كارولين فال البالغة من العمر 31 عاما نشرت حتى الآن ثلاث روايات وحققت جميعها المركز الأول في قوائم أكثر الكتب الأدبية مبيعا في ألمانيا . والآن تُطرح الرواية الرابعة في الأسواق: "1999 مترا فوق مستوى سطح البحر" هي قصة عن شابة تنسج شخصيتها بهوية مزيفة بين أوساط الطبقة الراقية في سانت موريتز. سيصدر الكتاب في 28 أغسطس/ آب ويُعتبر أحد أكثر الإصدارات الجديدة ترقبا في موسم الصيف الأدبي الألماني. فما سر نجاح فال؟
حققت كارولين فال انطلاقتها الكبيرة منذ عملها الأول: فقد بيعت رواية "22 مسارا" (الصادرة عام 2023) أكثر من مليون نسخة باللغة الألمانية وحدها. وقد أشاد النقاد بالقصة التي تدور حول الطالبة تيلدا التي يتعين عليها أن تتعامل مع الحياة اليومية برفقة أمها المدمنة على الكحول وأختها الصغيرة وذلك بفضل أسلوبها في الكتابة البسيط والعصري.
علاوة على ذلك يبدو أن الرواية نجحت في جذب قراء من عدة أجيال: فهي تحتوي على إشارات إلى الثقافة الشعبية المعاصرة فضلا عن إشارات إلى الأدب الكلاسيكي.
يقول ماتياس شافريك: "هذا الثراء في العلاقات يجعل النصوص متنوعة ومتعددة المعاني". وهو باحث في مركز الأبحاث الخاص "تحولات الثقافة الشعبية" بجامعة زيغن وقد نظم مؤخرا ندوة استمرت يومين حول أعمال كارولين فال.
"الأهم من ذلك هو أن النصوص لا تكتفي بالسرد فحسب، بل تُجرب فيها أساليب سردية مختلفة وتُطرح للتساؤل"، يوضح شافريك لـ DW ويضيف بالقول: "وبذلك يُخلق مجال أدبي من الإمكانيات يتيح قراءات متنوعة ويساهم بالتأكيد في جعل العديد من القراء والقارئات يستمتعون بقراءة هذه النصوص".
ألمانيا، ميونيخ 2026 ، الكاتبة كارولين فال في الحفل الراقص الخمسين للسينما الألمانيةصورة من: Felix Hörhager/dpa/picture allianceمع هذا النجاح اهتمت وسائل الإعلام أيضا بالكاتبة الشابة وسرعان ما اتضح أن كارولين فال لا تولي اهتماما كبيرا للأعراف: فهي تقول ما تفكر فيه. وهي لا تمانع في مواجهة ردود الفعل السلبية: "أستمتع بإثارة الاستقطاب "، كما قالت لصحيفة " زوددويتشه تسايتونغ " الألمانية في نهاية الأسبوع الماضي.
وتضيف الكاتبة الألمانية الشابة: "أحب أنه لا يوجد لديّ تقريبا أي حل وسط، فإما أن يكرهني الناس وفي هذه الحالة يكرهونني بشدة أو أنهم يحبونني ببساطة". وفي بودكاست "هوتيل ماتزه" أوضحت أنها تريد أن تصبح واحدة من أشهر الكاتبات في ألمانيا.
تصريح أثار ضجة لكن ذلك لم يزعج فال التي ردت بالقول: "لا أرغب مطلقا في التظاهر بالتواضع الزائف. ليس من الخطأ التعبير عن أهدافك بطموح"، كما قالت في البرنامج الثقافي "تويست" على قناة "آرتي" التلفزيونية. وتستطرد فال بالقول: "يُعتبر الأمر أكثر إثارة للانزعاج لدى الفتيات الصغيرات منه لدى الرجال عندما تقول شابة: أريد أن أكون الأفضل. أريد تغيير هذا الأمر من خلال ظهوري العلني".
ويشمل ذلك أيضا حديثها بصراحة عن متعة الثراء الذي اكتسبته مؤخرا. في حوار مع مجلة "SZ-Magazin" أوضحت الكاتبة : "ليس الكتابة وحدها هي الجميلة، بل النجاح أيضا. النجاح المالي مهم أيضا". وهي تتحمس للسيارات السريعة وتقود سيارة مكشوفة واشترت عربة سكن متنقلة تفضل إيقافها في أماكن تطل على البحر للعمل هناك.
وقد ردّ الكثير من الناس على ذلك بالنقد عبر وسائل التواصل الاجتماعي . واتهموا فال بأنها تكسب المال من خلال التصوير الأدبي للفقر في رواية "22 مسارا" على الرغم من أنها لم تكن فقيرة أبدا. إنها المناقشة التي خُوضت مرارا حول مسألة ما إذا كان يجوز للكاتبة أو الكاتب أن يكتب فقط عما عاشه بنفسه.
وقد عبرت فال عن رأيها في هذا الشأن في مقابلة مع إذاعة "دويتشلاندفونك"، قائلة إن الكتابة تعني لها قبل كل شيء "استكشاف أماكن لا أعرفها، وممارسة التعاطف مع أشخاص يعيشون حياة مختلفة عن حياتي".
لكن حتى بصرف النظر عن هذا الجدل حول المصداقية يبدو أن وجود شابة تعبر صراحةً عن سعادتها بنجاحها المادي لا يزال أمرا يصعب على الكثيرين رجالاً ونساء في ألمانيا التعود عليه كما تظهر العديد من ردود الفعل السلبية.
وتعتبر فال نفسها أن هذه المناقشة تنطوي على تمييز جنسي. فقد كتبت على " إنستغرام " تحت صورة لسيارتها "بي إم دبليو" ذات اللون الأزرق الفاتح: "أجد الأمر غريبا ولا أفهمه تماما أنه من المقبول والمثير للإعجاب أن يتباهى مغنو الراب أو الرجال الآخرون بسياراتهم من طراز AMG (سيارات رياضية من ماركة مرسيدس) وما إلى ذلك، لكن عندما ترغب كاتبة في شراء سيارة رياضية ينصحها الناس بعدم القيام بذلك وبالأخص بعدم إظهارها علنا".
"ماذا يحدث عندما يصبح شيء ما شائعا جدًّا؟"، يتساءل الباحث الأدبي ماتياس شافريك: "تُطرح هذه الشعبية كموضوع للنقاش. ويمكن ملاحظة ذلك في حالة كارولين فال. كما يمكن ملاحظة ما يعنيه أن تكوني كاتبة مشهورة. ولا تلعب رواياتها وحدها دورا في ذلك، بل أيضا الطريقة التي تُقدِّم بها نفسها ككاتبة".
ومن خلال حضورها على إنستغرام حيث تقوم أحيانا بتجربة مشروبات الطاقة فإنها تتلاعب أيضا بدور المؤثرة. "وهذا يساهم في شعبيتها ويوفر موضوعات للنقاش، لكنه غالبا ما يصرف انتباه الجمهور عن أدبها وهو ما يمثل الجانب المثير للاهتمام حقًّا في ظاهرة كارولين فال".
وتعترف فال نفسها بأن شدة الهجمات قد أثرت عليها. في حوار مع قناة "أس في أر" الألمانية أوضحت أنها لا تريد أن تمارس نقدا اجتماعيًّا موجها في كتبها. "لا أريد أن أحقق أي تأثير بقصصي. أريد في المقام الأول أن أروي".
ألمانيا، لايبتسيغ 2026 ، الكاتبة كارولين فال في جلسة توقيع الكتب بمعرض لايبتسيغ للكتابصورة من: Manfred Segerer/picture allianceتتباين الآراء مرارا في النقد الأدبي الألماني حول الأدب الأكثر مبيعا: ما هو الأدب الترفيهي وما هو الأدب الجاد ذو المطالب الفنية العالية؟ وهناك آراء متباينة في الصفحات الثقافية حول ما إذا كانت روايات كارولين فال تندرج بالفعل ضمن الفئة الثانية. وقالت فال نفسها في مقابلة مع مجلة "شبيغل" إنها تجد "رسم الحدود بين الأدب الترفيهي والأدب الجاد أمرا مزعجا ببساطة".
لم تُرشح أعمال فال حتى الآن لجائزة الكتاب الألماني ، وهي أكبر جائزة أدبية في ألمانيا. في عام 2024 عبرت الكاتبة عن خيبة أملها بشأن ذلك على إنستغرام بطريقتها المعهودة: "أشعر بالحزن والغضب لعدم إدراجي في القائمة الطويلة حتى وإن كنت أعرف ذلك بطريقة ما. "نجاحي كبير جدا"، كما قالت وكيلتي." في ذلك الوقت كان من الممكن أن يُرشح كتاب "22 مسارا" للجائزة وهو كتاب سرعان ما أصبح من المقررات المدرسية وتم تحويله إلى فيلم في الوقت الحالي.
كما أن رواية "المساعدة" لم ترد في القائمة الطويلة لهذا العام أيضا. وكتب ناقد أدبي في صحيفة " فرانكفورتر روندشاو " تعليقا على ذلك: "لماذا يجب أن يكون الأدب الجيد مؤلما دائما ليُعتبر "قيّمًا"؟ إن تجاهل كاتبة مثل فال تجاهلا تاما لمجرد أنها تثير إعجاب ملايين القراء بلغة آسرة يجعلني أشعر بالغضب بكل بساطة".
من المرجح أن يعيد معجبو كارولين فال رواية "1999 مترا فوق سطح البحر" إلى قائمة الكتب الأكثر مبيعا حتى بدون جائزة الكتاب الألماني .
أعده للعربية: م.أ.م
المصدر:
DW