تتزايد المخاوف في الولايات المتحدة من أن تتحول التداعيات الاقتصادية للحرب على إيران من مجرد موجة ارتفاع في أسعار الطاقة إلى مسار أوسع قد يقود الاقتصاد الأمريكي إلى حالة من الركود التضخمي، وهي الحالة التي يتزامن فيها تباطؤ النمو مع استمرار التضخم (غلاء الأسعار) وارتفاع تكاليف الاقتراض في الوقت نفسه.
ورغم أن الاقتصاد الأمريكي لا يزال يظهر قدرا من التماسك، مدعوما بسوق عمل قوية نسبيا وأداء أفضل من اقتصادات أخرى في آسيا وأوروبا، فإن المؤشرات المتراكمة بدأت تعكس صورة أكثر تعقيدا، تقوم على ارتفاع أسعار الوقود، واتساع الضغوط التضخمية، وصعود عوائد السندات، وامتداد الاضطرابات من الطاقة إلى قطاعات صناعية وزراعية ولوجستية أوسع.
وتأتي هذه المخاوف في وقت لم يكن فيه الاقتصاد الأمريكي قد تخلص أساسا من التضخم بشكل كامل، إذ لا يزال معدل الأسعار أعلى من هدف الاحتياطي الفدرالي البالغ 2%، بينما تواجه الأسر والشركات بالفعل بيئة تمويل أكثر تشددا، وهو ما يجعل أي صدمة جديدة في النفط أو الشحن أو المواد الخام عاملا مضاعفا للضغوط الاقتصادية.
وبحسب صحيفة واشنطن بوست، فإن التأثيرات الأولى للحرب بدأت تظهر بالفعل في الاقتصاد الأمريكي، من خلال ارتفاع أسعار الوقود، وزيادة تكاليف الشحن، وصعود معدلات الرهن العقاري، واحتمال ارتفاع أسعار مجموعة واسعة من السلع الاستهلاكية والصناعية في الفترة المقبلة.
يستخدم مصطلح الركود التضخمي لوصف وضع اقتصادي صعب يجمع بين عنصرين متناقضين ظاهريا، وهما تباطؤ النشاط الاقتصادي من جهة، وارتفاع الأسعار من جهة أخرى. وتكمن خطورته في أنه يضع البنوك المركزية أمام معضلة معقدة، إذ إن رفع الفائدة لمحاربة التضخم قد يفاقم التباطؤ، بينما خفضها لدعم النمو قد يؤدي إلى تسارع الأسعار.
وفي الحالة الأمريكية الراهنة، لا تشير المعطيات إلى أن الركود التضخمي تحقق بشكل كامل بعد، لكن كثيرا من المؤشرات الأولية بدأت تدعم احتمال الانزلاق إليه في حال فشل الهدنة، مما ينذر باستمرار الحرب واضطراب الإمدادات.
ويرى كبير المستشارين الاقتصاديين في شركة "أليانز" محمد العريان، في مقال نشره موقع "بروجيكت سنديكيت" (Project Syndicate)، أن الولايات المتحدة قد تكون في وضع أفضل نسبيا من آسيا وأوروبا بفضل استقلالها النسبي في الطاقة ومرونة قطاعها الخاص، إلا أن ذلك لا يعني أنها ستظل بمنأى عن التداعيات السلبية للحرب، ولا سيما ما يتعلق بارتفاع تكاليف الطاقة والاقتراض وتأثيرهما في الاستهلاك والنمو.
ويشير العريان إلى أن ما بدأ بزيادة أسعار البنزين والديزل مرشح للانتقال تدريجيا إلى مجموعة واسعة من السلع، من أشباه الموصلات إلى الأسمدة وتذاكر الطيران، وهو ما يعكس اتساع نطاق الصدمة من قطاع الطاقة إلى بنية الأسعار الأوسع في الاقتصاد.
تعد أسعار الطاقة من أبرز المؤشرات التي تغذي الحديث عن خطر الركود التضخمي في الولايات المتحدة، لأن ارتفاعها لا يأتي في سياق انتعاش اقتصادي قوي، بل نتيجة صدمة عرض خارجية ترفع الكلفة على المستهلكين والشركات في آن واحد.
وذكرت واشنطن بوست أن متوسط سعر البنزين العادي في الولايات المتحدة ارتفع إلى 4.09 دولارات للغالون، في حين بلغ سعر الديزل 5.53 دولارات للغالون، مقتربا من أعلى مستوياته التاريخية. ويكتسب هذا التطور أهمية خاصة لأن الديزل يمثل عنصرا أساسيا في النقل البري والزراعة والشحن، مما يعني أن ارتفاعه لا يقتصر أثره على محطات الوقود، بل يمتد إلى تكاليف الإنتاج والتوزيع في قطاعات متعددة.
ويؤكد هذا المسار ما ذهبت إليه الخبيرة الاقتصادية دامبيسا مويو في مقالها على "بروجيكت سنديكيت"، إذ رأت أن الاقتصاد العالمي، وفي مقدمته الاقتصاد الأمريكي، يواجه تهديدا فوريا بارتفاع التضخم نتيجة صدمة الطاقة وتعطل سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار النفط والغاز والمواد الأولية والشحن والتأمين.
وتوضح مويو أن التأثير لم يعد محصورا في النفط والغاز، بل امتد إلى الأسمدة والبولي إيثيلين والهيليوم وتكاليف النقل البحري، بما يضغط على هوامش أرباح الشركات ويؤدي إلى تآكل الأجور الحقيقية للمستهلكين.
من بين أهم المؤشرات التي تدعم احتمال الدخول في ركود تضخمي أن الولايات المتحدة دخلت هذه الأزمة وهي لا تزال تعاني من تضخم أعلى من المستهدف النقدي. فبحسب بيانات وزارة التجارة الأمريكية، بلغ التضخم الأساسي وفق مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسي، وهو المؤشر المفضل لدى الاحتياطي الفدرالي، 3% في فبراير/شباط، منخفضا بشكل طفيف من 3.1% في يناير/كانون الثاني، لكنه لا يزال أعلى من هدف البنك المركزي البالغ 2%.
كما أظهرت البيانات أن معدل التضخم العام استقر عند 2.8%، دون تغيير يذكر، في وقت ارتفع فيه كل من المؤشرين الأساسي والعام بنسبة 0.4% على أساس شهري، وهو ما يعكس استمرار الضغوط السعرية قبل الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة.
وفي هذا السياق، تشير تقديرات "بنك أوف أمريكا" إلى أن التضخم في الولايات المتحدة مرشح للارتفاع مجددا العام الجاري، مع توقع بلوغه نحو 4% في ظل صدمة الطاقة وتعطل الإمدادات.
ويعني ذلك أن صناع السياسة النقدية في الولايات المتحدة لا يواجهون تضخما جديدا يبدأ من مستويات منخفضة، بل موجة صدمة جديدة تضاف إلى ضغوط قائمة بالفعل، وهو ما يقلص هامش المناورة أمام الاحتياطي الفدرالي ويزيد من صعوبة الموازنة بين دعم النمو واحتواء الأسعار.
لا يتوقف خطر الركود التضخمي عند ارتفاع الأسعار، بل يتعزز عندما تتشدد الأوضاع المالية في الوقت نفسه، وهو ما يظهر بوضوح في حركة السندات والقروض العقارية داخل الولايات المتحدة.
فقد أشارت واشنطن بوست إلى أن المستثمرين، خشية عودة التضخم، باتوا يطالبون بعوائد أعلى على السندات، مما رفع عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل عشر سنوات، وانعكس مباشرة على تكلفة الاقتراض للأسر. وارتفع متوسط معدل الرهن العقاري لأجل 30 عاما إلى 6.46% بنهاية مارس/آذار، بزيادة تقارب نصف نقطة مئوية منذ بداية الحرب.
ويحمل هذا الارتفاع دلالات واسعة، لأن سوق الإسكان تمثل أحد أهم محركات النشاط الاقتصادي الأمريكي، كما أن ارتفاع تكلفة التمويل يؤثر في قرارات الاستثمار والإنفاق لدى الشركات والأسر على حد سواء.
وفي هذا السياق، حذر الرئيس التنفيذي لـ"جي بي مورغان" جيمي ديمون، في رسالته السنوية إلى المساهمين، من أن الحرب على إيران قد تقود إلى "تضخم مطول وفوائد أعلى" يمكن أن تدفع الاقتصاد الأمريكي في نهاية المطاف إلى الركود. وأوضح أن الخطر يتمثل في احتمال أن يرتفع التضخم تدريجيا بدلا من أن يتراجع، وهو ما قد يرفع أسعار الفائدة ويضغط على أسعار الأصول ويغير مزاج المستثمرين والمستهلكين بصورة حادة.
لا تقتصر التداعيات على الطاقة والتمويل، إذ تشير المعطيات إلى أن الأزمة بدأت تمتد إلى قطاعات أوسع في الاقتصاد الحقيقي، من الصناعة إلى الزراعة والنقل.
فإغلاق مضيق هرمز وتعطل التدفقات من الخليج لا يمسان فقط النفط الخام، بل يؤثران أيضا في المواد البتروكيماوية ومدخلات التصنيع والهيليوم والأسمدة. ونقلت واشنطن بوست عن إريك باير، رئيس تحالف توزيع المواد الكيميائية الأمريكي، قوله إن الاقتصاد يقترب من النقطة التي "ستبدأ فيها أسعار كل شيء تقريبا في الارتفاع"، في إشارة إلى اتساع أثر نقص المواد الخام على صناعات متعددة تشمل مستحضرات التجميل وقطع السيارات وعبوات المشروبات والمنظفات والمكونات الصناعية الأخرى.
كما برزت الزراعة الأمريكية باعتبارها واحدة من القنوات التي قد تنتقل عبرها الصدمة إلى التضخم المستقبلي. فقد أوضحت كريستا سوانسون، كبيرة الاقتصاديين في "الرابطة الوطنية لمزارعي الذرة"، في تصريحات نقلتها واشنطن بوست، أن معظم المزارعين الأمريكيين أمنوا احتياجاتهم من الأسمدة للموسم الحالي، لكن من لم يفعلوا ذلك سيواجهون تكاليف مرتفعة للغاية، خاصة مع صعود سعر اليوريا بنحو 50% منذ نهاية فبراير/شباط.
وتضيف سوانسون أن استمرار الحرب إلى مايو/أيار قد يجعل ارتفاع أسعار الأسمدة مشكلة لا تخص فقط الموسم الحالي، بل تمتد إلى قرارات الشراء المرتبطة بمحصول 2027، بما يعني أن بعض الآثار التضخمية قد تستمر لفترة أطول من عمر الصدمة الجيوسياسية نفسها.
يرى الباحث الاقتصادي مصطفى يوسف، أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في ارتفاع أسعار الطاقة أو تشدد السياسة النقدية، بل في التحول البنيوي الذي قد تفرضه الحرب على طبيعة تدفقات التجارة العالمية، وهو ما قد يعيد تشكيل خريطة التكاليف والإنتاج على المدى المتوسط.
ويشير يوسف في حديث للجزيرة نت، إلى أن استمرار الاضطرابات في الممرات البحرية الحيوية قد يدفع الشركات الأمريكية إلى تسريع إعادة تموضع سلاسل الإمداد خارج مناطق التوتر، وهو خيار يحمل كلفة انتقال مرتفعة ستنعكس تدريجيا على الأسعار النهائية، حتى في حال تراجع أسعار النفط لاحقا.
ويضيف أن هذا التحول قد يؤدي إلى ما وصفه بـ"تضخم هيكلي"، ناتج ليس عن صدمة مؤقتة، بل عن إعادة تنظيم الإنتاج والتجارة العالمية، بما يقلص من كفاءة سلاسل التوريد التي سادت في العقود الماضية.
كما يحذر يوسف من أن القطاعات المرتبطة بالتكنولوجيا والصناعات المتقدمة، التي تعتمد على مدخلات دقيقة وعابرة للحدود، قد تكون من أكثر القطاعات تأثرا بهذه التحولات، مما قد ينعكس على الاستثمارات والإنتاجية محليا.
ويخلص إلى أن التحدي أمام الاقتصاد الأمريكي لا يقتصر على احتواء صدمة آنية، بل يتمثل في التكيف مع بيئة عالمية أكثر تقلبا وأعلى كلفة، وهو ما قد يفرض نمطا جديدا من النمو أبطأ وأكثر حساسية للصدمات الخارجية.
إلى جانب الضغوط المباشرة على الأسعار والنمو، يشير عدد من الخبراء إلى أن الاقتصاد الأمريكي يواجه أيضا هشاشة في بعض قطاعات التمويل قد تجعل أي تباطؤ اقتصادي أكثر خطورة.
ففي مقاله المنشور على "بروجيكت سنديكيت"، يرى الاقتصادي ديزموند لاكمان أن الولايات المتحدة ليست مهيأة جيدا لتحمل صدمة جديدة في الطاقة والغذاء، خصوصا في ظل هشاشة أسواق الائتمان وارتفاع تقييمات الأسهم. ويعتبر أن ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، مع بقاء الفائدة مرتفعة، قد يدفع السوق الأمريكية إلى مرحلة أكثر اضطرابا، في وقت تظهر فيه بالفعل نقاط ضعف في أسواق الائتمان الخاص.
وفي الاتجاه نفسه، يشير الكاتب الاقتصادي براين جادج في مقال له، إلى أن سوق الائتمان الخاص، التي نمت إلى نحو 3.5 تريليونات دولار، تحمل قدرا كبيرا من المخاطر غير الشفافة، سواء من حيث التقييمات أو مستويات الرفع المالي أو انكشافها على قطاعات معرضة للتقلب. ورغم أنه لا يجزم بوقوع أزمة مالية، فإنه يحذر من أن الغموض نفسه جزء من المخاطر.
كما يرى الاقتصادي كينيث روغوف، في مقال على "بروجيكت سنديكيت"، أن تخفيف القيود التنظيمية وتقليص الكوادر في الجهات الرقابية يزيدان احتمالات تعرض النظام المالي الأمريكي لمشكلات أكبر في المستقبل، حتى لو لم تظهر أزمة مصرفية شاملة على الفور.
ورغم هذا المشهد المقلق، لا تزال هناك عناصر تمنع الجزم بأن الركود التضخمي أصبح واقعا قائما بالفعل. فقد أشارت واشنطن بوست إلى أن الاقتصاد الأمريكي أضاف 178 ألف وظيفة في مارس/آذار، بما يعكس بقاء سوق العمل في وضع قوي نسبيا، كما أن أداء الأسهم الأمريكية ظل أفضل من أداء كثير من الأسواق الآسيوية والأوروبية منذ اندلاع الحرب.
ويشير العريان أيضا إلى أن الولايات المتحدة تتمتع بمزايا نسبية، من بينها الاستقلال النسبي في الطاقة ومرونة القطاع الخاص ووجود دعم مالي إضافي في الطريق، مما يمنحها قدرة أكبر على امتصاص الصدمات مقارنة ببعض الاقتصادات الأخرى.
لكن هذه العوامل، في نظر عدد من المحللين، لا تنفي الخطر بقدر ما تؤجل حسمه. فالاقتصاد الأمريكي قد يظل متماسكا لبعض الوقت، غير أن استمرار الحرب أو اتساعها قد يحول الضغوط الحالية من مجرد تباطؤ محتمل وارتفاع أسعار مؤقت إلى بيئة أقرب إلى الركود التضخمي.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة