(CNN) -- يقترب العلماء خطوة إضافية من فهم كيفية تطوّر التوحّد في الدماغ، وما العلاجات التي قد تنجح في مواجهته.
وباستخدام الذكاء الاصطناعي وبيانات من أدمغة صغيرة نُمّيت في المختبر، رسم الباحثون خريطة توضّح كيف يمكن لطفرات جينية معينة مرتبطة بالتوحّد أن تُعيد تشكيل الدماغ وتُؤدي إلى الحالة. ونُشرت هذه الخريطة الجزيئية في مجلة "ساينس"، الخميس، وقد تُساعد على تطوير علاجات أكثر استهدافًا للتوحّد.
وقال مؤلف الدراسة الدكتور نيفان كروغان، الأستاذ في جامعة كاليفورنيا بسان فرانسيسكو والباحث الرئيسي في معهد غلادستون، إن هذه الخريطة توفّر الأسس الجزيئية للتوحّد وتفتح مسارات متعددة لاكتشاف أدوية جديدة.
وأضاف كروغان: "نأمل أن يأتي يوم ننظر فيه إلى الخلف ونقول: آه، هذه الخريطة قادتنا إلى علاجات عدة، لذلك أصبح لدينا أول علاج للتوحّد. هذه هي الرؤية، وأعتقد أنها ستتحقّق في مرحلة ما في المستقبل".
لطالما شكّل تطوير علاجات فعّالة للتوحّد لغزًا علميًا، خصوصًا مع ارتباط اضطراب طيف التوحّد بأكثر من 250 جينًا، ما يجعل استهداف جذور الاضطراب الجينية أشبه بالبحث عن مفتاح واحد لمئات الأقفال المختلفة.
لكن دراسة جديدة تكشف كيف يمكن للعديد من هذه الطفرات الجينية المتنوّعة أن تُعيد توصيل تفاعلات البروتينات في الدماغ النامي، ما يُسهم في ظهور التوحّد. وعوض الحاجة إلى مئات الأدوية لاستهداف الجينات عينها، أصبح لدى العلماء الآن مخطّط يمكن أن يساعدهم على استهداف تفاعلات البروتينات.
وقال كروغان، الذي يشغل أيضًا منصب مدير معهد علوم الأحياء الكمية في جامعة كاليفورنيا بسان فرانسيسكو (UCSF): "عندما تكون لديك الجينات والطفرات، فهذه مجرد قائمة بأجزاء. ما تحتاج إليه هو مخطط لتوصيل هذه الأجزاء، وهنا ينبغي التوجه إلى البروتينات وفهم كيفية تواصلها مع بعضها".
وأضاف أنّ فهم كيفية تأثير الطفرات في تفاعلات البروتينات قد يفتح مسارات علاجية لم يكن ممكنًا تصوّرها بمجرد دراسة الجينات والطفرات.
ولرسم خريطة للتوحّد، رسم باحثون من جامعة كاليفورنيا بسان فرانسيسكو بصورة منهجية أكثر من 1800 تفاعل بين البروتينات مرتبطًا بالتوحّد، تبيّن أن 87% منها لم تُرصد من قبل.
وأنشأ الباحثون الخريطة في وجود الطفرات الجينية لفهم كيفية "إعادة توصيل" البروتينات، ثم استخدموا نظام الذكاء الاصطناعي "ألفا فولد" لتحديد الطفرات الرئيسية، ودراستها لاحقًا في عضيات دماغية نمت في المختبر.
وقال كروغان إنّ فريقه بدأ بالفعل ثلاثة برامج لتطوير علاجات محتملة جديدة، استنادًا إلى النتائج التي توصّلت إليها الدراسة.
وقال كروغان: "يتيح لنا الذكاء الاصطناعي دراسة بروتينات لم يكن بوسعنا حتى الحلم بدراستها قبل عامين فقط، وهو يسلّط ضوءًا غير مسبوق على التوحّد والبيولوجيا الكامنة وراءه".
ووصف كروغان الخريطة بأنها "الأكبر على الإطلاق" في مجال التوحّد، والأكبر من نوعها لأي اضطراب نفسي عصبي، فضلًا عن كونها أكبر خريطة للطفرات أُنشئت حتى الآن في أي مجال من مجالات الأمراض.
ووصف فكري بيري، الأستاذ المساعد في قسم علم الوراثة البشرية بكلية الطب في جامعة إيموري، غير المشارك في الدراسة، النتائج بأنها "مثيرة جدًا"، معتبرًا أنها تقدم حتى الآن أكثر صورة منهجية لمخاطر التوحّد على مستوى البروتينات.
وأضاف بيري أنه قد يصبح ممكنًا مستقبلًا تطوير أدوية تعمل على استقرار مجمّعات البروتينات المتضررة أو منع التفاعلات المرضية، بدلًا من محاولة تصحيح كل طفرة على حدة.
ورغم أن الدراسة تُقدّم خريطة للمسارات الجزيئية التي قد يتطوّر من خلالها التوحّد، فإنّ نتائجها قد لا تنطبق بصورة حاسمة على جميع المصابين أو جميع أشكال الاضطراب، إذ ترتبط بشكل مباشر أكثر بالأشخاص المصابين بالتوحّد الشديد، الذين يُشكّلون نحو 30% من المصابين باضطراب طيف التوحّد.
وقال كروغان إنّ هؤلاء الأشخاص، على سبيل المثال، قد يحتاجون إلى رعاية على مدار الساعة.
ومع ذلك، قد تساعد النتائج المتعلّقة بتفاعلات البروتينات على فهم اضطرابات نفسية عصبية أخرى، مثل الفصام، والوسواس القهري واضطرابات التشنجات اللاإرادية، إضافة إلى أمراض أخرى، من بينها السرطان.
رحّب خبراء التوحّد والمدافعون عن حقوق المصابين بالدراسة الجديدة، معتبرين أنها قد تفتح الباب أمام أبحاث إضافية لتطوير علاجات محتملة.
وقالت أليسون سينغر، رئيسة مؤسسة علوم التوحّد غير الربحية، غير المشاركة في الدراسة: "تُظهر دراسة اليوم أين تلتقي جينات التوحّد المختلفة ضمن مسارات بيولوجية مشتركة، وقد تتحول هذه المسارات في نهاية المطاف إلى أهداف علاجية تفيد مجموعات أكبر بكثير من المصابين بالتوحّد، بمن فيهم أشخاص لم يُحدَّد لديهم سبب جيني".
وأضافت أن هذه النتائج تمثل "لحظة فارقة بكل ما للكلمة من معنى" في أبحاث التوحّد، خصوصًا للعائلات التي لديها أشخاص مصابون بالتوحّد الشديد، إذ قد تساعد على الانتقال من علاج الأعراض والسلوكيات إلى استهداف البيولوجيا الكامنة وراء الاضطراب.
وأكدت سينغر أن الطريق نحو العلاج أصبح "أكثر وضوحًا بكثير"، لكنها أشارت إلى أن الاكتشافات تحتاج أولًا إلى تحويلها إلى أدوية مرشحة، ثم اختبار سلامتها وفاعليتها.
من جهته، حذّر الدكتور آندي شيه، كبير المسؤولين العلميين في منظمة "أوتيزم سبيكس"، من أن تحويل هذه الاكتشافات إلى علاجات سيستغرق وقتًا طويلًا، موضحًا أن الدراسة تحدد أهدافًا علاجية محتملة، لكن الأمر يتطلب مزيدًا من الأبحاث قبل الوصول إلى تطبيقات سريرية.
وتأتي الدراسة في وقت أصبح فيه التوحّد محورًا رئيسيًا لاهتمام وزارة الصحة والخدمات الإنسانية الأمريكية في إدارة ترامب الثانية، فيما تعمل اللجنة التنسيقية المشتركة بين الوكالات المعنية بالتوحّد (IACC) على وضع وتحديث الخطة الوطنية لأبحاث التوحّد.
المصدر:
سي ان ان