يُعد الشاعر المغربي محمد بنيس، صاحب "ورقة البهاء" و"هواء بيننا"، من أبرز الأصوات الشعرية العربية التي عبرت حدود الجغرافيا لتحصد تقديراً عالمياً وجوائز رفيعة (كجائزة ماكس جاكوب، والعويس، وغيرها). وفي إحدى جلساته الحوارية في أوروبا، سُئل يوما عن تفضيله بين "ترجمة أعماله" أو "نيل الجوائز", فكان رده حاسما: "قيمة الترجمة أكبر؛ لأنها تفتح دروب الحوار مع الآخر، أما الجائزة فمفيدة للشخص فقط".
في هذا الحوار، نغوص مع بنيس في عوالم تجربته الشعرية ومآلات الترجمة، بدءاً من ديوانه الأخير المترجم إلى الإيطالية، وصولاً إلى ذكرياته العميقة التي توأمت بين عتاقة مدينتي فاس وصنعاء إثر زيارته لليمن ورفقته للشاعر الراحل عبد العزيز المقالح. كما يقف الشاعر مدافعاً عن "عزلة القصيدة" في وجه جحافل العصر الرقمي.
علاقتي بترجمة أعمالي تختلف باختلاف اللغات وهو ما أفعله حينما تتوافر فرصة الحوار مع المترجم لإمكانية الاطلاع على الترجمة قبل نشرها
الشاعر العربي الذي طالما توأم بين مدينتي فاس وصنعاء العتيقتين، كتب "ورقة البهاء" كما يقول إثر زيارة لليمن بدعوة من صديقه الشاعر الراحل عبد العزيز المقالح. فعاش لحظات من تأمل جمالية العمارة وحياة الناس والأسواق، متأملاً ومستلهماً مختلف الصنائع والفنون، ما شكل أمامه دهشة ملهمة في تجوال مدينة وحضارة "لها من الدهشة ما لها من اللطف والوداعة".
نص الحوار:
هذا الديوان عن الهواء، ولو أنه يبدو قريبا من فكرة الخضر، أنصار البيئة، إلا أنه تجربة في الكتابة عن عنصر مادي، برؤية تمجد الجسدي. خصيصته أنه مجموعة من القصائد كتبت ضمن الصفحة المفردة (ذات النص الواحد) وليست المتعددة (ذات النصين أو أكثر)، كما هي العديد من أعمالي الشعرية السابقة.
عنوان الديوان هو نفسه عنوان قصيدة، مكتوبة بأبيات طويلة. بمعنى أن الديوان ينفرد بطريقة الكتابة، ينفصل عن الدواوين الأخرى فيما هو استمرار لجمالية كتابتي التي بنيتها عبر تجارب ومراحل. للقارئ حرية التأويل، وأنا الآخر تبينت هذا البعد البيئي، مع أنني اقتربت في كتابته من معنى الهواء ووظيفته في حياة الفرد والجماعة. كنت في حالة اختناق عنيف، واهتديت إلى الهواء، الهواء النقي، هواء الأعالي، هواء النفوس الخلاقة العاشقة.
ديواني الأخير «هواء بيننا» عن الهواء، ولو أنه يبدو قريبا من فكرة الخضر «أنصار البيئة»، إلا أنه تجربة في الكتابة عن عنصر مادي
علاقتي بترجمة أعمالي تختلف باختلاف اللغات والمترجمين. بالنسبة إلى اللغة الفرنسية، غالباً ما تكون لي فرصة للحوار مع المترجم والتدقيق معه في اختيار المعجم أو التراكيب. وهو ما أفعله بعناية أقل مع اللغات الإنجليزية والإسبانية والإيطالية عندما تتوفر فرصة الحوار مع المترجم وأتمكن من الاطلاع على الترجمة قبل نشرها.
أحيانا يقدم المترجم على نشر الكتاب دون استشارتي، فأفاجأ ببعض العناصر غير المتناسقة مع البناء الخاص للديوان. علاقة تكون مرات سعيدة ولا تنعدم المرات التي تكون باعثة على القلق. الترجمة مستوى من مستويات الكتابة، وهي تتطلب الصبر والتأني وقبول بعض الثغرات.
للشعر مرتبة عليا لأنه تجربة باللغة وفي اللغة، تدخل القارئ إلى أبعد الأعماق في استكشاف الذات والأشياء، الأنا والآخر، الزمن والكون. بالترجمة الجيدة يكتسب الشعر حياة مضاعفة، ذات أجنحة قوية، تنأى به عن التدجين وتسافر به إلى الممكن في اللقاء والحوار.
ترجمة الديوان إلى الإيطالية جاءت بمبادرة من المترجمين يولاندا غواردي وحسين بنشينة، لأنهما ربما وجدا فيه ما يلبي ذوقهما الشعري والجمالي. وعثر الديوان، في الوقت ذاته، على ترحيب من طرف مديرة دار النشر، السيدة غرازيا، التي يبدو أنها اطلعت على شعري المترجم إلى اللغتين الإيطالية والفرنسية.
ولا شك أن أفضل جواب عن هذا السؤال هو الذي أثبتته المترجمة في تقديمها للديوان، حيث كتبت: ««هواء بيننا» عمل ناضج، تخلى فيه الشاعر تماما عن كل ما يعتبره بناء يعتقل الكلمة مثلما يعتقل الشعر». هذا يكفي".
تتشابه صنعاء وفاس في السمات والخصوصية والقدامة، وفي الجاذبية والاكتشاف
كتبت «ورقة البهاء» على إثر زيارتي لليمن بدعوة كريمة من الشاعر الصديق عبد العزيز المقالح. زيارة امتدت لأسبوعين، صادفت فيها زيارة صديقي الشاعر قاسم حداد، ومعا زرنا مناطق ومدنا، لها من المدهش بقدر ما لها من اللطف والوداعة.
صنعاء مدينة عتيقة، أنيقة وفخورة بجمالها، مثلما هي فاس. بهذا أخذتني المدينة إلى طفولتي، حيث كنت مأخوذاً بعتاقة فاس ومتعلقاً بأسرار عمرانها وتنوع صناعاتها وفنون الزخرفة. استراحت نفسي خلال هذه الزيارة الأولى إلى صنعاء مما كنت أعانيه من جروح وآلام الحياة الثقافية الصعبة في المغرب، وأهدتني قوة كتابة عمل شعري جديد. «ورقة البهاء» تحية لمدينتين حضاريتين، بجمالية تدل على إبداعية أهلهما معا.
عشقت اليمن وأحببت أهلها وكتابها وشعراءها. في أكثر الأوقات كان الشاعر الفقيد عبد العزيز المقالح حاضراً بمرافقتي في جلسات القات وفي جولات بضواحي المدينة. عبد العزيز المقالح أحد كبار اليمن الحديث، بحبه وثقافته وإبداعيته وبكرم الضيافة.
من أجمل ما تعاونا فيه (أدونيس، عبد العزيز المقالح، وأنا) هو إقامة لقاء شعري سنوي امتد لعامين بين شعراء عرب وفرنسيين في عام 1987، ثم مع الشعراء الإسبان. نعم، كان لنا الكثير من الجميل الحر، الذي كنا نحاول أن نمسك به الزمن كي يكون لنا، زمن الإبداع والحوار والحرية.
صنعاء ذات حضور كبير في «ورقة البهاء»، بدءاً من عنوان الديوان. فليست الورقة سوى ورقة "القات"، التي هي نداء على البهاء. وفي هذا الديوان مغامرة كتابة عمل شعري هو في الوقت نفسه عمل معماري وموسيقي، يمزج الجاذبية بالاستكشاف. عندما صدر الديوان كان غريبا بأشكاله وبكتابته ومرجعياته غير المعتادة وقوبل بالكثير من النفور لغرابته، وقد تطلب تلقيه الأوسع وقتا أطول، فيما عثر بعد ذلك على ترجمة فرنسية باذخة.
جمالية عمارة صنعاء العتيقة وهبت لي السكينة. عندما شرعت في الكتابة، من صباح إلى صباح على مدى شهور، سألت نفسي: كيف اقتلعتني صنعاء من حالة الشجون وألقت بي في دروب وزنقات فاس؟ كل عنصر من عناصر جمالية عمارة صنعاء كان يتكلم في حركات يدي الكاتبة. كما لو أنني كنت أكتب الديوان وأنا في صنعاء. يبدو لي أن الديوان سبقني في الوجود وأنا أتيت لاحقا لأكتبه.
لا شيء من جحافل اللحظة الرقمية يمكنه أن يغير قناعتي بفرادة الشعر. جحافل الزمن الرقمي تنقلنا إلى النسيان والبرودة. ما تهجم به التقنية اليوم على حياتنا يشجع على هجران الشعر، وهو ما يقود مباشرة إلى هجران اللغة ذاتها. بدلاً من الانقياد إلى إغراءات هذه اللحظة، أحتمي بأجمل الدواوين العربية والإنسانية. الشعر يدلني على طرق المقاومة، بنبالة وجرأة، في طقوس الصمت والعزلة.
تعلمني القصيدة التواضع. داومت على قراءة «رمية نرد» عشرين سنة قبل أن أقبل على ترجمتها إلى العربية. كتابتي لا تسعى إلى التشبه ولا إلى التكرار. أفدت الكثير من الشعر في العالم ومن الفنون والفكر… ما فهمته من حياتي في القصيدة هو تجربة التحرر من الدوغمائيات، أكان مصدرها قديما أو حديثا.
سأقول إن عشق الصمت والعزلة يشق الطرق نحو ما لا يستسلم لمنطق السوق، نحو ما بناه القدماء وهم يتوحدون مع القصيدة. لا بديل عن القصيدة… صمت".
لم يتراجع دور الشعر بل تراجع فهم معنى الشعر وضرورته. دور الشعر لا يضمحل لأنه ملازم للغة، يصاحبها إلى حيث الضوء يتوهج، في غفلة عن الضوضاء والضجيج. لنحذر من كلمات تفتقد صلاحية الاستعمال الفردي".
كيف انبثقت شعرية «ورقة البهاء» حيث العتبة النصية تكاد تضيء كلحظة لا تزال متوهجة رغم مرور ما يقرب من أربعة عقود؟
انبثقت من نسيان ما لم يعد يفيد القصيدة، وباندفاعة المغامرة غادرت المعلوم والمتعارف عليه، لتسافر وحيدة. شعرية انبثقت من المجهول، المنسي، المهجور. زمن العمل الشعري منفتح بقدر ما تكون طاقته أبعد من لحظة (ومكان) كتابته. أتجنب التنبؤ بالبقاء أو الاندثار".
كانت الصديقتان فرنشيسكا كوراو وماريا دونزالي طلبتا مني جمع نصوصي الشعرية ومحاولاتي التأملية عن البحر الأبيض المتوسط. كنت أنا الذي اخترت العنوان لأني حاولت التركيز على مكانة الكلمة في تأمل البحر الأبيض المتوسط. وما حاولت توضيحه هو أن الثقافة المتوسطية كانت ثقافة التبادل والتأثر والتأثير. بمثل هذه الرؤية يمكن أن ندفع العلاقة بين الضفتين إلى الحوار والتفاعل والضيافة بدلاً من التنافس في تأبيد الكراهية والعدوانية".
كنت ذات مرة في جلسة حوار ثقافي مع كاتبة أمريكية حاصلة على جائزة البوليتزر… سُئلنا: ماذا تفضلان، ترجمة أعمالكما أم الحصول على جائزة؟ إجابتي كانت أن قيمة الترجمة أكبر من نيل جائزة، لأن الترجمة تفتح دروب الحوار مع الآخر، أما الجائزة فهي مفيدة للشخص، والترجمة أصلا ضرورية للحصول على جوائز خارج بلد المؤلف. الترجمة إلى الإيطالية فتحت لي باب الحوار وهي التي كانت سبباً لنيلي ثلاث جوائز إيطالية. في أفق الترجمة لا تعلو جدران ولا تُغلق أبواب".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة