المروحيات وطائرات النقل القديمة خلفها الجيش الأمريكي أو من العصر السوفيتي، والكثير منها يعاني من مشاكل في الصيانة، دون أن تمتلك قوة بحرية باعتبارها دولة حبيسة.
ويتميز الجيش الباكستاني بالهيكلية التنظيمية، والتدريب الاحترافي، والقدرة على خوض حروب نظامية طويلة الأمد، مدعومة بصناعة عسكرية محلية وشراكة استراتيجية مع الصين.
في المقابل، تكمن قوة الجيش الأفغاني في حرب العصابات والخبرة القتالية الميدانية المكتسبة من عقود من الحروب، خصوصا في التضاريس الجبلية الوعرة لأفغانستان التي تشكل عائقاً كبيراً أمام أي تقدم بري تقليدي.
التطورات الميدانية
وجاء التصعيد الأخير بعد هجمات أفغانية عبر الحدود، حيث قصفت باكستان عدة مواقع أفغانية بما في ذلك العاصمة كابول ومدينة قندهار وولاية باكتيا الحدودية، بينما ردّت طالبان بهجمات على مواقع للجيش الباكستاني داخل أراضيها، أسفرت عن مقتل وجرح عناصر من كلا الجانبين.
وترافق القصف مع تحليق طائرات استطلاع باكستانية فوق المجال الجوي الأفغاني، بينما سمع الصحافيون دوي انفجارات في كابول وقندهار، ما أعاد مشاهد الفوضى التي تشهدها المنطقة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2025.
وقال الناطق باسم طالبان ذبيح الله مجاهد إن حكومته ما زالت تأمل في حل النزاع عبر الحوار، مؤكداً أن "الحلّ يجب أن يكون سلمياً".
ورغم محاولات التهدئة، سُجّل قصف مكثف في مناطق قريبة من معبر تورخم الحدودي، أسفر عن إصابات بين المدنيين، بينما أُجبرت بعض العائلات على الفرار من مخيمات النازحين.
وعاد الهدوء إلى شوارع كابول في الصباح، ولم يلحظ انتشارا معززا لقوات الأمن في المدينة ولا عند نقاط المراقبة.
وردا على القصف الليلي، أعلنت سلطات طالبان الجمعة عن ضربات جديدة "على نطاق واسع ضد مواقع للجنود الباكستانيين".
وذكرت بعثة الأمم المتحدة في أفغانستان أن القصف في نهاية الأسبوع الماضي أوقع ما لا يقل عن 13 قتيلا وكان الأعنف منذ تشرين الأول/أكتوبر، فيما أكدت حكومة طالبان مقتل 18 شخصا على الأقل.
وكتب مايكل كوغلمان خبير جنوب آسيا عبر إكس أنه مع هذه الضربات الليلية "يبدو أن باكستان وسعت ضرباتها التي لم تعد تقتصر على حركة طالبان الباكستانية فحسب، بل باتت تستهدف أيضا نظام طالبان"، مشيرا إلى "تصعيد كبير وخطير".
وعلى خلفية هذه التطورات، عرضت كل من إيران والصين القيام بوساطة بين البلدين، فيما أجرت السعودية والدوحة اتصالات رفيعة المستوى مع الجانبين لتهدئة الوضع، بعد فشل الهدنة القطرية والتركية التي تم التوصل إليها في أكتوبر/تشرين الأول واستمرت تسعة أيام فقط.
المصدر:
يورو نيوز