آخر الأخبار

الوداع الأخير للجسد: حوارية لو بروتون حول الكلمة والوجه في "مجتمع الأشباح"

شارك

يمثل المشروع الفكري لعالم الاجتماع والأنثروبولوجيا الفرنسي دافيد لو بروتون إحدى أكثر المغامرات المعاصرة جرأة في مقاربة الشرط الإنساني، لا عبر تعال فلسفي تجريدي، بل من خلال ما يمكن تعريفه بـ "سوسيولوجيا وجودية" تنصت إلى المعنى وهو يتسرب من الجسد، ومن ارتعاش الحواس، ومن صمت التفاصيل اليومية الهامشية.

فمنذ عمله التأسيسي "الجسد والمجتمع" (Le Corps et la société) الصادر عام 1985، كسر لو بروتون القوالب الكلاسيكية للسوسيولوجيا، واضعا الجسد في قلب التفكير النقدي، لا بوصفه معطى بيولوجيا محضا، بل باعتباره نسيجا دلاليا كثيفا، ومرآة ثقافية تعكس تحولات الكينونة الإنسانية في عالم يزداد ضجيجا وتقنية، ويتآكل فيه المعنى.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 بالصور الفضائية.. كيف قتلت "سموم إسرائيل" مئات الهكتارات بالقنيطرة؟
* list 2 of 2 سماء معادُ هندستها.. طبقات دفاعية إيرانية من مضيق هرمز إلى تخوم القوقاز end of list

على امتداد مسيرته، نسج لو بروتون ما يشبه "أنثروبولوجيا حسية" متكاملة، جعلت من الألم، والصمت، والضحك، والحواس، والمخاطرة، والانسحاب، مفاتيح لفهم قلق العصر الحديث.

وقد ترجمت إلى العربية أعماله الأساسية مثل "أنثروبولوجيا الجسد والحداثة"، و"سوسيولوجيا الجسد"، و"أنثروبولوجيا الألم"، إلى جانب كتب أكثر راديكالية في تشخيص الاغتراب المعاصر، من بينها "تجربة الألم"، و"الصمت: لغة المعنى والوجود"، و"الضحك: أنثروبولوجيا الضاحك"، و"أنثروبولوجيا الحواس".

في المقابل، ما تزال أعمال أخرى أقل تداولا عربيا – مثل "شظايا الصوت: أنثروبولوجيا الأصوات" (Éclats de voix)، و"الابتسامة: أنثروبولوجيا الغموض" (Sourire, une anthropologie de l’énigmatique)، و"الصمود: الألم المزمن وإعادة ابتكار الذات" (Tenir) – تشهد على بحثه الدؤوب عن المعنى في عالم "منزوع السحر"، تتراجع فيه الخبرة الحسية لصالح الواجهات والتجريدات.

مصدر الصورة غلاف كتاب "الجسد والمجتمع (الجزيرة)

ويبلغ هذا المشروع ذروته النقدية في كتابيه الأخيرين المترجمين إلى العربية: اختفاء الذات عن نفسها وكتاب "نهاية المحادثة؟ الكلمة في مجتمع طيفي"، حيث يتقصى لو بروتون أشكال الهروب الهادئ من ثقل الهوية، ويحلل أزمات المعنى التي تعيد تشكيل علاقة الإنسان المعاصر بذاته وبالعالم من حوله.

إعلان

في هذا السياق، يسعى هذا المقال إلى الإبحار في المسار الفكري الفريد لدافيد لو بروتون، وتفكيك مفاهيمه المركزية حول الجسد والهوية والانسحاب من العالم، وقراءتها في ضوء التحولات الوجودية العميقة التي تفرضها الحداثة المتطرفة.

الجسد بوصفه مأزق "الوداع الأخير"

في البدء، يضع دافيد لو بروتون، في أعماله التأسيسية مثل "أنثروبولوجيا (Anthropology) الجسد والحداثة" و"سوسيولوجيا (Sociology) الجسد"، أطروحته المركزية التي ترى الجسد لا كحقيقة بيولوجية معطاة سلفا، بل كبناء اجتماعي وثقافي ورمزي شديد التحول.

ففي المجتمعات التقليدية، أو ما يسميه بالمجتمعات "الجماعية"، لم يكن الجسد حدا فاصلا للفرد، بل كان مندمجا كليا في نسيج الجماعة؛ إذ لا معنى لتفرد الفرد خارج "نحن" المشتركة، وكان الجسد آنذاك وسيطا حيا للتواصل مع الكون والطبيعة والأسلاف. غير أن الانتقال الجذري نحو الحداثة، الممتد من النزعة التشريحية في عصر النهضة إلى الثنائية الديكارتية ("العقل/الجسد")، أفضى إلى انفصال ثلاثي مدمر: انفصال الإنسان عن ذاته، وعن الآخرين، وعن الكون.

في هذا السياق، تحول الجسد في المخيال الغربي إلى "مادة" أو "آلة" منفصلة عن الفاعل الإنساني، وهو ما مهد لظهور نموذج "الإنسان التشريحي" الذي يختزل في وظائف بيولوجية قابلة للقياس والتعديل، بل وللاستبدال داخل المختبرات الطبية المعاصرة.

هكذا، يغدو الإنسان رهينة للآلة، وتنبثق من هذه الوضعية مخاوف وجودية عميقة تطبع التجربة الإنسانية في العالم المعاصر.

ولا يتوقف هذا التشييء عند حدود المجال الطبي، بل يمتد ليخترق تفاصيل الحياة اليومية؛ إذ يتحول الجسد في المجتمعات الليبرالية الحديثة إلى "إكسسوار (Accessory)" أو مشروع مفتوح يتطلب إدارة دائمة وتحسينا مستمرا.

اليوم، يعيش الأفراد تحت عبء السعي إلى "امتلاك" جسد مثالي عبر التمارين القاسية وعمليات التجميل، لا بوصف ذلك تعبيرا عن الصحة، بل علامة على القيمة الاجتماعية والكفاءة الذاتية، حيث يدار الجسد بوصفه "شركة" تخضع لمنطق المعايير الرأسمالية.

ومع صعود العصر الرقمي، نبلغ ما يسميه لو بروتون "الوداع الأخير للجسد"، حيث يجري تهميش الوجود المادي لصالح "الجسد المعلوماتي" أو الطيفي.

ففي الفضاء السيبراني، تتلاشى الهوية الجسدية داخل سلاسل من البيانات، ويُختزل الوجود الإنساني في "معلومات" —كالحمض النووي أو الملف الشخصي (Profile) الرقمي— مما يؤدي إلى تآكل المسؤولية الأخلاقية؛ إذ إن التواصل عبر الشاشات يفرغ الكلمات من حرارتها، ويحوّلنا إلى أشباح تتخاطب دون أن تلتقي، حيث يغدو "الحظر" أو الإساءة فعلا سهلا في غياب وجه الآخر وجسده، بوصفهما ما يفرضان الالتزام الأخلاقي والاعتراف بالكرامة.

وفي قلب هذا التشخيص، يحتل الوجه، في فلسفة لو بروتون، موقع مركز الثقل الوجودي والأخلاقي، بوصفه الموضع الذي تتجلى فيه الهوية والفرادة.

تاريخيا، برز الوجه مع عصر النهضة متوازيا مع صعود الفردانية، غير أنه يتعرض اليوم لمحو أو "تلاشٍ"، حيث تُستبدل الملامح الحية بالرموز التعبيرية (Emoji) أو بصور مُعدّلة برمجيًا تحجب حقيقة المشاعر والروابط.

مصدر الصورة كتاب "الصمت: لغة المعنى والوجود" (الجزيرة)

إن غياب الوجه المادي هو غياب للاعتراف المتبادل، ما يرسّخ "المجتمع الطيفي" الذي تسوده كائنات ظلية، وتتحول فيه العلاقات الإنسانية إلى تبادلات وظيفية خالصة تحكمها الخوارزميات، في نذير بانهيار إنساني محتمل داخل عالم منزوع حرارة اللقاء وجسدية الوجود.

إعلان

استعادة العالم عبر المشي، والصمت.

في مقابل هذا الانجراف نحو "الرقمنة" والسرعة الجنونية التي تحول الجسد إلى عجز، يطرح لو بروتون ممارسات المشي والصمت كأدوات "سياسية" ووجودية للمقاومة واستعادة السيادة على الذات.

فالمشي، في نظره، ليس مجرد انتقال في المكان، بل هو "فن هادئ للسعادة" ووسيلة لكسر طغيان التقنية التي تفرض علينا الفعالية الدائمة.

عندما يمشي الإنسان، فإنه يستعيد إيقاعه البيولوجي الخاص، ويتحرر من قيود الزمن الاجتماعي الضاغط.

المشي هو "إجازة من الذات" و"مفتاح للبراري"، يمنح الفرد الحق في البطء والتأمل. وفي الواقع المعيش، يمثل التسكع الحضري أو المشي في الطبيعة ممارسة لاستعادة "الحميمية" مع الأرض؛ فالماشي يشمّ الروائح، ويشعر بالريح والمطر، ويرى انبلاج الفجر، مما يعيد تفعيل الحواس الخاملة التي عطلتها ثقافة الشاشات التي لا تغذي سوى حاسة البصر.

وتكتمل هذه المقاومة الحسية باستعادة "الصمت" كقيمة وجودية مهددة في "مجتمع الأشباح" الرقمي، إذ يرى لو بروتون أن الصمت هو الذي يمنح للكلمات ثقلها ومعناها؛ فبدون فترات توقف، يتحول الحديث إلى مجرد تدفق معلوماتي لا يترك أثرا في الروح.

في العصر الرقمي، أصبح الصمت يثير الريبة والهلع؛ فإذا تأخر شخص في الرد على رسالة، يبدأ الطرف الآخر بالتأويل السلبي لأن "الاتصال" صار مرادفا قهريا للوجود. عند لو بروتون، الصمت هو "مأوى المعنى" والقدرة على الإصغاء الحقيقي للآخر وللذات، وهو فعل يتطلب حضورا جسديا كاملا.

ممارسة الصمت، كإغلاق الهاتف أو الجلوس في خلوة، هي محاولة لحماية الوعي من "الثرثرة" التي تقتل التفكير، ولإعادة بناء "الزمن الداخلي" الذي يسمح بنمو العواطف العميقة والاعتراف المتبادل بين الذوات.

وعلاوة على ذلك، يقدم لو بروتون "أنثروبولوجيا للحواس" تؤكد أن إدراكنا للعالم هو إدراك حسي بالدرجة الأولى، وأن "الحقيقة" لا تتبدى إلا من خلال الظروف الحسية الملموسة.

وهو ينتقد سيطرة البصري في المجتمعات الحديثة، حيث يتم تهميش حواس اللمس والشم والذوق، مما يقلل من عمق تجربتنا الإنسانية ويحوّل العالم إلى "صورة" باردة. ففقدان حاسة اللمس، على سبيل المثال، يعني فقدان القدرة على الشعور بالواقع والارتباط المادي بالحياة، مما يكرّس حالة من الاغتراب.

ومن هنا، تتجلى أهمية استعادة "نكهة العالم" من خلال الانغماس في الممارسات التي تعيد الاعتبار لهذه الحواس، مثل طقوس الطبخ، أو التلامس الجسدي الحميم، أو تذوق الطبيعة بكل تجلياتها، لتجاوز الحضور البصري الطاغي واستعادة "طعم الحياة" الذي سلبته الحداثة عبر أجهزتها الاصطناعية التي تحلّ مكان الجسد وتجعل منه عاجزا.

الهروب من عبء الكينونة

في المحور الأكثر مأساوية وعمقا في مشروعه، يحلل دافيد لو بروتون كيفية تعامل الإنسان المعاصر مع "أزمة المعنى" وضغوط الهوية الصارمة، وهو ما يناقشه في كتابه "اختفاء الذات عن نفسها".

عندما يصبح "أن يكون المرء نفسه" جهدا مضنيا وواجبا لا ينتهي من الكفاءة والأداء الاجتماعي، يميل الأفراد نحو استراتيجيات "الهروب الناعم" أو الانسحاب الطوعي من ثقل الوجود.

وهنا يظهر مفهوم "البياض" (La Blancheur) أو "الشغف الأبيض"، وهو حالة من الغياب عن الذات والنفور من المشاركة في الحاضر أو المستقبل. "البياض" ليس اكتئابا بالمعنى الطبي التقليدي، بل هو آلية دفاعية و"توقف وقائي" يسمح للذات المنهكة بالتقاط أنفاسها عبر الدخول في منطقة رمادية بين الوجود والعدم.

مصدر الصورة كتاب أنثروبولوجيا الألم (الجزيرة)

إنه بحث عن "نقطة الصفر" حيث تتوقف الرغبة، وتصمت اللغة، ويتحول الوعي إلى فضاء فارغ يحمي نفسه من الاحتراق الداخلي.

تتعدد أشكال هذا الاختفاء في الواقع المعاصر، من الصمت الطويل والنظر للجدران دون تفكير، إلى الهروب نحو النوم والإدمان كوسائل لنسيان الألم وضغوط المسؤولية.

إعلان

كما يتناول لو بروتون السلوكيات الخطرة، خاصة لدى الشباب، بوصفها "الأورداليا" (Ordalie) أو اختبارا للقدر؛ حيث يضع الشاب حياته على المحك—عبر الرياضات المتطرفة، أو القيادة الجنونية، أو المخدرات—ليس رغبة في الموت، بل بحثا عن "برهان على الصدق" وضمانة للهوية.

في لحظات الخطر القصوى، يصبح الألم الجسدي الحاد وسيلة لـ"إمساك الزمن" ولتحويل المعاناة النفسية غير المرئية إلى جرح ملموس يثبت للفرد أنه لا يزال حيا.

إنها محاولة يائسة لملء "الخلاء الداخلي" ولتحويل "ألعاب الموت" إلى "لعبة للحياة" عبر استنطاق القدر وسؤاله عن استحقاق الوجود.

ويذهب لو بروتون إلى أبعد من ذلك في تحليل أشكال الاختفاء الراديكالي، مثل حالة الهيكيكوموري (Hikikomori) في اليابان، حيث ينسحب الشباب تماما من المجتمع ليعيشوا في غرف معزولة كـ"رهبنة ما بعد حداثية".

كما يرى لو بروتون مرض الزهايمر كـ"انفصال وجودي" يختاره الجسد عندما يصبح وعي الذات والتزامات الهوية عبئا لا يُطاق.

ويستشهد بنماذج واقعية وأدبية، مثل كريس ماككاندليس بطل فيلم إلى البرية (Into the Wild) الذي أحرق أوراقه النقدية وترك المجتمع ليعيش في براري ألاسكا بحثا عن "بياض ثلجي" يحرره من زيف الهوية المرسومة له، أو اختفاء عالم الفيزياء إيتوري ماجورانا الذي غاب تماما عن الوجود الاجتماعي.

كل هذه النماذج تعكس صراع الإنسان المعاصر مع هويته الهشة؛ فالفرد اليوم أصبح مسلسلا متنقلا بين الأدوار المطلوبة، والاختفاء هنا ليس انتحارا، بل فعل مقاومة صامت يهدف إلى التحلل من هذه الأدوار للولادة من جديد في فضاء خالٍ من "إكراهات الحضور" الدائم.

نحو استعادة «طعم الحياة» في مجتمع الأشباح

في الختام، يظهر مشروع دافيد لو بروتون كدعوة فلسفية جذرية لإعادة الاعتبار لـ "اللقاء الجسدي" المباشر في زمن يزداد فيه التشتت الرقمي وانحسار الحضور الحقيقي.

إن تشخيصه لـ "نهاية المحادثة" وتلاشي الكلمات أمام الشاشات ليس مجرد رثاء للماضي، بل تحذير من أزمة إنسانية محتملة، حيث يفقد الفرد القدرة على التعاطف والمسؤولية الأخلاقية بفعل غياب وجه الآخر وجسده.

كيف يمكن للإنسان المعاصر أن يستعيد قدرته على المواجهة الحسية واللقاء المباشر في ظل ثقافة الاتصال المستمر والسرعة المفرطة؟ وهل يمكن للحميمية الجسدية أن تصمد أمام طغيان العالم الافتراضي، أم ستبقى مجرد فكرة رومانسية؟

وفق لو بروتون، فإن استعادة التوازن لا تمر عبر حلول تقنية إضافية، بل عبر ممارسات "سيادية" تعيدنا إلى "الجسد الرمزي" و"الحسية اليومية": المشي، إحياء الصمت، إبطاء إيقاع الرد الفوري، وتقدير اللحظات العابرة التي تمنح الحياة نكهتها.

هنا، يبرز سؤال إلى أي حد يمكننا مقاومة منطق "المردودية" و"الإنتاجية الاجتماعية" دون الانسحاب من العالم الرقمي نفسه؟ وهل يتحقق الفعل السيادي في ممارسة البطء وحده، أم أن ثمة شروط اجتماعية وثقافية لازمة لتمكينه؟

البياض والاختفاء والمخاطرة، بحسب لو بروتون، كلها إشارات على "تعب الهوية" في المجتمعات الفردانية، ومواجهتها تتطلب شجاعة العودة إلى "الكلمة التي تسكن الجسد" والصمت الذي يغذي الروح.

إن دعوته لأن نكون "موجودين في مكان ما" بدل "متصلين في كل مكان وبلا مكان" هي تساؤل مفتوح حول معنى الحضور والهوية في زمن متصل بالكامل.

يبقى مشروعه منارا يذكرنا بأن كينونتنا ليست في المعلومات التي نبثها، بل في "نكهة العالم" التي نتذوقها بحواسنا، وفي "الصدق الجسدي" الذي نقدمه للآخر في كل لقاء حقيقي. كيف يمكننا، إذن، إعادة صياغة حياتنا اليومية لتكون تجربة وجودية حقيقية، لا مجرد أداء اجتماعي متعب، في مجتمع أصبح فيه العالم كله شاشة عرض؟

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار