آخر الأخبار

"مجرد وقت ويمضي".. الثورة والخسران والسرطان في يوميات شاكر الناصري الأخيرة

شارك

على سرير المرض، وفي ذروة معركته مع السرطان، لم يجد المناضل والكاتب العراقي شاكر الناصري سلاحاً سوى الكلمات، بل كان فرصة لكي يكتب حتى إن كل أعماله المنشورة نشرت أو كتبت أثناء مقاومته لمرض السرطان عبر مراحله المختلفة التي استمرت من أكتوبر/تشرين الأول عام 2023 إلى غاية أبريل/نيسان 2026.

وقد صدر له بين عامي 2025 و2026 عدد من الكتب هي: "مجرد وقت ويمضي.. يوميات السرطان" و"كوابيس سيرة النحس" و"أطياف تشرين، يوميات الاحتجاج العراقي 2019″ وكلها كتب تدخل ضمن التأريخ الشخصي والتأريخ الجمعي حتى فقدت الساحة العربية والعراقية واحدا من أهم الأصوات اليسارية في منفاه الدنماركي.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 ثرفانتس و"دون كيشوت".. هل كان مؤسس الرواية الأوروبية من أصل موريسكي؟
* list 2 of 2 في عصر السيلفي.. لماذا ابتلعتنا صورُنا؟ end of list

يوميات التأريخ الشخصي

هذه التجربة الأليمة سبقه إليها الكاتب المغربي محمد خيرالدين أثناء تدهور حالته بسبب مرض السرطان الذي أفرد يوميات "يوميات سرير الموت" حول المرض وعلى ذلك النحو كتب العديد من مرضى السرطان خاصة تجاربهم عبر فن اليوميات لعل آخرهم المصري محمد أبو الغيط في كتابه "أنا قادم أيها الضوء". على هذا النحو اجترح شاكر الناصري يوميات مرضه عامي 2023 و2024 ضمن كتابه "مجرد وقت وسيمضي" يوميات السرطان.

مصدر الصورة غلاف كتاب مجرد وقت وسيمضي صادر عن دار الرافدين (الجزيرة)

حاول في هذا الكتاب اليومياتي أن يواجه واقعه الهش صحيا بشجاعة كبيرة متأملا في حياته وفي جسده ومواقفه السياسية والأيديولوجية، معترفا أن المرض وحده هو الذي جعله يكتب. يقول:

"أكتب لأني مصاب بالسرطان بكل ما تحمله هذه الكلمة من معاني الموت واليأس وقسوة العلاج الكيمياوي والانهيارات المتواصلة لجسدي".

لقد رأى شاكر الناصري نفسه كما مسخ كافكا، لذلك اندفع إلى الكتابة عن نفسه وجسده وعجزه ويأسه كما يقول، فذلك المرض مؤلم للشخص المصاب وعائلته وكل محيطه والمصاب يعلم ذلك جيدا، لذلك كان عليه أن يصرّف ذلك الوعي بالألم والمحنة في الكلمات وهي ما يتبقى للكاتب من رصيد عندما ينهار الجسد وتدمى النفس. عندما يندفع المصاب بالسرطان إلى مصير أبطال مسرحية "في انتظار غودو" لصمويل بيكيت.

إعلان

يقول الناصري متحدثا عن يومياته: "هذا ليس نداء استغاثة، بل هو سعير احتراق ما يحدث لي وبداخلي، ولا أعرف عنه أي شيء، ولا أعرف ما سيحدث فعلا، وكل ما أفعله هو الانتظار، انتظار أن ينتهي كل شيء وأستعيد توازني وحياتي الخالية من السرطان"

هذا ليس نداء استغاثة، بل هو سعير احتراق ما يحدث لي وبداخلي، ولا أعرف عنه أي شيء، ولا أعرف ما سيحدث فعلا، وكل ما أفعله هو الانتظار

يكتب يوم 22 أكتوبر/تشرين الأول 2023 " لا شيء أسوأ وأبشع من أن تصبح حياة الإنسان رهينة الاحتمالات والشكوك التي يمكن تصورها، وبالتالي لا يمكن احتمالها، إلا إذا كتب لهذا الإنسان حياة جديدة، أو كان قويا أو محظوظا بما يكفي لأن يمر من شرك الاحتمالات".

فيقسم الناصري أحيانا يومياته إلى تيمات معينة كأنما وضع لها مخططات سابقة لكي يكتبها متأملا فيها، فنقرأ عناوينه الداخلية التالية مثلا: رعب الاحتمالات، الأمل، لغم في المعدة" قبل أن تتحول العناوين إلى عناوين دالة على حركة المرض، وتقدمه: "اليوم الكيمياوي الأول، رنين مغناطيسي، عملية كبرى، إزالة المعدة، عوارض محبطة، رعب الكيمياوي، .. الرجوع إلى النقطة الصفر"

سنحارب كانت أول كلمة نطقتها زوجتي ابتهال بعد أن تجاوزت، وتجاوزنا معا الصدمة

اليوميات والتأريخ الجمعي

بدأ الناصري كذلك في تدوين اللحظة الجمعية في يوميات مرضه "مجرد وقت وسيمضي" عندما كان يدون مشاعره ومواقفه مما يجري في غزة والحرب عليها، فدوّن محنها ومحن المتضامنين معها. وكان ينتقل بسلاسة بين الحرب على السرطان ومقاومته له والحرب على غزة ومقاومتها للعدوان، ولذلك كان معجمه متجانسا مع تجربة الحربين حتى إنه وقف متأملا في خطابه في يومية تحت عنوان "سنحارب".

وبما تحيله تلك الكلمة من دلالة على الحرب الأولى ضد إسرائيل والتي رددتها كثيرا الأفلام المصرية "حنحارب" فيقول: تقول ريماشيري؛ تجربتي مع السرطان فتحت عيني على المصطلحات المرتبطة به. كلمات مثل معركة، قتال، ناجٍ، فوز، خسارة، محارب وما إلى ذلك. شعرت أنها تحفز الشعور بالذنب والفشل وحالات أبعد من قدرة المريض على السيطرة… "سنحارب كانت أول كلمة نطقتها زوجتي ابتهال بعد أن تجاوزت، وتجاوزنا معا الصدمة، عندما أخبرتها الطبيبة في قسم المعدة والأمعاء في مستشفى هيرلو، بأنني مصاب بسرطان المعدة"

هذه الحرب الذاتية التي يعيشها وأسرته ضد السرطان كانت تناظر حرب غزة، ولذلك خصص لها يوميات وجعل ما يحدث لأصدقائه مداخل للتعبير والتفكير في الحرب كاعتقال صديقه الروائي العراقي سنان أنطون يكتب شاكر الناصري: "كنت في أوج متاعب الجرعة الخاصة من العلاج الكيمياوي، وفي أدنى حالات تركيزي، عندما شاهدت اعتقال الصديق الشاعر والروائي العراقي سنان أنطون والأستاذ في جامعة نيويورك في بداية موجة احتجاجات طلاب الجامعات الأمريكية على المجزرة الوحشية التي نفذها الكيان الإسرائيلي ضد الفلسطينيين في مدينة غزة المدمرة… مشهد أعاد إلى الأذهان مواقف كثير من الكتاب والشعراء والمفكرين والمثقفين الذين لا يساومون، ولا يهادنون، ولا يزيفون الحقائق حول القضايا المصيرية والإنسانية والمبدئية التي يؤمنون بها.." وتتحول اليومية بذلك الحدث إلى ذريعة لاستحضار علاقته بسنان أنطون قبل سنين.

لم يكن شاكر الناصري في هذه اليوميات أديبا ولا هو معني بسبك أسلوب أو ببناء جملة بلاغية، كان في اليوميات يتكلم، كأي مواطن

هذا الانشغال بالوضع الجمعي لم يكن جديدا على المثقف العضوي شاكر الناصري، المثقف اليساري الذي ظل يحلم بالتغيير في العراق لآخر لحظة بحياته، وأسمى ما يمثله ذلك الارتباط بالشأن العراقي والحلم في التغيير ما دونه في كتابه "أطياف تشرين، يوميات الاحتجاج العراقي 2019" الصادر قبيل وفاته بأسابيع، وهي يوميات تابع فيها الانتفاضة الشبابية بالعراق يوما بيوم.

مصدر الصورة غلاف كتاب أطياف تشرين تقمص خلاله الناصري دور قائد يوجه الشباب الثائر في العراق (الجزيرة)

نشر الكتاب تحت اسم سلسلة دال "تاريخ" ليؤكد الناشر على الطابع التأريخي لليوميات، وإن كانت اليوميات الأولى نشرت في سلسلة "سيرة" بما تحمله كلمة سيرة من دلالة على الذات فإن كلمة التأريخ ترسخ اليوميات في دورها الكبير في توثيق التاريخ الجمعي.

إعلان

لم يكن شاكر الناصري في هذه اليوميات أديبا ولا هو معني بسبك أسلوب أو ببناء جملة بلاغية، كان في اليوميات يتكلم، كأي مواطن، بلغة بسيطة براغماتية واضحة، لكن المتأمل في هذه اليوميات سيلاحظ أيضا أنه ليس كلام مواطن عادي بل قائد يوجه الشباب الثائر في العراق، يوجهه عبر تدوينته في فيسبوك التي جمعها في هذا الكتاب وهو بعيد في كوبنهاغن الدنمارك.

كان إيمانه بأن الربيع العربي فشل لأنه كان بلا قيادة ثقافية.

إن تقمص شاكر الناصري لدور المعلم والقائد في ثورة الشباب بالعراق ولو عن بعد نابع من إيمانه بأن الربيع العربي فشل لأنه كان بلا قيادة ثقافية وهو ما ذكره صريحا في مقدمة كتابه عندما استشهد بالباحث آصاف بيات من كتابه ثورة بلا ثوار، كيف نفهم الربيع العربي" عندما قال: "إن الثورات العربية افتقرت أولا إلى مرساة فكرية مشتركة".

لينتهي به الأمر إلى أن فشل الربيع العربي وإخماده وفشل انتفاضة تشرين وإخمادها ليس نهاية الحكاية وليس الأمر غاية في السوداوية بل كان اختبارا على هشاشة الأنظمة الديكتاتورية وأن الأمل قائم لإحداث ثورة جديدة يكتب لها ثوارها بوعيهم وتعلمهم من سابقاتها النجاح والانتصار.

تلك كانت وصية شاكر الناصري قبل وداعه مع انتهاء رحلته في محاربة السرطان. ليصفه سنان أنطون في كلمة ظهر الكتاب قائلا: "يشتبك المثقف العضوي حيثما كان، وبكل ما لديه من أدوات وأسلحة فكرية، مع قوى الطغيان والظلم، بكافة نسخها وتمظهراتها، ويظل قلبه وذهنه مع وطنه وفيه، حتى في الشتات. شاكر الناصري واحد من هؤلاء، يدافع عن جسده وحياته وقلبه في العراق وعليه".

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار