آخر الأخبار

تحليق إماراتي اضطراري في طهران : سقوط الرهانات وسراب الحماية

شارك

إن قراءة هذه الخطوة المفاجئة تفكك مشهداً إقليمياً بالغ التعقيد، وتكشف عن تحول عميق في العقيدة الأمنية لأبوظبي، التي يبدو أنها استفاقت على واقع جيوسياسي جديد فرضته لغة القوة والمصالح المباشرة، بعيداً عن الوعود والتحالفات الدولية التقليدية التي طالما ركنت إليها في صياغة مواقفها السابقة.

البعد الأول والأبرز في هذا التحول يكمن في الإقرار الصريح، وإن كان غير معلن، بـ "سراب الحماية الأمريكية". لعقود خلت، بنت دول الخليج، ومن بينها الإمارات، استراتيجياتها الدفاعية على مظلة أمنية غربية، وتحديداً أمريكية، تضمن ردع أي تهديد خارجي.

لكن المنعطفات الأخيرة في المنطقة، بدءاً من عدم الرد الأمريكي الحاسم على استهداف منشآت نفطية حيوية في المنطقة خلال السنوات الماضية، وصولاً إلى الحسابات المعقدة للصراع الراهن، أثبتت لأبوظبي أن واشنطن تضع مصالحها الداخلية فوق التزاماتها الأمنية تجاه حلفائها.

تحرك الطائرة الرئاسية مباشرة من أبوظبي إلى طهران يعكس قناعة إماراتية متأخرة بأن الأمن لا يمكن استيراده، وأن الاعتماد على قوى دولية في مواجهة جار إقليمي مسلح وقادر على إلحاق أضرار كارثية هو رهان خاسر.

إن هذه الزيارة، في توقيتها وسياقها، تمثل انعطافة تكتيكية قاسية فرضتها الضرورة الميدانية، وتؤكد أن الحسابات الواقعية تغلبت في نهاية المطاف على لغة الخطاب السياسي والإعلامي المتشنج.

بالانتقال إلى ما وراء الدوافع المباشرة، نجد أن هاجس حماية البنية التحتية والاقتصاد هو المحرك الأساسي لهذه الهرولة الاستباقية. فالإمارات، التي قدمت نفسها للعالم كمركز مالي واقتصادي وسياحي عالمي، تعي تماماً أن هذا النموذج الزجاجي البراق لا يمكنه الصمود أمام صدمة عسكرية واحدة.

إن أي رد فعل إيراني يستهدف منشآت النفط الحيوية أو الموانئ والمطارات الإماراتية لن يعني فقط خسائر بمليارات الدولارات، بل سيهدم عقوداً من الجهود لبناء بيئة استثمارية آمنة. هذا القلق المتزايد دفع الوفد الإماراتي لتقديم تطمينات حاسمة لطهران، مفادها أن أراضي الدولة وأجواءها لن تكون منطلقاً أو داعماً لأي عمل عسكري إسرائيلي أو أمريكي قد يستهدف العمق الإيراني مستقبلاً.

هنا تتضح المفارقة الكبرى والمعادلة الصعبة التي تواجه السياسة الخارجية لأبوظبي؛ فبعد سنوات من الخطاب الهجومي الذي صنف النظام الإيراني وأذرعه في المنطقة كمهددات إرهابية مطلقة، وشيطن كل من حاول النأي بنفسه عن الصراع، تجد الإمارات نفسها مضطرة لسباق الزمن والجلوس مع هذا النظام نفسه لخطب وده وتفادي غضبه.

هذا التراجع لا يمكن تفسيره إلا كـ إقرار بفشل الحسابات والرهانات السابقة التي بنيت على فرضية سقوط النظام الإيراني أو انكساره تحت وطأة الضغوط القصوى والتحالفات الناشئة، مثل "الاتفاقيات الإبراهيمية" التي كان يُنظر إليها كجدار صد موحد ضد النفوذ الإيراني.

ويمكن تلخيص الأبعاد الجيوسياسية لهذه الخطوة المدوية في النقاط التالية:

تصدع جبهة الردع الإقليمية: إن خروج الإمارات علناً من أي تحالف عسكري محتمل ضد إيران يوجه ضربة قوية للمساعي الإسرائيلية والأمريكية لعزل طهران، ويترك أطرافاً إقليمية أخرى أمام خيارات صعبة ومكشوفة.

تكريس النفوذ الإيراني: تظهر طهران من خلال هذه الزيارة بمظهر القوة الفرضية التي تجبر خصومها على القدوم إليها لطلب الأمان، مما يعزز موقفها التفاوضي في أي ملفات إقليمية أو دولية أخرى.

انكشاف حدود القوة المتضخمة: تكشف هذه الخطوة أن الطموحات الإقليمية والأدوار السياسية الكبيرة التي حاولت أبوظبي لعبها في ملفات المنطقة تتوقف فجأة وتنكفئ على نفسها عندما تصل الأمور إلى تهديد وجودي ومباشر لأمنها الداخلي واقتصادها.

في نهاية المطاف، تثبت هذه الزيارة أن البرغماتية السياسية المفرطة قد تتحول في لحظات الأزمات الكبرى إلى أداة للاحتواء والاعتراف بالأمر الواقع.

لقد أدركت أبوظبي، ومن خلال لغة الأرقام وحسابات الربح والخسارة، أن كلفة معاداة إيران والتماشي مع السيناريوهات العسكرية الغربية أو الإسرائيلية هي كلفة باهظة تفوق قدرتها على التحمل، وأن المغامرة بمستقبل الدولة وراء أوهام الحماية الخارجية كانت خطأ استراتيجياً.

لذا، جاءت هذه الخطوة كـ "كابح طوارئ" سياسي لحماية المكتسبات الداخلية وتفادي سياسة انتقامية إيرانية قد تكون أشد وطأة وأطول أمداً. إنها اللحظة التي تدرك فيها الدول المزدهرة اقتصادياً أن الجغرافيا ثابتة لا تتغير، وأن التحالفات البعيدة متقلبة، وأن مهادنة الجار القوي تظل دائماً الخيار الأكثر أماناً للبقاء.

- نقلا عن عرب جورنال


الأكثر تداولا لبنان أمريكا اكسيوس إيران

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا