آخر الأخبار

المغرب: فيضانات تاريخية تهدد بغمر مدينة القصر الكبير بالكامل

شارك
القصر الكبير تحولت إلى مدينة أشباح.صورة من: Abu adem Muhammed/Anadolu Agency/picture alliance

"لوكوس با زين الدهوس" (الدهوس تعني ضفاف النهر الخصبة)، بمثل هذا الأشعار كانت تتغنى النساء في منطقة وادي لوكوس احتفاء بخصوبة وخيرات مياه النهر التي فاضت بقوة هذه السنة نتيجة الأمطار الاستثنائية ، وأصبحت تهدد مدينة القصر الكبير المجاورة مجبرة السكان على الرحيل.

أحد سكان المدينة الذي اضطر إلى الرحيل مؤخرا إلى العرائش ليعيش مع ابنته، يحكي لـ DW عربية قائلا: "غادرت أجسادنا المدينة، لكنّ أرواحنا لا تزال هناك، استجابة لتعليمات المسؤولين، حيث ظهرت مؤشرات تنذر بإمكانية حدوث فيضانات كاسحة، وما لا يحمد عقباه. أغلبية الناس الذين أخلوا ديارهم توجهوا إلى المدن القريبة العرائش، طنجة، أصيلة وتطوان وغيرها. وأنوه بالتضامن المطلق للمدن المذكورة مع ساكنة المدينة. ولحد صباح الأربعاء (الرابع من فبراير/ شباط 2026) لا خسائر بشرية جراء هذه الفيضانات".

فيضانات قوية بشمال المغرب ومدينة القصر الكبير في خطر.صورة من: Abu adem Muhammed/Anadolu Agency/picture alliance

ترقب في منطقة القصر الكبير

"نعيش في حالة ترقب" يحكي عمدة المدينة محمد السيمو في تصريح لـDW عربية، ويضيف: "خلال ليلة الأربعاء تم بنجاح إخلاء 5 أحياء جديدة بالمدينة في ظل تجاوب من الساكنة، ومجهودات مشكورة للسلطات ورجال الأمن والجيش بشكل منظم ومركز تنفيذا للتعليمات الملكية. ولم يبق في المدينة الآن سوى نحو ربع السكان من أصل 130 ألف نسمة".

وتتوقع بلاغات إنذارية حمراء وصول تساقطات هامة خلال الأسبوع الجاري قد تصل إلى 150 ملمترا، وهو ما قد يزيد من تفاقم الفيضانات وارتفاع حمولة سد وادي المخازن المجاور للقصر الكبير الذي بدأت عملية تفريغه بعد بلوغه درجة الملء القصوى. كما يجري تفريغ سدود أخرى في المنطقة مثل سد الوحدة، أكبر سد في المغرب، بدون انعكاسات كبيرة حتى الآن.

أجلت السلطات سكان مدينة القصر الكبير تحسبا للأسوأ.صورة من: Moroccan authorities/REUTERS

في العرائش، المدينة المجاورة للقصر الكبير يقول أحد السكان، وهو من أطر التعليم، في تصريح لـDW عربية إنه: "تم إخبار سكان عدة أحياء قرب ميناء المدينة بضرورة الاستعداد لحالة الطوارئ ولإمكانية الترحيل، مثل سكان أحياء "باب البحر" و"دار الحواتة" المجاورة لمصب نهر لوكوس في المحيط الأطلسي.

كما تم إعلاق المصانع الموجودة في المنطقة الصناعية بالمدينة، وهي متخصصة في إعداد السمك وتعليبه. وتشهد العرائش قدوم العديد من سكان القصر الكبير الذين يتم إسكانهم في قاعات الحفلات والمدارس التي تقرر إغلاقها واعتماد نمط التعليم عن بعد. وفي ضاحية العرائش، قامت السلطات ببناء معسكر كبير لإيواء 1000 شخص من سكان القصر الكبير في حال ترحيلهم.

أمطار استثنائية هي الأشد منذ عام 1963

إلى جانب لوكوس تضررت عدة مناطق في الشمال مثل طنجة وتطوان حيث تم اغلاق المطار، وفي وزان التي توقف فيها تزويد المدينة بمياه الشرب لعدة أيام، لكن الوضع يبقى تحت السيطرة بشكل عام. منطقة الغرب، حيث يجري وادي سبو أحد أهم الأنهار بالمغرب، تعيش أيضا حالة استنفار. وقد علقت إحدى الجرائد اليومية قائلة: "منطقة الغرب على حافة النكبة". وأدى ارتفاع منسوب مياه الوادي إلى فيضانات وترحيل حوالي 20 الف من سكان مدينة سيدي قاسم وعدد من المدن الصغيرة والقرى.

يقول عبد الرحيم لقصيري رئيس جمعية مدرسي علوم الحياة والأرض SVT، النشيطة عبر المغرب، في تصريح "لدوتشيه فيليه عربية DW" إن " الأمطار تساقطت لحسن الحظ بشكل تدريجي. وهو ما وفر الوقت للسلطات والفاعلين للتدخل بشكل إيجابي ولم تفقد الأرواح. ولكن يمكن تطوير التدخل إذا ما استوعبنا أن هناك تغيرات مناخية وطنية ودولية لتفادي المفاجئات كما حصل في مدينة آسفي مؤخرا. لأن القصر الكبير يقع في منطقة منخفضة، وبالتالي فإن المياه عندها ذاكرة وستعود إلى مسارها مهما طال الزمن".

وتؤكد الجمعية على دورها الدستوري في متابعة وتقييم السياسات العمومية وعلى أهمية التنسيق بين الجمعيات حتى لا يكون هناك هدر للجهود كما حصل خلال زلزال مراكش في 2023. وقد قامت الجمعية بمبادرات ميدانية لفرعها في الشمال عبر نشر بلاغات إنذارية ورسائل توجيه للمواطن للتحسيس بمخاطر الفيضانات وسبل الوقاية منها. كما تنسق مع جمعيات أخرى مثل جمعية "يالاه نتعاونو"، التي جاءت من طنجة لتقديم مساعدات كبيرة تشمل حافلات للنقل لترحيل سكان القصر الكبير إلى مدن أخرى مجاورة. ومساعدة السلطات في الميدان على إقناع سكان المدينة بالرحيل إلى جانب توفير أغطية وأغذية.

ويوضح محمد السيمو عمدة المدينة أن "السلطات وفرت جميع الحاجيات حتى الآن. لكن ينبغي ان أشكر عدة جمعيات مثل جمعية للأطباء قررت أن توفد 7 أطباء اليوم من مدينة الرباط للمساعدة. كما أشكر سكان جميع المدن والقرى المجاورة في العرائش وتطوان وطنجة التي فتحت بيوتها، وأبانت عن قيم التعاون والتآزر الذي تربينا عليه جميعا في المملكة الشريفة".

آفاق معالجة الوضع

يرى أمين هوريري، الخبير في السياسات العمومية لمواجهة التغيرات المناخية في تصريح ل "دوتشيه فيليه عربية DW": " إن دور المجتمع المدني في هذه اللحظات العصيبة يتوزع بين جمعيات علمية تشتغل في مجال التربية والتحسيس تقوم بحملات واسعة عبر وسائل الاعلام للتحسيس بضرورة التقيد بشروط السلامة والتوجيهات، و النوع الثاني من الجمعيات تشتغل في مجال الإغاثة و التطوع والتدخل السريع تقوم بمساعدة السلطات المحلية في عملية إخلاء المناطق المنكوبة و تدعيم البنيات التحتية، و النوع الثالث هي جمعيات المساعدات الاجتماعية من قبيل المواد الغذائية و الأغطية و الأدوية و نقل الساكنة إلى مدن أخرى".

جهودات كبيرة تقوم بها عدة أطراف للتعامل مع أزمة الفيضانات.صورة من: L’Association des enseignants des sciences de la vie et de la terre au Maroc (AESVT)

من جهته، يؤكد لقصيري أن "من المهم وضع خرائط للمخاطر وتدقيقها إلى جانب مخططات للتهيئة في جميع المناطق حتى يتم إدماج المقاربة العلمية ضمن الهيكلة والأمنية وفق ما تؤكد عليه توصيات الأمم المتحدة، مع ضرورة قيام الجماعات الترابية المنتخبة بدورها في هذا المجال ".

كما يدعو في هذا الإطار إلى استلهام "التجربة الجيدة لمراكز الوقاية من الحرائق في المغرب التي تتوفر على صلاحيات واسعة وهو ما ينبغي تعميمه على مجال الفيضانات. لأن السياسات الاستباقية مهمة، وهي أرخص من السياسات العلاجية".

مساء يوم الأربعاء، قررت السلطات المحلية في القصر الكبير إخلاء جميع مراكز الإيواء التي كان يقيم بها سكان المدينة وهو ما يعني احتمال إخلاء المدينة بشكل تام. وأوضح السلطات في بلاغ رسمي أن "إفراغ مراكز الإيواء يندرج في إطار إجراءات تنظيمية احترازية، حيث يتم الإخلاء بشكل تدريجي ومضبوط، ووفق مقاربة وقائية قائمة على التقييم المستمر لتطورات الوضع الهيدرولوجي واستشراف المخاطر المحتملة بهدف ضمان سلامة المواطنين واتخاذ التدابير الاستباقية اللازمة".

تحرير: عادل الشروعات

DW المصدر: DW
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا