رام الله- بعد نحو سبعة أشهر من تشكيل لجنة صياغته، قرر الرئيس الفلسطيني محمود عباس نشر مسودة "الدستور المؤقت لدولة فلسطين" للجمهور والمؤسسات للاطلاع وإبداء الملاحظات خلال 60 يوما.
ورغم مضي أيام قليلة، غير كافية للإلمام بكل ما ورد في المسودة، تحاول الجزيرة نت مع اثنين من الخبراء تحليل أبرز ما جاء فيها، وتحديدا نقاط القصور، لكن قبل ذلك نقدم سردا مختصرا لمحطات وظروف ولادة المسودة.
الجواب: لا. فهناك مسودة سابقة خضعت للتنقيح ثلاث مرات وصولا لمسودة واحدة تتضمن جميع التعديلات حتى تاريخ 4 مايو/أيار 2003.
في عام 1999 بدأت لجنة كلّفها المجلس الوطني الفلسطيني بإعداد "دستور دولة فلسطين" فأعدت المسودة الأولى أواخر ديسمبر/كانون الأول 2000 ونشرت في شهر فبراير/شباط 2001، وخضعت للتنقيح وصولا للمسودة الثالثة المنقحة وذلك بمشاركة خبراء وساسة محليين ودوليين.
وبتاريخ 9 مارس/آذار 2003، قدمت اللجنة -التي ترأسها نبيل شعث- النسخة للمجلس المركزي الفلسطيني.
وجاء في المادة الأولى أن "فلسطين دولة مستقلة ذات سيادة، نظامها جمهوري، وإقليمها وحدة لا تتجزأ بحدودها عشية الرابع من حزيران/يونيو 1967 دون إخلال بالحقوق التي أكدتها القرارات الدولية الخاصة بفلسطين، ويخضع جميع المقيمين على هذا الإقليم للقانون الفلسطيني وحده دون سواه ".
18 أغسطس/آب 2025: وكالة الأنباء الرسمية الفلسطينية تعلن أن الرئيس الفلسطيني أصدر مرسوما بتشكيل "لجنة صياغة الدستور المؤقت" للانتقال من السلطة إلى الدولة "بما ينسجم مع وثيقة إعلان الاستقلال ومبادئ القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان والاتفاقيات الدولية ذات الصلة".
وتمت تسمية رئيسها وأعضائها من شخصيات "وطنية وسياسية ومجتمعية وكفاءات قانونية ودستورية" وهم: د. محمد الحاج قاسم رئيسا، وعضوية كل من: زياد أبو عمرو، أحمد مجدلاني، بسام الصالحي، محمد اشتية، محمود الهباش، وائل لافي، فريد الجلاد، محمد الشلالدة، موسى حديد، إيمان ناصر الدين، فادي عباس، متري الراهب، عمار دويك، عاصم خليل، سناء السرغلي، لبنى كاتبة، منير سلامة سكرتيرا للجنة.
19 أغسطس/آب 2025: صرح رئيس اللجنة بأن الخطوة "تشكل مهمة قومية عليا تهدف إلى صياغة مشروع دستور لدولة فلسطين المستقلة".
5 فبراير/شباط 2026: الرئيس الفلسطيني يتسلم من اللجنة مسودة الدستور، بعد ورشة عمل استغرقت حوالي 7 أشهر متواصلة، تخللها 70 اجتماعا، وفق تصريح لرئيسها الذي قال إن "مسودة الدستور حافظت على التعددية السياسية والفصل بين السلطات، إضافة إلى تمكين البرلمان من ممارسة صلاحياته الرقابية والتشريعية".
9 فبراير/شباط 2026: أصدر عباس قرارا بنشر المسودة الأولى لمشروع الدستور وإتاحتها للاطلاع العام، بهدف "توسيع نطاق المشاركة المجتمعية في صياغة الوثيقة الدستورية" وفق وكالة الأنباء الرسمية الفلسطينية.
10 فبراير/شباط 2026: أعلنت لجنة صياغة الدستور، إطلاق المنصة الإلكترونية للدستور الفلسطيني المؤقت.
في أكثر من مناسبة، أعلن الرئيس الفلسطيني التزامه بإجراء انتخابات عامة رئاسية وبرلمانية خلال عام واحد من تاريخ انتهاء الحرب على غزة، ولتحقيق هذا الهدف، كلف الجهات المختصة بإنجاز الدستور المؤقت ليشكل "قاعدة للانتقال من السلطة إلى الدولة".
وفي خطابه بالأمم المتحدة في 25 سبتمبر/أيلول 2025 أشار عباس إلى أن تكليف لجنة صياغة الدستور المؤقت يأتي "كجزء من جهود الإصلاح".
وفي 3 أكتوبر/تشرين الأول 2025، أكد بيان للرئاسة أنه سيتم تعديل قانون الانتخابات والقوانين ذات الصلة استنادًا إلى أحكام الدستور المؤقت "بحيث يُحظر على أي حزب أو قوة سياسية أو فرد الترشح ما لم يلتزم بالبرنامج السياسي والالتزامات الدولية والقانونية لمنظمة التحرير الفلسطينية".
تتكون مسودة الدستور المؤقت من ديباجة، و13 بابا و162 مادة.
أكدت الديباجة أن الدستور يستند إلى "فلسفة وروح وثيقة إعلان الاستقلال التي أقرتها منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني في الدورة 19 (للمجلس الوطني) في نوفمبر/تشرين الثاني من عام 1988، ويحترم قرارات الأمم المتحدة والشرعية الدولية ومبادئ القانون الدولي، ومبادئ حقوق الإنسان".
وجاء في الباب الأول "الأحكام العامة" أهمَّ المبادئ الأساسية التي تقوم عليها الدولة ولا يجب المساس بها ومنها:
لم تتطرق المسودة إلى حدود الدولة الفلسطينية، والتي شكّلت المادة الأولى من مسودة 2003.
من المواد المستحدثة (79) أن لرئيس الدولة أن يعين نائبا له، وأن يكلفه بما يراه مناسبًا من مهام، وأن يعفيه من منصبه، وأن يقبل استقالته.
أما المادة الأخيرة (162) فجاء فيها أن "هذه الوثيقة الدستورية على استفتاء شعبي عام بقرار يصدر عن رئيس الدولة، ويُعتمد بنتيجة أكثرية الأصوات الصحيحة، ويسري من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية".
في إجابته عن السؤال يتحدث مدير المركز الفلسطيني لاستقلال المحاماة والقضاء "مساواة" إبراهيم البرغوثي عن "جدل وتساؤلات حول توقيت إصدار مسودة الدستور الآن، وقبل القيام الواقعي والمادي للدولة، وفيما إذا كان الفلسطينيون في مرحلة لم يعد القانون الأساسي قادرا على الاستجابة لمتطلباتها".
ويقول إنه مع الاتجاه الذي يرى بقاء القانون الأساسي والذي يرى أنه -رغم ما فيه من نواقص- صالح للاستمرار إلى حين قيام الدولة على وجه يقيني ومادي.
ولا يرى الخبير القانوني أن الوقت مناسب في هذه المرحلة لإعداد دستور مؤقت، خاصة في ظل تهديدات وجودية ولحظية تتربص بحق تقرير المصير.
وأضاف "المقترح تضمن العديد من المسائل موضع النقاش خاصة فيما يتعلق بالنظام السياسي وتركيبته وعلاقة السلطات فيما بينها وصلاحيات الرئيس التي أخذت حيزا أكبر بكثير مما كان يتمتع به من صلاحيات".
ثم تساءل: هل هذا الدستور المقترح سيعرض على استفتاء شعبي وفق المعايير الدولية التي تتناول في مثل هذه الاستفتاءات؟
يأخذ البرغوثي على المسودة استخدام مصطلح "الوظيفة القضائية" بدل "مهنة القضاء"، وخلو باب السلطة القضائية من الإشارة إلى اختصاص المحاكم النظامية (القضاء المدني) في النظر والفصل في قضايا التعذيب، لا سيما وأن هذه القضايا تنظر حاليا من قبل القضاء العسكري ما يؤثر سلبا على مبدأ حياد القضاء وخاصة أن غالبية هذه الجرائم يتهم بارتكابها أعضاء في قوى الأمن.
وأضاف أنه بعد مراجعة أولية لأحكام ونصوص الباب السادس من مسودة الدستور المؤقت (120 – 139) الناظم للسلطة القضائية، أرسل مركزه نقيب المحامين فادي عباس باعتباره أحد أعضاء لجنة صياغة الدستور، ورقة بأهم الملاحظات على المسودة.
من جهته، يذكر نائب رئيس المجلس التشريعي سابقا حسن خريشة من مآخذه على المسودة أنها:
وأشار خريشة إلى وجود لجنة دستور منذ 1999، وأنها أنجزت كثيرا من مهامها، متسائلا: لماذا اليوم وبعد حرب الإبادة وخطة ترمب يتم الحديث عن الدستور المؤقت وقضية إصلاحات للسلطة؟
لكن التخوف الأكبر الذي يبديه خريشة أن يؤدي إقرار الدستور المؤقت، في ظل الضغوطات الخارجية إلى إلغاء منظمة التحرير "وهي الإطار الذي وقّع الاتفاقيات مع إسرائيل، وهذا يعني احتمال التفريط بقضايا أساسية لشعب فلسطين".
ينتقد خريشة تشكيلة اللجنة واصفا إياها بأنها "غير مهنية، لأن الأصل أن يكون هناك جسم برلماني هو من يصيغ الدستور أو على الأقل يكون هناك خبراء قانونيون وقضاة محترمون، وليس شخصيات سياسية أو فصائلية أو مجتمعية تبحث عن مصالحها".
برأيه فإنه من السابق لأوانه الحديث عن دستور خاصة مع وجود قانون أساسي يتم الاحتكام إليه، مضيفا أنه في ظل الإبادة "لا ينبغي إشغال الناس في قضايا ثانوية خاصة مع القناعة الأكيدة بعدم إمكانية قيام الدولة الفلسطينية خاصة بعد قرارات إسرائيل بتعزيز قبضتها على الضفة".
في الخلاصة يقول إن "الهدف النهائي هو الرضوخ للإملاءات الإسرائيلية، حيث تحارب قيادة السلطة بشكل كبير كي يكون لها دور في المستقبل السياسي للمنطقة".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة