آخر الأخبار

المالكي مرة أخرى؟ | الحرة

شارك

فجأة انسحب رئيس الوزراء العراقي، محمد شياع السوداني، من سباق الترشح لولاية ثانية، وعاد اسم نوري المالكي، الفائز الثاني في انتخابات نوفمبر، إلى الواجهة بقوة، بعد إعلان “إئتلاف الإعمار والتنمية” سحب ترشيح زعيمه السوداني لصالح منافسه الرئيسي المالكي، الذي يسعى منذ سنوات لولاية ثالثة.

تولي المالكي فترتين لرئاسة الوزراء بين عام (2006–2014). ويقول خصومه إن فترة حكمه ارتبطت بتكريس مركزية السلطة، وتدهور الثقة بين مكونات المجتمع العراقي، وتدهور العلاقات بين بغداد وواشنطن، فضلا عن تحميله المسؤولية عن الانهيار الأمني الذي مهّد لصعود تنظيم داعش.

يقول جيمس جيفري السفير الأميركي السابق في بغداد لـ”الحرة” إن “المالكي يُنظر إليه على أنه قائد قوي، وهو أمر يُعد نقطة إيجابية، لكنه في الوقت نفسه يُعتبر قريباً جداً من إيران ولديه خلافات مع العرب السنة والأكراد، بالإضافة لنزعته السلطوية” .

بغض النظر عما اذا كان المالكي سينجح في الوصول لسدة الحكم مجددا أم لا، يرجح المحلل السياسي العراقي نجم القصاب أن المالكي سيصرف بشكل مختلف هذه المرة.

يحمّل كثير من العراقيين سنوات حكمه المثيرة للانقسام مسؤولية تعميق الصراع الطائفي بين الأغلبية الشيعية والأقلية السنية، في وقت تُركت فيه مشكلات مزمنة مثل البطالة وضعف الخدمات العامة والفساد دون حلول.

في 2013 أظهرت دراسة صادرة عن الأمم المتحدة ارتفاعا في عدد حالات الفساد في العراق وكذلك تحدثت عن توظيف 35% من الموظفين الحكوميين دون المرور بعملية اختيار رسمية.

وأشار تقرير صادر عن مجموعات الأزمات الدولية في 2011 إلى اختلاس مليارات الدولارات من خزينة الدولة، بسبب ثغرات في نظام المشتريات العامة، وتحدث أيضا عن ازدهار المحسوبية والرشوة والاختلاس في البلاد.

وفي 2015 دعت لجنة برلمانية لمحاكمة المالكي وعشرات المسؤولين الكبار الآخرين، على خلفية سقوط مدينة الموصل بيد تنظيم الدولة الإسلامية في 2014. ووجدت اللجنة أن المالكي كانت لديه صورة غير دقيقة عن حجم التهديد الذي واجه الموصل، لأنه اختار قادة عسكريين تورطوا في الفساد ولم يُحاسبهم على ذلك.

كذلك لديه علاقات متوترة مع زعيم التيار الصدري الشيعي مقتدى الصدر، خاصة بعد قيادته حملة أطلق عليها اسم “صولة الفرسان” في عام 2008 ضد ميليشيا جيش المهدي، الجناح العسكري للتيار الصدري.

لا ينفي عضو إئتلاف دولة القانون خالد السراي حصول “أخطاء” خلال الفترة التي قضاها المالكي في الحكم، لكنه يعتقد كذلك أن الرجل كانت لديه كثير من الإيجابيات “وسيتمكن من تجاوز أخطاء الماضي”.

“الفساد كان موجودا في العراق قبل وبعد المالكي، بل على العكس، كان المالكي أكثر المتعاونين مع الهيئات الرقابية لمكافحته” يقول السراي لـ”الحرة”.

“إذا ما نظرنا للإيجابيات، فالرجل معروف بتعامله الحازم مع الميليشيات ولديه شخصية قوية، وأعتقد أنه بالتأكيد سيستفيد من تجاربه السابقة في حكم العراق،” يضيف السراي.

رغم كل الانتقادات، تمكّن المالكي، الذي يُعرف بدهائه السياسي، من العودة إلى المشهد السياسي في السنوات اللاحقة، عبر بناء نفوذ بهدوء من خلال علاقاته مع الميليشيات المسلحة الموالية لطهران، وكذلك امتلاكه لنفوذ واسع في مؤسسات الدولة تمكن من بنائه خلال فترتي حكمه.

واليوم تكلل هذا النفوذ باقتراب العودة لرئاسة الوزراء بعد أن أجبر على مضض على التخلي عنها في عام 2014، نتيجة ضغوط من طيف واسع وغير معتاد من المنتقدين، شمل الولايات المتحدة وزعماء سنة وأعلى مرجعية شيعية في العراق، وذلك بعد التقدم السريع الذي حققه تنظيم الدولة الإسلامية في ذلك العام.

المالكي والسوداني وجها لوجه

يعتبر المالكي رئيس الوزراء الوحيد بعد عام 2003 الذي تمكن من تولي فترتي رئاسة، حيث عمل بعدها جاهدا ومن خلال نفوذ السياسي لعدم تكرار هذه التجربة لأي رئيس وزراء قادم.

وبالفعل، يبدو أنه نجح في كسر طموح السوداني أيضا، الساعي للولاية الثانية، الذي اضطر للتراجع عن الترشح “حفاظا على مصلحة العراق” كما يقول إئتلافه.

بعد إعلان نتائج انتخابات 2025 بحصول ائتلاف السوداني على المركز الأول بـ46 مقعدا من أصل 329 عدد مقاعد البرلمان، وائتلاف دولة القانون بزعامة المالكي على 29 مقعدا بدأ كلا الرجلان بطرح اسميهما كمرشحين لتولي رئاسة الوزراء.

وبما أن العرف السياسي جرى في العراق على ان يكون رئيس الوزراء من المكون الشيعي ورئيس البرلمان سنيا ورئيس الجمهورية كرديا، فقد انحصرت المنافسة على المنصب بين السوداني والمالكي مع طرح أسماء أخرى لا تمتلك ثقلا انتخابيا واضحا.

ينضوي الرجلان تحت الإطار التنسيقي، وهو مضلة تجمع معظم الأطراف الشيعية الفائزة في الانتخابات، بينها أجنحة سياسية تمتلك ميليشيات مسلحة موالية لطهران، بعدد مقاعد يصل لـ180 مقعدا. والإطار التنسيقي هو الذي أوصل السوداني إلى السلطة عام 2022.

يجتمع الإطار التنسيقي منذ عدة أسابيع بشكل دوري من أجل الوصول لاتفاق حول تسمية مرشح واحد لرئاسة الوزراء للتصويت عليه داخل البرلمان.

لكن حتى اجتماع يوم السبت الماضي كان كل من السوداني والمالكي يصران على الترشح، قبل أن يعلن ائتلاف الاعمار والتنمية بشكل مفاجئ انسحاب السوداني لصالح المالكي.

يعتقد الكثيرون أن هذه الخطوة تمثل “مناورة” من قبل السوداني لوضع المالكي أمام “امتحان صعب” نظرا لصعوبة حصوله على أصوات داخل قوى الإطار التنسيقي وكذلك القوى السنية والكردية داخل البرلمان، وربما حتى الاعتراض عليه من قبل الولايات المتحدة.

“السوداني متأكد أن من الصعوبة جدا أن يجري التصويت على المالكي من قبل القيادات في الإطار التنسيقي، حيث لا يوجد إجماع بشأنه من أجل الترشح” يقول نجم القصاب لـ”الحرة”.

وبالفعل، حتى ساعة إعداد هذاا التقرير لم يصدر أي بيان رسمي من الإطار التنسيقي بشأن ترشيح المالكي مكتفيا بالقول في بيان، السبت، إن اجتماعه الأخير “شهد أجواءً إيجابية ونقاشات مسؤولة، أسفرت عن تطورات مهمة ومؤشرات متقدمة، وبما ينسجم مع متطلبات الاستقرار السياسي والمصلحة العليا للبلاد”.

يشير القصاب إلى أن جميع القوى السياسة بالإطار التنسيقي “تتخوف من عودة المالكي، لوجود فيتو سابق عليه من قبل مرجعية النجف وكذلك من الصدر وحتى من الأكراد والسنة”.

من هنا يفسر الباحث الأميركي مايكل نايتس خطوة السوداني بالإشارة إلى أنها تكتيكية تهدف لضمان حصوله على الترشح لولاية ثانية.

وكتب نايتس على منصة “إكس” قائلا إن “السوداني يحاول ترشيح شخصية أقل قبولاً منه، لكي يبدو هو الخيار الأفضل بين خيارين سيئين”.

موقف واشنطن؟

لم يصدر أي تعليق لغاية اللحظة من الولايات المتحدة حول احتمال ترشيح المالكي. ولم ترد وزارة الخارجية الأميركية ولا مكتب المبعوث الأميركي الخاص للعراق مارك سفايا على طلب لـ”الحرة” بهذا الشأن.

كان المالكي سياسيًا غير معروف نسبيًا في العراق قبل عام 2003، وقد جرى اختياره كحل توافقي لقيادة حكومة ائتلافية هشة في عام 2006.

ورغم أنه صُوِّر في البداية كإسلامي شيعي، فإن استعداده المبكر لتجاوز الطائفية واحتواء العنف وُضع موضع شك في مذكرة حكومية أميركية مسرّبة.

وجاء في المذكرة التي كتبها مستشار الأمن القومي ستيفن هادلي للرئيس الأميركي آنذاك جورج بوش الابن: “رغم كلمات المالكي المطمئنة، فإن التقارير المتكررة من قادتنا على الأرض عززت مخاوفنا بشأن حكومته”.

وسرد هادلي مشكلات شملت عدم إيصال الخدمات إلى المناطق السنية وإقالة أكثر القادة العسكريين فاعلية على أسس طائفية.

في 2011 نجح المالكي في تنفيذ وعوده بإخراج القوات الاميركية من العراق بعد التوصل لاتفاق مع الرئيس الاميركي في حينه باراك اوباما بانسحاب جميع القوات الاميركية من العراق.

الكثيرون، ومنهم جيمس جيفري، رأوا في الخطوة أنها جاءت بضغط من طهران، التي يعد المالكي الحليف الأبرز لها في العراق.

ومع ذلك وفي حال نجح المالكي في الوصول لرئاسة الوزراء فيمكن للولايات المتحدة أن تتعامل معه بطريقة مختلفة، وخاصة فيما يتعلق بملف الوجود العسكري الأميركي في العراق.

تضغط الأحزاب والقوى الموالية لطهران منذ عدة سنوات على الحكومة العراقية من أجل تكرار تجربة إخراج القوات الأميركية من البلاد.

ويعتقد جيفري أن وصول المالكي للسلطة مجددا قد يؤثر على الوجود العسكري الأميركي في العراق إلى حد ما.

بالتالي هو يقترح أن تتمسك واشنطن بموقفها وتوضح لأي حكومة يقودها المالكي بأن “العلاقة الثنائية هي حزمة متكاملة، تشمل مساعدات حكومية أميركية في عدة قطاعات، من بينها الحماية القانونية لعائدات النفط العراقية، وتشجيع انخراط شركات النفط الأميركية إلى جانب التعاون الأمني وسياسة خارجية عراقية غير معادية أو منحازة بشكل مفرط لإيران”.

بمعنى آخر، يقول جيفري إنه “لا ينبغي السماح للمالكي برفض أجزاء من العلاقة التي لا يرغب بها بينما يحتفظ بالمنافع التي يفضلها”.

“إضافة إلى ذلك، فإن إيران اليوم أضعف بكثير مما كانت عليه خلال ولاية المالكي السابقة، وقدرتها على الضغط عليه أقل، لكن حتى هذا الضغط الإيراني الأضعف سيظل كافياً للتأثير عليه إذا لم يكن هناك ضغط أميركي مقابل يوازن هذا النفوذ” يضيف جيفري.

الحرة المصدر: الحرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا