بعد أكثر من 20 عاما في مهنة الطب، قررت الصينية دونغ مين تغيير مسارها المهني بالكامل.
ففي عام 2023، وعندما كانت في الخامسة والأربعين، تركت العمل الطبي واتجهت إلى صناعة وبيع الباوزي والمانتو، وهما من المعجّنات الصينية المطهوة على البخار، لتبدأ حياة مهنية جديدة في مدينة ووهان وسط الصين.
تخرجت دونغ عام 1999 في جامعة هوبي الطبية، وحصلت على ترخيص مزاولة الطب، ثم بدأت عملها طبيبة نساء في شنتشن. وفي عام 2006 تقريبا، عادت إلى ووهان لمساعدة والدتها في إدارة عيادتها، قبل أن تعود لاحقا معها إلى مسقط رأسها في تيانمن، حيث تولت مسؤولية مركز صحي مجتمعي.
ومع مرور الوقت، أصبح ضغط العمل جزءا من حياتها اليومية، ففي فترات الانشغال كانت تعمل نحو 16 ساعة في اليوم، بين الزيارات المنزلية ومتابعة مرضى الأمراض المزمنة، وتقول إن الضغط كان كبيرا إلى درجة أنها كانت تتساءل أحيانا عما إذا كانت ستتمكن من مواصلة العمل في اليوم التالي.
وفي عام 2023، تركت دونغ العمل الطبي وبدأت مشروعا في مجال مختلف تماما، هو بيع الباوزي والمانتو.
وقبل افتتاح متجرها، سافرت إلى مدن في شمال الصين، بينها شاندونغ وخنان، لتتعلم صناعة المخبوزات، وتبنت طريقة تقليدية في تخمير العجين باستخدام العجين القديم والقلوي.
تبدأ دونغ يومها نحو الرابعة والنصف صباحا بإعداد العجين، ثم تتوجه إلى سوق الجملة لاختيار اللحوم الطازجة. وفي متجرها، قد تتجاوز الحرارة 34 درجة مئوية عند تشغيل أفران البخار، لكنها تقول إن بساطة العمل والتعامل مع الدقيق والعجين تمنحها متعة افتقدتها خلال سنوات الطب.
ويقدم متجرها أكثر من 10 أصناف من المانتو والباوزي، بينها الأرز الأسود والسمسم الأسود والتمر والقمح الكامل والسكر البني. وتقول إن معظم منتجاتها تخلو من الإضافات ومسحوق الخَبز ومواد التخمير، فيما تستخدم الخميرة في بعض الأصناف للحفاظ على شكلها.
بعد نجاح متجرها الأول، بدأت دونغ تستقطب زبائن من مناطق مختلفة في ووهان، قبل أن تفتتح متجرها الثاني في المدينة في يوليو/تموز 2026.
وساعدتها مقاطع الفيديو في جذب زبائن جدد، بعدما بدأت العام الماضي توثيق تجربتها عبر حساب "متجر الأخت أكتوبر للباوزي"، وتعلمت تصوير المقاطع بنفسها. كما جاء كثير من الزبائن عن طريق توصيات عملائها في مجموعات الأحياء. وتتولى والدتها وشقيقها إدارة المتجر الأول.
كانت والدة دونغ -وهي طبيبة أيضا- من المعارضين في البداية لقرار ابنتها ترك الطب، إذ كانت ترى أن العمل الطبي أكثر استقرارا، وتخشى أن يكون إعداد الباوزي أكثر إرهاقا.
لكن موقفها تغير مع إصرار ابنتها على المشروع، وانضمت الأسرة إلى مساعدتها، حتى إن أفرادها تعلموا صناعة الباوزي والمانتو لفترة قبل المشاركة في العمل.
ورغم ابتعادها عن ممارسة الطب، لم تنقطع صلة دونغ بالمهنة التي أمضت فيها أكثر من عقدين، فما زالت تحتفظ في هاتفها بصور مرضى سابقين، ويتواصل معها بعضهم أحيانا عبر الإنترنت لطرح أسئلة صحية، فتجيبهم بما تستطيع.
وفي أوقات فراغها، تدرس دونغ الطب الصيني التقليدي وتستعد للحصول على ترخيص لممارسته، كما تقول إنها تريد الاستفادة من خبرتها الطبية ومشاركة ما تعلمته عبر منصات التواصل الاجتماعي.
وعندما سُئلت عن عائد مشروعها، لم تحصر دونغ المكسب في الجانب المالي، وقالت إن ما تكسبه أيضا هو تقدير الزبائن وثقتهم. وهي تؤكد عزمها على مواصلة العمل "حتى اليوم الذي لا تعود فيه قادرة على ذلك".
وبعد سنوات طويلة قضتها في المجال الطبي، تبدو تجربة دونغ بالنسبة إليها أكثر من مجرد تغيير مهني؛ إنها انتقال من غرفة الفحص إلى المطبخ، ومن متابعة المرضى إلى إعداد الطعام، مع احتفاظها بجزء من مهنتها السابقة في حياة جديدة اختارتها بنفسها.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة