في السنوات الأخيرة، رسخ الفنان السعودي نواف الظفيري حضوره بوصفه أحد أبرز الممثلين الذين أعادوا تعريف الأداء الهادئ في السينما الخليجية. لا ينتمي الظفيري إلى المدرسة التي تراهن على الانفعال الظاهر أو الحضور الصاخب، بل يشتغل على طبقات أعمق؛ على ما يتخفى خلف النظرة، وعلى ما يُقال بالصمت أكثر مما يُقال بالكلمات.
هذا الاختيار الجمالي لم يكن سهلاً في صناعة تميل أحياناً إلى المباشرة، لكنه منحه خصوصيته، وجعل كل ظهور له يبدو كأنه امتداد لرحلة بحث لا تنتهي داخل الشخصية.
ومع فيلم "هجرة"، بلغ هذا المسار ذروته حتى الآن. في هذا العمل، لا يقدّم الظفيري مجرد شخصية تعبر طريقاً، بل إنساناً يتشظى بين ماض يلاحقه وحاضر يحاول أن يفهمه.
شخصية "أحمد" التي جسّدها بدت وكأنها مكتوبة على مهل، وممثلة بحذر، بحيث تتكشف تدريجياً دون أن تفقد غموضها. هنا، لا يعتمد الأداء على الحدث، بل على الإحساس الخفي الذي يتراكم مشهداً بعد آخر، وهو ما جعل التجربة أقرب إلى تأمل طويل في معنى الانتماء والاقتلاع.
هذا النضج الفني تُوج مؤخراً بحصوله على جائزة أفضل ممثل من مهرجان أسوان السينمائي الدولي، إلى جانب الجائزة نفسها من مهرجان مالمو للسينما العربية، في اعتراف مزدوج بقدرة هذا الأداء على العبور بين سياقات ثقافية مختلفة دون أن يفقد صدقه. غير أن الظفيري، كما يبدو، لا يتعامل مع هذه الجوائز بوصفها محطة وصول، بل كعتبة جديدة لأسئلة أكثر تعقيداً حول اختياراته المقبلة ومعنى الاستمرار.
وفي حواره مع "العربية.نت" و"الحدث.نت"، يتحدث نواف الظفيري عن"هجرة" بوصفه تجربة شخصية قبل أن يكون عملاً فنياً، ويكشف كيف يمكن لدور واحد أن يعيد ترتيب علاقة الممثل بنفسه وبما يقدمه.
كيف استقبلت خبر فوزك بالعديد من الجوائز عن الفيلم؟
*استقبلتها بفرح كبير، لكنه كان مصحوباً بشعور عميق بالمسؤولية. هذه الجوائز ليست مجرد تكريم، بل تضع الفنان أمام اختبار دائم ليكون على قدر التوقعات في أعماله القادمة.
ما الذي جذبك إلى فيلم "هجرة" منذ البداية؟
*ما جذبني هو صدق النص وعمق الشخصية. شعرت بأن "أحمد" ليس مجرد دور، بل إنسان حقيقي يحمل تناقضاته وأسئلته، وهذا النوع من الشخصيات يجذبني ويستفزني فنياً.
*ركزت على التعبير عن الحالة الداخلية من خلال الصمت والنظرة والإيقاع البطيء للأداء. أحياناً يكون ما لا يُقال أهم بكثير مما يُقال، وهذا ما حاولت أن أشتغل عليه.
هل وجدت نقاط تقاطع بينك وبين هذه الشخصية؟
*نعم، هناك تقاطع إنساني عام، يتمثّل في البحث عن المعنى ومحاولة فهم الذات. ربما تختلف الظروف، لكن الأسئلة واحدة لدى الجميع.
كيف قرأت فكرة "الهجرة" التي يطرحها الفيلم؟
*أرى أن الفيلم لا يتحدث عن الهجرة بوصفها انتقالاً جغرافياً فقط، بل بوصفها رحلة داخلية نحو التصالح مع الذات أو الهروب منها. هذه الفكرة كانت محورية بالنسبة لي أثناء العمل.
ما أبرز التحديات التي واجهتك خلال التحضير والتصوير؟
*التحدي الأكبر كان نفسياً، لأن الشخصية تمر بحالات معقدة ومؤلمة. كذلك كانت هناك تحديات تتعلق بالتفاصيل اللغوية والثقافية، وكان من المهم التعامل معها بدقة.
إلى أي مدى أثرت مواقع التصوير على أدائك؟
*كان للمكان دور كبير، فالبيئة الطبيعية فرضت إحساساً حقيقياً انعكس على الأداء. أحياناً لا تحتاج إلى تمثيل، بل يكفي أن تتفاعل مع المكان.
ماذا تعني لك هذه الجوائز في هذه المرحلة من مسيرتك؟
*تمثل دافعاً للاستمرار، لكنها في الوقت نفسه تفرض عليّ مسؤولية أكبر في اختيار الأدوار. أسعى دائماً إلى أن أكون صادقاً في ما أقدّمه.
هل غيّر فيلم "هجرة" من نظرتك لاختياراتك الفنية؟
*بالتأكيد، أصبح لدي ميل أكبر نحو الأدوار التي تحمل تحدياً إنسانياً وفنياً، حتى لو كانت صعبة أو غير تقليدية.
ما الذي تبحث عنه اليوم في أي عمل جديد؟
*أبحث عن نص يطرح سؤالاً حقيقياً، وشخصية تمنحني مساحة للاكتشاف. بالنسبة لي، العمل الجيد هو الذي يترك أثراً داخلياً قبل أي شيء آخر.
ماذا بقي داخلك من شخصية "أحمد" بعد انتهاء التصوير؟
*بقيت بعض الأسئلة وربما قدر من التأمل. هناك شخصيات لا تغادر الممثل بسهولة، و"أحمد" واحدة منها.
كيف ترى تفاعل الجمهور مع الفيلم، وهل فاجأك شيء في ردود الأفعال؟
*تفاعل الجمهور كان مهماً جداً بالنسبة لي، لأن الفيلم ليس سهلاً أو مباشراً. كنت مدركاً أنه يتطلب نوعاً خاصاً من التلقي، لكن الذي فاجأني هو حجم التعاطف مع الشخصية، وكأن كل مشاهد وجد جزءاً من نفسه فيها. هذا النوع من التواصل هو ما أبحث عنه دائماً.
بعد هذا النجاح، هل تفكر في التوجّه نحو أعمال عالمية أم تفضلاً لاستمرار في السياق المحلي؟
*لا أفصل بين المحلي والعالمي بقدر ما أبحث عن العمل الصادق. إذا كان النص يحمل قيمة إنسانية حقيقية، يمكنه أن يصل إلى أي مكان. بالنسبة لي، المهم هو أن أكون جزءاً من تجربة لها معنى، بغض النظر عن موقع إنتاجها.
المصدر:
العربيّة