عندما أعلن توقفه عن تدريس مقررات القانون الدولي لكونها لم تعد مهمة، كان الأكاديمي اللبناني كمال حبيب يرى أن نعي النظام العالمي هو الرد المناسب إزاء تفرّج الحكومات على إسرائيل تعيث فسادا وتُهلك الحرث والنسل في غزة وفي كل أرجاء منطقة الشرق الأوسط.
حصل ذلك في 2023، عندما كانت الولايات المتحدة تحت قيادة الديمقراطي جو بايدن، وهو سياسي مخضرم يفضل مبدئيا أدوات القوة الناعمة وما يفتأ يؤكد إيمانه بالنظام العالمي والمؤسسات الدولية التي احتكمت إليها البشرية بعد أن تفانت في حربين كونيتين: 1914- 1918 و1939- 1945.
لكن نعي النظام العالمي بات أكثر وجاهة بعد أن عاد دونالد ترمب إلى البيت الأبيض حيث منح البنتاغون اسم "وزارة الحرب" بدل "الدفاع"، ثم أعلن من دون حرج رغبته في تغيير أنظمة دول معينة والاستيلاء على أخرى.
وقد كان، ففي 22 يونيو/حزيران الماضي، أوفد الرئيس الأميركي قاذفات بي 2 إلى سماء إيران فأمطرتها بقنابل لم تستخدم في العقود الأخيرة، وأكد أنه أعاد برنامجها النووي إلى الوراء لأكثر من 70 عاما.
ثم قال ترمب للعالم إن القوة لم تعد تأبه بالأعراف والأخلاقيات المستقرة منذ أمد بعيد، فأرسل جنودا إلى رئيس دولة مستقلة واقتادوه ليلا من قصره إلى سفينة في عرض البحر ثم إلى طائرة أقلته لنيويورك، وتم عرضه أمام الكاميرات، مثل مجرم صغير قبضت عليه الشرطة أثناء سرقة أسطوانة غاز من منزل في حي فقير.
عمليا، سقطت اتفاقية فيينا 1969، وتم تمزيق الاتفاقية الدولية الموقعة 1973 لمنع ومعاقبة الأشخاص المحميين دوليا.
وقبل أن يفيق العالم من صدمة مشاهدة رئيس فنزويلا مكبلا بالأغلال في نيويورك، عاد ترمب ليؤكد أنه لن يتراجع عن عزمه السيطرة على جزيرة غرينلاند، ثم اعتلى منبر دافوس وأوسع أوروبا منّا وأذى وتهكما وتهديدا.
وعند هذا الحد، لم تعد مخاوف انهيار النظام العالمي ترفا أكاديميا، بل انخرط قادة دول مهمة في رثاء المنظومة الدولية وأعلنوا أنه لا مناص من مواجهة الغطرسة للدخول في عصر تمتلك فيه القوة كلمة الفصل في الاستيلاء على الثروة وتغيير الحدود.
فيما يلي عرض لتصريحات قادة بارزين حول انهيار النظام العالمي:
كندا واحدة ومن الاقتصادات الـ7 الأقوى على مستوى العالم، وهي دولة عضو في حلف شمال الأطلسي (ناتو)، وتعتبر في طليعة ركب الحضارة الغربية منذ عقود.
لكنها أصبحت منذ فترة محطة أطماع ترمب ولا يخجل من التلويح بضمها لأمريكا، وتتعرض "لابتزازه" من حين لآخر في ملفات النفط التجارة والحدود، ما جعل رئيس حكومتها مارك كارني يقول، أول أمس الثلاثاء، إنّ العالم "دخل عصرا جديدا محفوفا بالمخاطر تتنافس فيه القوى العظمى وتحتاج فيه الدول المتوسطة إلى توحيد قواها من أجل البقاء".
وبحسرة لا يمكن إخفاؤها، قال الرجل الليبرالي إن "على الدول المتوسطة أن تتحرك معا، لأنها إذا لم تكن جالسةً إلى الطاولة، فستكون على قائمة الطعام".
ومن دافوس، جزم كارني بأن "العام الماضي أظهر أن العالم يتجه نحو نظام يقوم على الإكراه الاقتصادي، حيث تسعى القوى العظمى إلى تحقيق مصالحها الخاصة فوق كل اعتبار".
ولم يكن كارني استثناء، فقد تحول منتدى دافوس في سويسرا إلى مناسبة لتشييع جنازة النظام الدولي وبكاء العصر الذي كان الناس فيه يحتكمون ولو بنسبة محدودة إلى مواثيق الأمم المتحدة.
