في ظل تراجع عائدات الإعلانات وتزايد المنافسة على انتباه الجمهور، تعود صحافة الجريمة الحقيقية لتطرح نفسها خيارا إستراتيجيا للناشرين الباحثين عن نموذج اشتراك مستدام.
هذا ما كشفته الكاتبة لوسيندا جوردان -في تقرير نُشر عبر منصة الرابطة العالمية للصحف وناشري الأخبار "وان إيفرا" (WAN-IFRA)- حيث عرضت تجربة أوروبية تسعى إلى تحويل الاهتمام الشعبي بقصص الجريمة إلى منتج رقمي مدفوع.
جوردان قالت إن مؤسسة ميدياهاوس -وهي مؤسسة إعلامية بلجيكية هولندية مقرها في دبلن بأيرلندا- أعادت في ديسمبر/كانون الأول الماضي تسمية منتجها الأسبوعي "صنداي ورلد" ليصبح "كرايم ورلد"، وهو موقع وتطبيق قائم على الاشتراك يقدم محتوى حصريا في صحافة الجريمة مقابل 11.99 يورو شهريا.
وبينت أن الخطوة لا تمثل مجرد تغيير اسم، بل تطورا مهما في طريقة تغطية المؤسسة لملفات الجريمة والمحاكم والعالم الإجرامي، ضمن إستراتيجية تحول رقمي أوسع.
وأضافت أن هذا التحول يستند إلى مفهوم "الصحافة المميزة" (Signature Journalism)، أي التركيز على المجال الذي تمتلك فيه المؤسسة خبرة تحريرية خاصة وهوية واضحة تميزها عن المنافسين.
وأوضحت أن مراسلة الجريمة نيكولا تالنت شكلت حجر الأساس في هذا التوجه، بعدما حقق البودكاست الذي تقدمه بعنوان "كرايم ورلد" أكثر من مليون مستمع شهريا، في حين تجاوز عدد مرات الاستماع خلال عام 2025 وحده 36 مليون مرة.
جوردان كشفت أن النجاح في مجال الصوتيات الرقمية عزز قناعة الإدارة بوجود طلب حقيقي على صحافة جريمة متعمقة بصيغة رقمية مدفوعة.
وأشارت إلى أن سلسلة حصرية عن كريستي كيناهان، الزعيم المزعوم لكارتل كيناهان، وهو من عصابات الجريمة المنظمة وتجارة المخدرات، كانت أكبر محفز للاشتراكات المباشرة منذ إطلاق المنصة، مما وفر مؤشرا عمليا على استعداد الجمهور للدفع مقابل محتوى حصري عالي الجودة.
وأضافت أن إطلاق "كرايم ورلد" جاء ضمن سياسة توسع في العلامات الرقمية، إذ أطلقت المؤسسة أيضا برامج بودكاست جديدة في مجالات أخرى، في إطار توجه نحو التخصص الدقيق بدلا من الاعتماد على نموذج الأخبار العامة المدعومة بالإعلانات.
وفي سياق أوسع، كشفت جوردان عن أن التوجه نحو صحافة الجريمة الحقيقية ليس حالة منفردة. فقد أطلقت "يو إس إيه توداي" (USA TODAY) منصة رقمية قائمة على الاشتراك باسم "ويتنس" (WITNESS) مخصصة لقصص الجريمة الاستقصائية والتحقيقات المتعمقة.
كما دشنت "ديلي ميل" منصة "كرايم ديسك" لتكون بودكاست حصريا للأعضاء، وذلك قبل أن تتحول إلى مركز متعدد المنصات يضم برامج بودكاست وأفلاما وثائقية وتحقيقات مدفوعة.
كذلك أشارت الكاتبة إلى أن المؤسسة الإعلامية البريطانية "هيرست نتوركس" أطلقت خدمة بث مباشر للمستهلكين تحت اسم "كرايم + إنفستيغيشن بلاي" بـ3 باقات اشتراك، في مؤشر على انتقال عدد من الناشرين من الأخبار العامة إلى بناء مجتمعات رقمية مهتمة بموضوع محدد ومستعدة لدفع مقابل الوصول الحصري.
ورغم الشعبية الواسعة لصحافة الجريمة الحقيقية، حذرت جوردان من الخلط بين حجم الجمهور وربحية النموذج. فحسب ما أوردته، تحتل الجريمة الحقيقية مرتبة متقدمة في استهلاك البودكاست، غير أن الإنفاق الإعلاني عالميا لا يعكس عائدات متناسبة مع حجم هذا الاهتمام. وأوضحت أن البودكاست ساهم في صعود هذا النوع، لكنه لا يضمن وحده استدامة مالية.
ونقلت عن ناشر بريطاني -فضل عدم ذكر اسمه- أن إنتاج صوتيات وفيديو بجودة عالية يتطلب تمويلا وموارد حقيقية، ولا يمكن اعتباره إضافة جانبية لغرفة الأخبار. وأكد أن إنتاج الفيديو -تحديدا- عملية كثيفة الموارد من الإعداد إلى التصوير والمونتاج، مما يفرض موازنة دقيقة بين الاستثمار والعائد.
مع ذلك، بينت جوردان أن هناك مكاسب طويلة الأمد من وضع المحتوى المتخصص خلف جدار الدفع. فقد أشار المصدر ذاته إلى أن معدلات التحويل عند الإطلاق كانت مرتفعة، وأن المحتوى المدفوع تحول إلى محتوى دائم يستمر في جذب اشتراكات جديدة حتى بعد سنوات من نشره.
وفي خلاصة تقريرها، قالت جوردان إن صحافة الجريمة الحقيقية تمتلك جمهورا واضحا، لكن التحدي يكمن في تحويل هذا الشغف إلى إيرادات مستقرة ومستدامة. وأضافت أن الناشرين الكبار الذين يملكون القدرة على الاستثمار في جودة التحرير والإنتاج هم الأقدر على الاستفادة من هذا الاتجاه، بينما تبقى المعادلة أكثر تعقيدا لغرف الأخبار الصغيرة والمستقلة بسبب كلفة الإنتاج وضعف العائد الإعلاني.
وخلصت إلى أن أنجح التجارب هي تلك التي تعاملت مع صحافة الجريمة لا كتجربة عابرة، بل كأساس لإستراتيجية رقمية طويلة المدى، تنطلق مما تتقنه المؤسسة وتبني عليه تدريجيا. وأشارت إلى أن تطور الذكاء الاصطناعي التوليدي قد يسهم في خفض بعض التكاليف.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة