في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
جنين- أمام حاجز مرتفع من التراب والصخور عند مدخل مخيم جنين شمالي الضفة الغربية، يقف أبو محمد الفايد (60 عاما) محاولا النظر نحو منزله الذي اضطر إلى تركه قبل عام كامل بعد أن اقتحمه جيش الاحتلال الإسرائيلي.
يتذكر الفايد اللحظات الأولى لنزوحه مع عائلته من المخيم، بعد بدء العملية العسكرية الاسرائيلية المسماة "السور الحديدي"، وإجبار الأهالي على إخلاء منازلهم والخروج في ممرات تفتيش نصبها الاحتلال عند المدخل الغربي للمخيم.
وقال الفايد في حديثه للجزيرة نت إنه نزح مع بداية فبراير/شباط من العام الماضي، بعد نحو أسبوع من دخول جيش الاحتلال إلى جميع أحياء المخيم وحاراته.
وأضاف أنه فضَّل البقاء في منزله حتى اللحظة الأخيرة، إلى أن بدأت طائرات "الدرونز" المسيَّرة تحلّق فوق حارات السمران والحواشين، وهدد الاحتلال بقصف المنازل إذا لم يغادر الأهالي، فنزح إلى أطراف المخيم، وبدأ بعد أيام رحلة البحث عن مأوى.
وعلى الرغم من الهجوم العسكري الكبير ونزوح معظم أهالي المخيم، فإن الفايد ظل يعتقد أن الاقتحام سينتهي خلال أيام قليلة، مما دفعه إلى ترك ملابسه وأوراقه الثبوتية وأغراضه الشخصية في المنزل.
وقال إنه لم يأخذ شيئا "حتى أني لم أحمل مالا كافيا، وتركت كل شيء على حاله في البيت الذي كنت أظن أنني سأعود إليه بعد أسبوع على أقصى تقدير. واليوم مر عام كامل، وهذا بكل تأكيد أسوأ كابوس أعيشه في حياتي، لا أصدّق أنه لم ينته خلال عام".
وفي 21 يناير/كانون الثاني 2025، شرعت إسرائيل في عملية عسكرية واسعة داخل مخيم جنين أطلقت عليها اسم "عملية السور الحديدي" بزعم السعي للقضاء على خلايا المقاومة المسلحة.
وبعد نحو 10 أيام، وسَّعت إسرائيل عمليتها لتشمل مخيمي طولكرم و نور شمس في ضواحي طولكرم، إضافة إلى مخيم الفارعة في محافظة طوباس. واستمرت هذه العمليات بوتيرة متقطعة، مخلفة دمارا هائلا في البنية التحتية ونزوح مئات العائلات.
وخلال عام تغيرت الخارطة الجغرافية لمخيم جنين بشكل خاص ولمدينة جنين بشكل عام، ودمر الاحتلال نحو ثلثي المخيم، كما عملت جرافاته العسكرية على فتح شوارع ومربعات سكنية جديدة فيه، إضافة إلى إغلاق كل مداخله وتحويله إلى معسكر يُمنع دخوله.
وضاعفت قوات الاحتلال من عمليات اقتحام المدينة وقراها، ودهم المنازل، وشن حملات اعتقال غير مسبوقة.
يذكر نادي الأسير الفلسطيني أن عمليات الاعتقال في محافظتي جنين وطولكرم خلال العام الماضي بلغت نحو 2300 حالة، منها 1470 في جنين من بين 21 ألف حالة اعتقال سُجلت في الضفة الغربية خلال العام نفسه.
وبحسب بلدية جنين، فقد قُدّرت الخسائر المباشرة لعملية "السور الحديدي" بنحو 320 مليون دولار، في حين امتدت الخسائر في البنى التحتية والشوارع إلى بلدات المحافظة وقراها التي شهدت اقتحامات متكررة وشبه يومية خلال العام، ومنها قباطية ويعبد واليامون وعرابة وغيرها.
وأوضح مدير العلاقات العامة في بلدية جنين بشير مطاحن أبرز الخسائر التي سببتها عملية "السور الحديدي" في المخيم، قائلا إن الاحتلال أجبر نحو 22 ألف مواطن على النزوح من مخيم جنين وأطرافه.
وتوزع النازحون -حسب مطاحن- على مراكز عدة داخل المدينة وفي القرى والبلدات، أما القسم الأكبر منهم فاستقر في "سكنات الجامعة العربية الأمريكية" في بلدة الزبابدة جنوبي المدينة، وبلغ عددهم نحو 6000 نازح.
وأضاف مطاحن في حديثه للجزيرة نت أن الاحتلال نسف مباني كاملة في المخيم، ويواصل شق طرق وتعبيدها، مما أدى إلى انتهاء خارطة المخيم القديمة، في حين تمكنت البلدية من رصد تدمير 300 بناية، وهو ما يقارب 1500 وحدة سكنية.
وتؤكد محافظة طولكرم أن عدد النازحين من مخيمات المدينة وصل إلى 24 ألف نازح وسط هدم الاحتلال لنحو 2000 وحدة سكنية فيها.
ومع دخول العملية العسكرية في مخيمات شمالي الضفة عامها الثاني، زادت مطالبات الاحتلال بإنهاء دور وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين ( الأونروا) وإغلاق وتدمير مقارها في المخيم، وذلك أحد أبرز شروطه للانسحاب منه.
وحتى اليوم، بقيت أكثر النقاط أهمية وتداولا لدى النازحين هي موعد انتهاء العملية وانسحاب الاحتلال وعودة النازحين.
قتلت إسرائيل في محافظة جنين 62 مواطنا خلال عام 2025، إضافة إلى استشهاد 7 من أسرى المحافظة داخل سجون الاحتلال، في حين استشهد من محافظة طولكرم 17 مواطنا.
وبعد شهور طويلة من المطاردة، تمكنت إسرائيل من الوصول إلى قائد كتيبة جنين المطلوب الأول لدى الجيش الاسرائيلي والشاباك الشيخ نور البطاوي في اليوم الـ108 من عملية السور الحديدي، إذ أعلن جيش الاحتلال اغتياله بعد محاصرة منزل تحصن فيه بمدينة نابلس بداية مايو/أيار الماضي.
كما اغتالت اسرائيل عددا من قادة كتيبة جنين، أبرزهم إسلام خمايسة ويوسف العامر ونضال خازم. واستطاعت الوصول الى مُنفذَي "عملية الفندق" قتيبة الشلبي ومحمد نزال، واغتيالهما في بلدة برقين.
وشهدت محافظتا جنين وطولكرم عمليات تصفية واغتيال واعتقال لعدد كبير من المقاومين، مما أدى إلى انتهاء الكتائب المسلحة فيهما.
ورغم تأثير عملية "السور الحديدي" في المقاومة بشمالي الضفة، فإن محللين يرون أنها أعادت تشكيل البيئة العامة للضفة باتجاه "مزيد من العسكرة وانعدام اليقين وتآكل الأفق السياسي"، مما جعل الضفة أقل استقرارا وأكثر تعرُّضا للانفجار حتى في المناطق التي لم تكن في قلب العملية.
ويتحدث الخبير في الشأن الإسرائيلي ياسر مناع عن ما يحدث منذ عام وحتى اليوم في الضفة الغربية، ويقول إن إسرائيل تسعى إلى تطبيق نموذج جديد يدمج بين مرحلتين، ما قبل أوسلو وما بعدها، بحيث تفرض حضورا عسكريا مباشرا في قلب المدن الفلسطينية، وتتحرك بحرية كاملة، لكنها تتجنب تحمُّل أي مسؤولية عن السكان أو عن شؤونهم اليومية.
ويضيف مناع في حديثه للجزيرة نت أن الاحتلال "يسعى لتكريس سيطرته الأمنية بلا التزام مدني، بحيث تدخل قواته مدن الضفة الغربية متى تشاء، وتنسحب منها متى تشاء، وتُبقي إدارة الحياة والعبء الاقتصادي والإنساني على الفلسطينيين، وهو ما يعني حضورا عسكريا دائما في الجوهر، لكنه بلا كلفة".
لم تقتصر آثار العملية الإسرائيلية العسكرية في مخيم جنين على الجوانب الأمنية والسياسية والمعيشية للفلسطينيين، بل أضرت الاقتصاد المحلي بنسبة كبيرة، إذ فقدت مدينة جنين نحو 450 مليون شيكل شهريا (123 مليون دولار) من دخل 30 ألف عامل كانوا يعملون داخل الخط الأخضر، وأُوقفت تصاريح عملهم أو مُنعوا من التوجه إلى أعمالهم.
ويشير نائب رئيس غرفة تجارة جنين محمد كميل إلى أن السوق المحلية تفقد شهريا 350 مليون شيكل (96 مليون دولار) نتيجة إغلاق "حاجز الجلمة" الذي يربط المدينة بالمتسوقين من الداخل الفلسطيني.
وأشار كميل في حديثه للجزيرة نت إلى ارتفاع نسبة البطالة في جنين عام 2025 إلى نحو 53%، واضطرار 62% من الشركات والمحال إلى تعديل عقود العمال من العمل الكامل إلى الجزئي، وهو ما خفض دخلهم الشهري من ما معدله 3000 شيكل شهريا (822 دولارا) إلى 1800 شيكل فقط (نحو 493 دولارا).
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة