في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
موسكو- تواصل أرمينيا نهج التحوُّلات الجذرية في سياستها الخارجية وانتقالها من التحالف الإستراتيجي مع روسيا إلى تعميق الشراكة مع الولايات المتحدة والغرب، في مسار من شأنه أن يدخل العلاقات بين يريفان و موسكو في منعطف سلبي حاد وبالغ الخطورة.
وشهدت الزيارة الأخيرة ل جيه دي فانس نائب الرئيس الأمريكي إلى أرمينيا وتوقيعه عدة اتفاقيات، خطوة في هذا الاتجاه.
ورأى مراقبون روس أنها مؤشر على تنامي النفوذ الأمريكي في المنطقة ورغبة أرمينيا في تنويع سياستها الخارجية بعيدا عن اعتمادها الحصري على روسيا.
وخلال زيارة فانس، تم توقيع اتفاقية تعاون بشأن الاستخدام السلمي ل لطاقة النووية، إضافة لإعلان واشنطن عزمها استثمار ما يصل إلى 9 مليارات دولار بقطاع الطاقة الأرميني، بما في ذلك توريد مفاعلات نووية صغيرة معيارية لاستبدال محطة ميتسامور للطاقة النووية.
كما شملت الزيارة شراء أرمينيا لأول مرة أنظمة دفاعية أمريكية بقيمة 11 مليون دولار، تشمل طائرات بدون طيار، وإعلان إطلاق المرحلة الثانية من مشروع إنشاء حاسوب فائق يعمل ب الذكاء الاصطناعي. واستغل فانس زيارته للترويج لمشروع "السلام والازدهار الدوليين"، وهو ممر نقل يربط أذربيجان بجيبها ناخيتشيفان عبر أرمينيا، متجاوزا روسيا و إيران.
ومنذ 2024، بدأت أرمينيا تتخذ سياسة جديدة تجاه روسيا، تنطلق من "التنويع الإستراتيجي" مع انتقال تدريجي من نموذج "الحليف المضمون" إلى صيغة "التباعد البراغماتي".
وتَعزّز هذا التوجه بعد خسارة يريفان لإقليم ناغورني قره باغ بعد عملية عسكرية أذربيجانية خاطفة في سبتمبر/أيلول 2023، بدأت أرمينيا على إثرها توسيع التعاون العسكري مع شركاء جدد، كالهند وفرنسا، وأجرت مناورات مشتركة مع أمريكا. كما علّقت يريفان رسميا مشاركتها في منظمة معاهدة الأمن الجماعي، واتهمتها بعدم الوفاء بالتزاماتها، وتدرس الانسحاب الكامل منها.
وينظر المسؤولون والخبراء الروس للتقارب بين أرمينيا وأمريكا على أنه "هجوم ممنهج" على المصالح الروسية في جنوب القوقاز، بهدف إقصاء موسكو من المنطقة وتقويض الهياكل الأمنية القائمة.
ورأى الخبير في الشؤون الأرمينية أوغانيس ستيبانيان، بأن اتفاقيات الطاقة، بما فيها النووية، والترويج لممرات نقل جديدة برعاية أمريكية هي أدوات رئيسية لهذه العملية.
وأضاف للجزيرة نت أن تحرُّكات واشنطن في أرمينيا ليست لمساعدتها أمنيا، بل لتنفيذ أهداف جيوسياسية، كحرمان روسيا من نفوذها في قطاع الطاقة بأرمينيا، واصفا ذلك بالهجوم المباشر على المصالح الروسية.
كما أن الترويج لمشروع ممر النقل العابر لأوروبا (الذي يحمل اسم الرئيس الأمريكي دونالد ترمب) هو محاولة واضحة لحرمان روسيا من دورها كوسيط جغرافي بين آسيا الوسطى وأوروبا، حسب تعبيره.
ونتيجة لذلك، يعترف ستيبانيان بوجود تداعيات خطِرة على الوجود الروسي في المنطقة، من غير المستبعد أن تُحوّل أرمينيا إلى ساحة معركة لمواجهة هجينة بين روسيا والغرب، لا سيما في حال واصلت يريفان سياسة استبدال الضمانات الأمنية الروسية بأدوات غربية ومظلة إستراتيجية أمريكية.
من جانبه، رأى المحلل السياسي المختص في شؤون جنوب القوقاز، ألكسي نوموف، أنه ورغم التوتر الدبلوماسي، لا تزال روسيا تتمتع بنفوذ كبير على أرمينيا، يشمل قطاعات حيوية في البلاد، كالاعتماد شبه الكامل على الغاز الروسي، وأن موسكو لا تزال الموُرِّد الرئيسي للبنزين والديزل إلى أرمينيا.
كما أن روسيا -حسب نوموف- تُعد أكبر شريك تجاري لأرمينيا، حيث بلغ حجم التبادل التجاري بينهما العام الماضي رقما قياسيا، وصل إلى 14 مليار دولار، إلى جانب أن جزءا كبيرا من دخل السكان يأتي من تحويلات العمال المهاجرين في روسيا.
وإضافة إلى ذلك، يقول نوموف، إن عضوية أرمينيا في الاتحاد الاقتصادي الأوراسي تمنحها إمكانية الوصول إلى سوق معفاة من الرسوم الجمركية وأسعار طاقة تفضيلية، كما تسيطر الشركات الروسية على أصول إستراتيجية، بما فيها خط سكة حديد جنوب القوقاز.
ورأى المحلل نوموف أن التوجهات السياسية للحكومة الحالية في يريفان تتجاهل هذه المعطيات، ولم تستفد من تجربة بلدان أخرى مع أمريكا والوعود الغربية عموما، ما قد يضع هذه الحكومة في مواجهة مباشرة مع الشارع الأرميني الذي ستتضرر مصالحه نتيجة الرهان على التوجه نحو الغرب.
وأوضح أن السلطات الحالية في يريفان تدرك أن ترمب يمارس سياسة تضييق الخناق على روسيا و الصين، ولا يحتاج إلى قوات حلف شمال الأطلسي ( ناتو) لتحقيق ذلك، في حين تُسخّر أرمينيا نفسها لتكون جزءا من هذا الدور.
وأشار إلى أن روسيا لا تزال تمتلك أدوات القوة الناعمة وموارد إعلامية للتأثير على الرأي العام والعمليات الانتخابية في أرمينيا، ما قد يقلب المعادلة ويؤدي لعودة القوى "المتزنة" في البلاد للسلطة، كما حصل في التجربة الجورجية.
ووفقا له، فإنه لكبح جماح انجراف يريفان نحو الغرب، يتعين على موسكو استخدام نفوذها السياسي للتأثير على الأجندة الداخلية لأرمينيا، لا سيما قبيل الانتخابات، ومعالجة التبدُّل في الرأي العام داخل أرمينيا، والذي تحوَّل بشكل سلبي ضد روسيا بسبب الترويج بأنها تتحمل المسؤولية عن خسارة أرمينيا لإقليم ناغورني قره باغ في الصراع مع أذربيجان.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة