آخر الأخبار

هل يمكن لنظرة إلى السماء أن تمنحنا شيئا من العافية؟

شارك

نعيش تحتها كل يوم، لكننا قد نمضي ساعات طويلة من دون أن نراها. تحاصرنا الجدران، وتغلق الأبراج الأفق، وتتحول السماء الواسعة إلى شريط ضيق يظهر بين مبنيين أو من خلف نافذة صغيرة.

قد يبدو اختفاء السماء من المشهد اليومي تفصيلا جماليا لا أكثر، لكن دراسات متزايدة تشير إلى أن علاقتنا بالطبيعة، بما فيها الأشجار والمياه والضوء والفضاء المفتوح، ترتبط بصحتنا النفسية والجسدية.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 هل يمكن تدريب عقلك على الأمل؟.. أبحاث جديدة تعيد تعريف أحد أهم أسرار الصمود
* list 2 of 2 قبل أن تحاول التخلص من التوتر.. ماذا لو كان يعمل لصالحك؟ end of list

فالمشهد الطبيعي لا يمنح العين استراحة فقط، بل قد يخفف التوتر ويحسن الانتباه ويشجع على الحركة، كما يرتبط بانخفاض بعض عوامل الخطورة المؤدية إلى أمراض مزمنة مثل ارتفاع ضغط الدم والسكري وأمراض القلب.

ومع توسع المدن وارتفاع كثافة المباني، بدأ الباحثون يطرحون سؤالًا مختلفًا: ماذا يحدث لنا عندما لا نرى السماء؟

مصدر الصورة تعمل جزيئات الغلاف الجوي على تشتيت الضوء الأزرق في النهار لتبدو السماء زرقاء (Getty)

مدن تكبر وسماء تتقلص

تجاوز عدد سكان العالم 8 مليارات نسمة، ومع الزيادة السكانية والتوسع العمراني المتسارع، تراجعت المساحات الطبيعية المحيطة بالمنازل، وحلت محلها كتل خرسانية شاهقة ومتراصة.

وتشير توقعات الأمم المتحدة إلى أن نحو 70% من سكان العالم قد يعيشون في المناطق الحضرية بحلول عام 2050. ولا تعني هذه التحولات خسارة الحدائق والأشجار وحدها، بل تعني أيضًا تضاؤل مساحة السماء المرئية من الشوارع والمنازل وأماكن العمل.

ففي أحياء كثيرة، لم تعد النوافذ تطل على الأفق، بل على جدار قريب أو برج مقابل. وهكذا تتراجع فرص التعرض للضوء الطبيعي والهواء الطلق والمشاهد المفتوحة، وهي عناصر ترتبط ببعضها، ولا يمكن فصل تأثير أحدها بسهولة عن الآخر.

لذلك لا يسأل الباحثون فقط عن عدد الأشجار في الحي أو قرب المنزل من حديقة، بل أصبحوا يهتمون أيضًا بما يسمى "معامل رؤية السماء"، أي مقدار الجزء المرئي منها داخل الشوارع وبين المباني ومن خلال النوافذ.

مصدر الصورة لم تعد النوافذ تطل على الأفق، بل على جدار قريب أو برج مقابل لتتراجع فرص التعرض للضوء الطبيعي (أسوشيتد برس)

الطبيعة.. وصفة مجانية نهملها

ربطت أبحاث عديدة التعرض للطبيعة بانخفاض التوتر والقلق وأعراض الاكتئاب، وتحسن المزاج والقدرة على التركيز والحضور الذهني.

إعلان

كما وجدت دراسات ارتباطًا بين العيش قرب المساحات الطبيعية وانخفاض بعض المخاطر الصحية، ومنها ارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب والجهاز التنفسي والسكري من النوع الثاني.

ولا يعني ذلك أن الجلوس في حديقة يعالج هذه الأمراض، بل إن الطبيعة قد تعمل عاملا داعما للصحة من خلال تخفيف الضغط النفسي، وتشجيع النشاط البدني، وتحسين النوم، وتوفير فرص أكبر للتواصل الاجتماعي، وتقليل التعرض للضوضاء والتلوث في بعض المناطق.

حتى في المستشفيات، لفتت دراسات إلى أن مشاهدة المناظر الطبيعية من النوافذ قد تساعد المرضى على الشعور براحة أكبر خلال التعافي، ولهذا باتت الإطلالات الطبيعية والضوء اليومي جزءا من النقاش المتعلق بتصميم المنشآت الصحية.

