تواجه دول الاتحاد الأوروبي صدمة طاقة ثانية منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وذلك بعد نحو 4 سنوات على الصدمة الأولى التي تعرضت لها نتيجة الحرب الروسية والأوكرانية، الأمر الذي يبرز انكشاف الاتحاد أمام أزمات الطاقة، وتأثيرها الكبير على الاقتصادات الأوروبية.
ويمكن فهم هذا التأثير بالنظر إلى اعتماد الاتحاد الأوروبي بشكل شبه كامل على الاستيراد لتغطية احتياجاته من الطاقة. إذ يستورد الاتحاد تقريبا كل احتياجاته من النفط، حيث بلغت وارداته النفطية نسبة 97% من إجمالي احتياجاته في 2025، حسب بيانات المفوضية الأوروبية، وبقيمة بلغت 212 مليار يورو (نحو 244 مليار دولار).
وتتصدر الولايات المتحدة وكازاخستان والنرويج قائمة الدول المصدرة للنفط لأوروبا، بنسبة تتراوح بين 12% إلى 15% من إجمالي واردات الاتحاد لكل دولة منها، تليها ليبيا بنسبة 9% ثم السعودية بنسبة 6.8%.
وبشكل مشابه يعتمد الاتحاد الأوروبي على الاستيراد لتغطية نحو 90% من احتياجاته من الغاز الطبيعي، ويشمل ذلك الواردات من الغاز عبر خطوط الأنابيب، والواردات من الغاز الطبيعي المسال.
ويعتمد الاتحاد الأوروبي على خطوط الأنابيب من النرويج والجزائر وليبيا وأذربيجان وروسيا والمملكة المتحدة لتغطية 62% من احتياجاته من الغاز، فيما يغطي النسبة الباقية وهي 38% عبر استيراد الغاز الطبيعي المسال.
ويهدف الاتحاد لوقف استيراد الغاز الطبيعي من روسيا بحلول عام 2027، وتمكن بالفعل من تخفيض اعتماده على النفط الروسي من 25.8% من إجمالي وارداته في عام 2021 إلى 2.2% في عام 2025، مما زاد من صعوبة جهوده لتوفير احتياجاته من النفط والغاز بعد اندلاع الحرب في الشرق الأوسط.
ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي المسال في أوروبا بأكثر من 60% منذ بداية حرب إيران لتصل إلى نحو 50 يورو (نحو 57 دولارا) لكل ميغاوات ساعة حاليا، بالإضافة إلى ارتفاع سعر النفط من خام برنت بأكثر من 50% ليصل إلى نحو 97 دولارا للبرميل حاليا.
ومع القفزة في أسعار النفط والغاز، ارتفعت نسبة التضخم في منطقة اليورو إلى 3.2% في مايو/أيار الماضي، حسب بيانات الاتحاد الأوروبي، وذلك مقارنة بنسبة 3% خلال أبريل/نيسان الماضي، وهي أعلى كثيرا من النسبة التي يستهدفها البنك المركزي، والتي تبلغ 2%.
وترجع الزيادة في مستوى الأسعار بشكل أساسي إلى زيادة تكلفة الطاقة سواء بالنسبة للمستهلكين أو للمصانع والشركات، حيث ارتفعت بنسبة 10.9% في مايو/أيار مقارنة بنفس الفترة من العام السابق.
وأوضحت صحيفة فايننشال تايمز أن الارتفاع في مستوى الأسعار في منطقة اليورو يعزز التوجه من قبل البنك المركزي الأوروبي لرفع أسعار الفائدة للمرة الأولى منذ 3 سنوات، للسيطرة على التضخم المدفوع بارتفاع أسعار الطاقة.
وأظهر استطلاع أجرته رويترز بين خبراء اقتصاديين أن البنك المركزي الأوروبي يتجه لرفع سعر الفائدة على الودائع إلى 2.25% في 11 يونيو/حزيران الجاري، مع احتمال رفعه مرة أخرى في سبتمبر/أيلول المقبل.
ويؤدي رفع أسعار الفائدة إلى زيادة تكلفة القروض العقارية والشخصية لملايين الأوروبيين، في الوقت الذي يعانون فيه من زيادة تكاليف الطاقة والارتفاع في مستوى الأسعار بشكل عام.
وأوضح ممدوح سلامة خبير النفط في حديث للجزيرة نت أن إغلاق مضيق هرمز كان له تأثير واسع على الاقتصاد العالمي، لكن التأثير كان أكثر سلبية على اقتصادات دول الاتحاد الأوروبي.
وأشار إلى أنه حتى قبل الحرب كان نمو الاقتصاد الأوروبي ضعيفا، ولم يزد عن 0.5%، والآن بدأ في الانكماش، مما يعني أن القدرة الشرائية للأوروبيين تتراجع، خاصة مع ارتفاع تكلفة الطاقة.
ويرى سلامة أن أوروبا "خاسر رئيسي من حرب إيران، نظرا لاعتمادها على استيراد النفط والغاز، وستبقى هذه الخسارة طالما بقي مضيق هرمز مغلقا"، فيما ربحت دول أخرى تصدر النفط والغاز مثل روسيا والنرويج وكندا.
وانخفض الناتج المحلي الإجمالي في منطقة اليورو بنسبة 0.2% خلال الربع الأول من عام 2026، حسب بيانات المفوضية الأوروبية، مما يضع منطقة اليورو أمام احتمال الكساد إذا استمر التراجع خلال الربع الثاني من العام الجاري.
ونقلت صحيفة تلغراف عن كبير الاقتصاديين في مؤسسة أكسفورد إيكونوميكس، روري فيننسي أنه يتوقع أن يشهد الناتج المحلي الإجمالي في منطقة اليورو، المكونة من 21 دولة، ركودا في الربع الحالي من العام نتيجة صدمة الطاقة الناجمة عن الحرب في إيران .
وكانت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين قالت في كلمة أمام البرلمان الأوروبي إن الاتحاد يخسر تقريبا 500 مليون يورو (نحو 575 مليون دولار) يوميا نتيجة ارتفاع أسعار النفط والغاز.
وأوضحت فون دير لاين، وفق ما نقله موقع بوليتيكو، أن فاتورة استيراد النفط والغاز زادت بنحو 27 مليار يورو (نحو 31 مليار دولار) خلال شهري مارس/آذار وأبريل/نيسان من العام الجاري، عقب اندلاع الحرب في الشرق الأوسط، على الرغم من أن الاتحاد لم يرفع حجم وارداته من الطاقة.
مع ارتفاع تكلفة النقل والإنتاج، نتيجة القفزة في أسعار النفط والغاز، تتزايد المخاوف من البطالة بين دول الاتحاد الأوروبي.
ونقلت رويترز عن مفوضة العمل الأوروبية، روكسانا مينزاتو، قولها إن قطاعات السيارات والبناء والمعادن والكيماويات والنقل قد تفقد ما يصل إلى 1.3 مليون وظيفة هذا العام نتيجة لارتفاع أسعار الطاقة.
وأوضحت روكسانا أن قطاع السيارات في الاتحاد الأوروبي قد يواجه عمليات تسريح للعمال تصل إلى 600 ألف عامل، حيث يواجه هذا القطاع ضغوطا إضافية نتيجة الرسوم الجمركية الأمريكية والمنافسة مع الصين.
وأشارت روكسانا إلى أن قطاعات البناء والمعادن والكيماويات والنقل في أوروبا قد تفقد 56 ألف وظيفة.
ويقول الخبير سلامة إن الاتحاد الأوروبي كان يعاني قبل الحرب بسبب نقل العديد من الشركات العملاقة، ومنها شركة فولكس واغن الألمانية، جزءا هاما من إنتاجها للصين لتخفيض التكاليف، وهو ما قامت به شركات أوروبية أخرى كثيرة، ثم جاءت الحرب لتزيد من المشكلات الاقتصادية للاتحاد الأوروبي.
ويتوقع سلامة أن تبقى الملاحة معطلة، بشكل أو بآخر، في مضيق هرمز لأشهر قادمة، والسبب أنه "سلاح إستراتيجي تستخدمه إيران بمواجهة الحرب الأمريكية الإسرائيلية عليها"، وفق وصفه، وهو ما يعني أن الاضطرابات بأسواق الطاقة سوف تستمر لفترة، وتستمر معها المشكلات الاقتصادية التي يعاني منها الاتحاد الأوروبي، كما يرى سلامة.
مع تصاعد نفقات الحكومات الأوروبية لدعم مواطنيها بمواجهة الارتفاع في أسعار الطاقة عقب حرب إيران، يدرس الاتحاد الأوروبي تخفيف القيود على العجز المسموح به في موازنات الدول الأعضاء بالاتحاد.
وذكرت فايننشال تايمز، نقلا عن مسؤولين أوروبيين، أن الاتحاد الأوروبي يبحث السماح للدول الأعضاء بإنفاق 0.3% من الناتج المحلي الإجمالي على إجراءات لدعم أسعار الطاقة، وذلك خارج نطاق نسبة العجز الذي يقبله الاتحاد في الموازنات العامة للأعضاء، والتي تصل إلى 3% من الناتج المحلي الإجمالي.
وأوضحت الصحيفة أن "احتياطي دعم الطاقة" المقترح يهدف إلى طمأنة الحكومات بأن الدعم الذي تقدمه للأسر والشركات التي تواجه ارتفاعا في تكاليف الطاقة لن يعرضها للعقوبات من قبل المفوضية الأوروبية إذا تجاوزت النسبة المقبولة لعجز الموازنات العامة.
وكانت رئيسة وزراء إيطاليا جورجيا ميلوني من أبرز الزعماء الأوروبيين الذين طالبوا الاتحاد بتوفير المرونة المالية اللازمة لدعم أسعار الطاقة، حيث أنفقت روما نحو مليار يورو (نحو 1.15 مليار دولار) لتمويل إعفاءات من ضرائب الطاقة منذ مارس/آذار الماضي عقب اندلاع الحرب في الشرق الأوسط.
وكتبت ميلوني إلى أورسولا فون دير لاين، الشهر الماضي خطابا قالت فيه "لا يمكننا تبرير سماح الاتحاد الأوروبي بالمرونة المالية لأغراض الأمن والدفاع، دون أن يكون ذلك لحماية الأسر والعمال والشركات من أزمة طاقة جديدة".
ومن جانبها أكدت فون دير لاين أن الاتحاد الأوروبي يسعى لتخفيض استيراده من النفط والغاز، وذلك بالتحول إلى الطاقة النظيفة بأشكالها المختلفة.
لكن خفض الاتحاد الأوروبي اعتماده على النفط والغاز لن يتحقق إلا بعد سنوات طويلة، وفي حدود معينة، مما يعني أن وقف الحرب وعودة الإمدادات من النفط والغاز إلى مستوياتها الطبيعية يحقق مصالح اقتصادية مباشرة وبالغة الأهمية لدول الاتحاد، ويجنبها سلسة من الأزمات الاقتصادية، تشمل البطالة والتضخم، نتيجة ارتفاع تكلفة الطاقة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة