في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
قال الكاتب الأميركي فريد زكريا إن أطرافا دولية فاعلة في الاقتصاد العالمي بدأت تتأقلم مع التوجهات الجديدة لواشنطن التي لم تعد طرفا موثوقا فيه، وأصبح من غير الممكن التنبؤ بتصرفاتها.
وأوضح زكريا -في مقال رأي بصحيفة واشنطن بوست– أن أوروبا، التي كانت تبدو منقسمة وكسولة ولا تفكر إستراتيجيا، تصرفت خلال العام الماضي بحنكة وهدوء في مواجهة الولايات المتحدة.
فعندما عاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب للسلطة العام الماضي وفرض أعلى رسوم جمركية على البلاد منذ ما يقرب من قرن، توقع كثيرون أن ترد أوروبا بالمثل، وهو ما كان من شأنه أن يشعل حربا تجارية بين الطرفين.
وبيّن الكاتب أن أوروبا لم تنسَق إلى تلك المواجهة واستوعبت الضغط، وتجنبت التصعيد مع أميركا، وكسبت الوقت وهو ما حال دون انزلاق الاقتصاد العالمي نحو حافة التدهور.
وفي أحدث تحركاتها، وافقت دول الاتحاد الأوروبي الأسبوع الماضي، بعد 25 عاما من المفاوضات المتعثرة، على اتفاقية تجارية شاملة مع البرازيل والأرجنتين وباراغواي وأوروغواي، من شأنها أن تنشئ إحدى أكبر مناطق التجارة الحرة في العالم من حيث عدد السكان، حيث تضم أكثر من 700 مليون نسمة.
وخلال الأسابيع الأخيرة، حلت أوروبا والصين مجموعة من الخلافات التجارية -التي كانت قد هددت بالتحول إلى مواجهة أوسع نطاقا- بشأن السيارات الكهربائية والإعانات الحكومية والوصول إلى الأسواق.
وبخصوص ذلك التقارب، قال زكريا إن أوروبا وإن كانت لا تزال حذرة من السياسات الصناعية للصين ومن نظامها السياسي، فإنها تنظر الآن إلى بكين بوصفها شريكا لا غنى عنه.
كما كثف الاتحاد الأوروبي جهوده للتواصل مع جنوب شرق آسيا وأبرم اتفاقيات تجارية مع سنغافورة وفيتنام، ويسعى لشراكات أخرى في المنطقة التي تعد ثالث أكبر شريك تجاري للاتحاد الأوروبي.
وعلى غرار أوروبا، بدأت كندا تعيد النظر في علاقتها مع أميركا على خلفية الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب وتهديداته بإعادة التفاوض على الاتفاقيات التجارية، وتصريحاته بشأن ضم كندا.
وقد أعلن رئيس الوزراء الكندي الجديد، مارك كارني، أن بلاده تسعى للابتعاد عن واشنطن وتنويع شركائها التجاريين، وزيادة حجم التجارة مع الدول الأخرى بنسبة 50% على الأقل خلال السنوات الـ10 المقبلة، وهو ما اعتبره زكريا "تحولا إستراتيجيا جذريا".
أما الصين، فإن بياناتها التجارية تشير إلى أن "العالم لا يبتعد عن بكين، بل عن واشنطن" وأن الصادرات الصينية الإجمالية تستمر في الارتفاع، بحيث قفز الفائض التجاري الصيني لما يقرب من 1.2 تريليون دولار عام 2025، مع توسع معاملاتها مع دول أميركا اللاتينية وأفريقيا وأوروبا ومعظم أنحاء آسيا.
ويرى زكريا أن الرسوم الجمركية الأميركية لم تنجح في عزل الصين عن العالم، بل شجعت عديدا من الدول على مواصلة التجارة مع بكين.
ووجد هذا التحول صداه لدى الجمهور، إذ أظهر استطلاع رأي أن نسبة من يفضلون انضمام بلادهم لكتلة بقيادة أميركية (بدل كتلة بقيادة صينية) انخفضت بما يتراوح بين 15 و19 نقطة مئوية خلال عامين فقط بالهند والبرازيل وجنوب أفريقيا.
وفي 10 دول أوروبية، وصف 16% من المشاركين في الاستطلاع الولايات المتحدة بأنها حليف، مع أن الأغلبية لا تزال تعتبرها شريكا رئيسيا، في حين لا تزال الآراء بشأن الصين متباينة وليست إيجابية.
وخلص زكريا إلى أن قوة أميركا المستقبلية باتت على المحك، في وقت تعكف فيه الصين على بناء ما اعتبره "أحد أكثر النظم الاقتصادية مرونة في التاريخ الحديث".
ويرى الكاتب أن الرد الأميركي الوحيد هو بناء منظومة اقتصادية خاصة بها بالتنسيق مع شبكة واسعة من حلفائها وشركائها الذين يسيطرون على معظم التكنولوجيا المتقدمة ورأس المال والعمالة الماهرة والطلب الاستهلاكي العالمي.
لكن أميركا، في نظر زكريا، أهدرت جزءا كبيرا من هذه الفرصة بعد أن باتت تعامل حلفاءها كعملاء تجاريين، وتستخدم التعريفات الجمركية كسلاح ضدهم، وحولت الالتزامات الطويلة الأمد لابتزاز، وهو ما دفع الدول الأخرى لاتخاذ خطوات احترازية.
المصدر:
الجزيرة