وخلال جائحة كوفيد-19، اختبر ملايين الأشخاص معنى الحرمان من الطبيعة بصورة مباشرة. ففي دراسة نُشرت عام 2020 وشملت نحو 3 آلاف شخص في طوكيو، ارتبطت رؤية المساحات الخضراء من المنزل أو الخروج إليها خلال الفترات المسموح بها من العزل بمستويات أعلى من الرضا والسعادة وتقدير الذات، ومستويات أقل من الاكتئاب والوحدة.

مصدر الصورة مشاهدة المناظر الطبيعية من النوافذ قد تساعد المرضى على الشعور براحة أكبر خلال التعافي (رويترز)

السماء.. الحليف الذي لم ندرسه بما يكفي

حظيت الأشجار والحدائق والبحار باهتمام واسع في الأبحاث، بينما بقيت السماء غالبًا جزءًا من المشهد الكلي، لا عنصرا مستقلا.

لكن حضورها البصري الواسع، وما يرتبط بها من ضوء طبيعي وإحساس بالانفتاح، دفع باحثين إلى محاولة فهم دورها بصورة أدق.

وفي عام 2024، درس باحثون أتراك أثر مدة التعرض لأشعة الشمس ومعامل رؤية السماء في تصميم مباني المستشفيات، وخلصوا إلى أهمية مراعاة هذين العاملين منذ المراحل الأولى للتصميم، لما قد يقدمانه من دعم لراحة المرضى والعاملين ورضاهم داخل البيئة العلاجية.

ولا تتعلق الفكرة بمشهد جميل فحسب، بل ببيئة داخلية تسمح بدخول الضوء، وتمنح الموجودين إحساسًا بالاتساع، وتخفف شعور الانغلاق الذي تفرضه الممرات والغرف المغلقة.

مصدر الصورة الأيام الصافية تشجع الناس على الخروج وممارسة الأنشطة البدنية، والتعرض لضوء طبيعي أكبر (الجزيرة)

هل تحمي السماء الصافية القلب؟

في دراسة صينية تابعت نحو 22 ألف شخص تبلغ أعمارهم 35 عاما فأكثر لمدة 5 سنوات، حاول الباحثون معرفة العلاقة بين عدد الأيام ذات السماء الصافية والإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية. ولم يكن أي من المشاركين مصابا بهذه الأمراض عند بدء المتابعة.

وأظهرت النتائج أن كل زيادة قدرها 10 أيام من التعرض للسماء الصافية سنويًا ارتبطت بانخفاض خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية بنحو 3%، وانخفاض خطر السكتة الدماغية بنحو 7%.

كما كان الأشخاص الذين تعرضوا للسماء الصافية فترات أطول، ولا سيما سكان المناطق الريفية، أقل عرضة لأمراض القلب والأوعية الدموية والسكتة الدماغية بنسب وصلت إلى 32% و43% على التوالي، مقارنة بمن كانوا أقل تعرضًا.

لكن السماء هنا قد لا تعمل منفردة، فالأيام الصافية تشجع الناس على الخروج والحركة وممارسة الأنشطة البدنية، وقد تعني أيضًا التعرض لضوء طبيعي أكبر ومستويات أقل من تلوث الهواء.

إعلان

وتساعد هذه العوامل على تحسين ضغط الدم وصحة الأوعية الدموية وحساسية الإنسولين، كما قد تسهم في تخفيف القلق والاكتئاب.

ورجح الباحثون أن استفادة سكان الريف بصورة أكبر ترجع إلى قضائهم وقتًا أطول في الخارج بحكم طبيعة العمل والحياة اليومية، إضافة إلى انخفاض التلوث مقارنة بكثير من المدن.

ولهذا شددوا على أن النتائج تكشف ارتباطًا، ولا تثبت أن رؤية السماء الصافية وحدها هي سبب انخفاض أمراض القلب. فما يزال من الضروري فصل تأثيرها عن تأثير الهواء النظيف والنشاط البدني والضوء الطبيعي والعوامل الاجتماعية والاقتصادية.