وعلى هذا النحو، حذّر رئيس الوزراء البلجيكي بارت دي ويفر من أن الولايات المتحدة لم تتعد تتصرف كحليف.
وقد استغلت قيادات وشخصيات وازنة منتدى دافوس لرفع صوتها ضد الهيمنة الأمريكية والدعوة لتصفح معجم سياسي جديد مفرداته: الإخضاع والإكراه والاستيلاء.
هذه التحولات من الطبيعي أن يتردد صداها في ألمانيا، التي كانت مركز الغطرسة العسكرية في حقبتين: القيصرية في الحرب العالمية الأولى، والهتلرية في الحرب العالمية الثانية.
واليوم الخميس، حذّر المستشار الألماني فريدريش ميرتس من تأثير التحولات الكبيرة في السياسات الأمريكية على النظام العالمي الذي ساد طوال العقود الماضية.
وأمام منتدى دافوس ضاق القاضي السبعيني ذرعا بازدراء واشنطن للقوانين الدولية، وقال إن "النظام العالمي، الذي ربما لم يكن مثاليا، يتزعزع أمام نظام جديد يستند إلى القوة".
لكنه أضاف، في لهجة واثقة، أن أوروبا "ليست تحت رحمة هذا النظام العالمي الجديد، ولديها الخيار في رسم المستقبل".
ولم يتوقف عند هذا الحد، بل دعا دول القارة إلى التحلي بالواقعية في ظل الأوضاع الجديدة، وسرعة ضخ استثمارات جديدة في الصناعات العسكرية للدفاع عن نفسها.
وقال المستشار الألماني إن العالم سيكون مكانا خطِرا للغاية إذا قام على القوة فقط، لأن ذلك سيصب في مصلحة الأقوى فقط.
وعندما تتحدث ألمانيا عن القوة، على العالم أن يأخذ ذلك على محمل الجد، حيث تمتلك أقوى اقتصاد في أوروبا بحجم 4.66 تريليونات دولار، ولها سوابق في حصار وإخضاع الدول والجيوش.
أما العجوز البرتغالي الذي يقود الأمم المتحدة، فلا تخفي تجاعيد وجهه حزنه على قرب تهاوي المؤسسات والمواثيق والقوانين الدولية، بما يعنيه ذلك من اندلاع صراعات جديدة وانهيار الحدود القائمة أمام قوة الأطماع.
أنطونيو غوتيريش الذي منعه الزكام من اعتلاء منصة دافوس، أبرق إلى المنتدى رسالة قال فيها إن تجاهل القادة للقانون الدولي يؤدي إلى تقويض النظام العالمي.
وقال، في تدوينة نشرها الأربعاء على منصة إكس، إن ميثاق الأمم المتحدة يُعد أساس العلاقات الدولية، وحجر الزاوية للسلام والتنمية المستدامة وحقوق الإنسان.
ومشيرا إلى ترمب، كتب غوتيريش "عندما يتجاهل القادة القانون الدولي ويختارون بأنفسهم القواعد التي سيلتزمون بها، فإنهم يقوّضون النظام العالمي ويُنشئون سابقة خطيرة"، محذرا من "واقع يتسم بعدم المساواة وفساد المؤسسات والقيم المشتركة التي تجمعنا".
ومنذ فترة، يحرص الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على استرضاء نظيره الأمريكي، لكنه من القلائل الذين يرفعون صوت الرفض في وجهه في بعض الملفات الحساسة على مستوى العالم.
لقد رفض ماكرون الانضمام لمجلس ترمب للسلام في غزة، ووصف سعيه لضم غرينلاند بأنه سلوك جنوني لا يمكن القبول به.
ومن دافوس، انضم ماكرون للقادة الذين حذروا من دخول العالم في حقبة الطغيان الكبير، مشددا على أن فرنسا وأوروبا لن "تقبلا بقانون الأقوى".
ماكرون الذي وقّع مؤخرا مرسوما ببناء حاملة طائرات "بحجم أمجاد فرنسا"، قال إن أوروبا "لن تستسلم للمتنمرين أو ترضخ للترهيب".
وأيضا، ينبغي أخذ صوت فرنسا على محمل الجد، فهي من الدول النووية ومن ضمن الاقتصادات الأقوى في العالم، ولها سوابق في العظمة والانتشار العسكري في مشارق الأرض ومغاربها.
المصدر:
الجزيرة