هل يمكن أن تطيل رؤية السماء العمر؟

في مايو/أيار 2026، نشر باحثون من جامعة هونغ كونغ دراسة حاولت قياس ما يراه السكان من داخل المباني، وعلاقة ذلك بمتوسط العمر المتوقع.

استخدم الفريق نماذج ثلاثية الأبعاد مستندة إلى خرائط غوغل، مع خوارزميات للتعلم العميق، لمحاكاة الإطلالات من نوافذ المباني وتقدير مقدار ما يظهر منها من الأشجار والمياه والسماء. ثم ربط الباحثون هذه البيانات بسجلات الوفيات الرسمية في المدينة.

وأظهرت النتائج أن مشاهدة العناصر الطبيعية من داخل المباني ارتبطت بارتفاع متوسط العمر المتوقع، وكان الارتباط برؤية السماء أكثر وضوحًا من بقية العناصر التي جرى تحليلها.

ولا يعني ذلك أن النظر من النافذة يضيف سنوات إلى العمر مباشرة، إذ قد تكون الإطلالة على السماء مؤشرًا على ظروف معيشية أفضل، مثل انخفاض كثافة البناء والضوضاء والتلوث، ووجود مساحات تسمح بالحركة والتواصل الاجتماعي.

ومع ذلك، تثير النتيجة سؤالًا مهمًا: هل ينبغي أن تُعامل رؤية السماء بوصفها جزءًا من جودة السكن والصحة العامة، لا مجرد ميزة جمالية ترفع سعر العقار؟

وأوصى الباحثون بأن تراعي خطط المدن وتصميم المباني قدرة السكان على رؤية الطبيعة والسماء، خصوصًا في المناطق المكتظة التي يقضي سكانها معظم يومهم داخل المنازل والمكاتب.

مصدر الصورة رفع النظر نحو السماء قد يمنح الإنسان انفصالًا مؤقتًا عن الضغوط اليومية (الألمانية)

رفع النظر نحو السماء قد يمنح الإنسان انفصالا مؤقتا عن الضغوط اليومية، ويساعده على رؤية مشكلاته ضمن إطار أوسع.

مساحة مفتوحة لتصفية الذهن

لا تتوقف فائدة السماء المحتملة عند الصحة الجسدية. ففي طرح نشره باول كونواي عام 2019، أشار إلى أن رفع النظر نحو السماء قد يمنح الإنسان انفصالا مؤقتا عن الضغوط اليومية، ويساعده على رؤية مشكلاته ضمن إطار أوسع.

فالسماء لا تقدم تفاصيل كثيرة تزدحم بها العين، بل فضاءً مفتوحًا يسمح للانتباه بأن يهدأ.

وقد يمنح هذا المشهد الدماغ استراحة قصيرة من الشاشات والغرف والمهام المتلاحقة، ويعيد الإنسان إلى اللحظة الحاضرة.

ولا يحتاج الأمر إلى رحلة بعيدة أو جلسة طويلة. فدقائق قليلة في شرفة أو حديقة أو شارع مفتوح، بعيدًا عن الهاتف، قد تكون فرصة للتنفس ببطء وملاحظة الضوء والسحب وتغير الألوان.

لكن هذه العادة البسيطة لا تحل محل العلاج النفسي أو الرعاية الطبية، ولا ينبغي تقديمها بوصفها وصفة علاجية مستقلة، بل ممارسة يومية مساعدة قد تدعم الهدوء والحضور الذهني.

معنى يتجاوز الجسد

بعيدًا عن المختبرات والأرقام، تظل السماء مساحة للتأمل والسكينة، ونافذة تذكر الإنسان بأن العالم أوسع من الجدران التي تحيط به، ومن الضغوط التي تستنزفه.

وقد دعا القرآن الكريم إلى التأمل فيها "أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج". فالنظر إلى السماء ليس مجرد حركة عابرة للعين، بل فرصة للتفكر واستعادة التوازن وترتيب الأولويات.

ربما لا نستطيع وقف تمدد المدن أو إزالة الأبراج من أمام نوافذنا، لكن يمكننا أن نبحث عن المساحات التي ما زالت تسمح لنا برؤية الأفق، وأن نمنح أنفسنا دقائق نتوقف فيها عن النظر إلى الأسفل وإلى الشاشات. فالسماء، التي تبدو بعيدة، قد تكون أقرب وسائلنا إلى الهدوء.

إعلان
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار