آخر الأخبار

خوارزميات الإنقاذ.. هل تكنولوجيا المناخ هي الحل الأخير؟

شارك

مع اقتراب عدد سكانها من ثلثي سكان العالم بحلول عام 2050، تمثل المدن الركيزة الأساسية في مشكلة المناخ، حيث إنها تغطي أقل من 2 في المئة من مساحة الأرض، لكنها مسؤولة عن أكثر من 70 في المئة من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون العالمية.

وتواجه الحكومات تحديا وجوديا يتمثل في كيفية الاستفادة من خوارزميات الإنقاذ، مثل الذكاء الاصطناعي، والتوائم الرقمية، والمحاكاة الجزيئية من أجل تحويل هذه المدن إلى حلول مناخية.

وتبرز هنا التجربة السنغافورية كنموذج حي يعكس التحول الواسع الذي يشهده العالم المتمثل في تحويل المدن إلى كيانات ذكية قادرة على التنبؤ والتكيف مع أزمة المناخ.

وفي شوارع الدولة المدينة المنظمة بدقة، تسير ملايين السيارات يوميا بينما تراقب الخوارزميات كل حركة وكل انبعاث وتضبط الإشارات المرورية وتعيد توجيه الحافلات الكهربائية إلى مسارات أقل ازدحاما وأدنى استهلاكا للطاقة، مما يساهم في خفض الانبعاثات الكربونية بشكل ملحوظ.

مصدر الصورة المدن الذكية تستخدم الذكاء الاصطناعي لتقليل الانبعاثات الناتجة عن الازدحام (بيكسلز)

الذكاء الاصطناعي في قلب المدينة الذكية

أصبح الذكاء الاصطناعي عنصرا أساسيا في بناء المدن الذكية التي تسعى إلى تحسين جودة الحياة وتقليل الأثر البيئي. ومن خلال تحليل البيانات الضخمة التي تجمعها أجهزة استشعار "إنترنت الأشياء" ( IoT)، تستطيع خوارزميات التعلم الآلي والتعلم المعزز تحسين إدارة الطاقة والمياه والمرور والنفايات، وتقليل الانبعاثات الكربونية.

وفي المباني الذكية، تضبط الأنظمة الإضاءة والتدفئة والتبريد تلقائيا وفقا للاحتياجات الفعلية، مما يقلل الاستهلاك غير الضروري. ولا يقتصر الأمر على إدارة الطاقة، إنما يمتد ليشمل حركة المرور، حيث تحلل هذه الأنظمة البيانات الحية لتوجيه الحركة وتقليل الازدحام، وبالتالي الانبعاثات.

ومن الأمثلة البارزة نظام "سورتراك" (Surtrac) الذي طورته جامعة كارنيغي ميلون، والذي يحلل طوابير السيارات عند التقاطعات وينسق الإشارات في الوقت الفعلي، مما أدى إلى خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنسبة 21%، وتقليل وقت الانتظار واستهلاك الوقود.

إعلان

كما تستخدم المدن "التوائم الرقمية" (Digital Twins) – نسخ افتراضية دقيقة للمدينة- لمحاكاة سيناريوهات متعددة قبل تنفيذها، مثل تأثير موجات الحر أو الفيضانات أو تغييرات التخطيط الحضري.

مصدر الصورة المحاكاة الجزيئية تختصر عقود من البحث المخبري لاكتشاف مواد بناء تمتص الكربون (أنسبلاش)

ثورة مواد البناء الممتصة للكربون

يعد قطاع البناء والتشييد مسؤولا عن نسبة كبيرة من الانبعاثات، خاصة إنتاج الإسمنت، ويبرز هنا دور الذكاء الاصطناعي في تسريع اكتشاف مواد جديدة عبر المحاكاة الجزيئية.

ويستغرق اكتشاف مادة جديدة سنوات من التجارب المضنية في المختبرات التقليدية، ولكن تتقلص هذه المدة إلى أشهر أو أسابيع مع الذكاء الاصطناعي والمحاكاة الرقمية.

وفي جامعة نوتردام، طور الباحثون أداة "إيكوسفير" (EcoSphere) التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتقييم الانبعاثات الكربونية المجسدة (Embodied carbon) في المباني.

وتجمع الأداة بيانات من صور "غوغل ستريت فيو" والأقمار الصناعية ومجموعات البيانات الوطنية، وتستخدم التعلم الآلي لتصنيف المباني ومحاكاة سيناريوهات التخفيف.

وتساعد "إيكوسفير" المخططين في تصور الانبعاثات بصريا ومقارنة التكاليف والخيارات المستدامة، مما يجعلها أداة عملية للمدن الكبرى، مثل شيكاغو، حيث تم تحليل أكثر من مليون مبنى.

وفي سويسرا، طور باحثو "معهد بول شيرر" (Paul Scherrer Institute) نموذجا يقترح وصفات إسمنت خضراء جديدة في ثوانٍ، أسرع بمئات المرات من النماذج الفيزيائية التقليدية، مع الحفاظ على القوة وتقليل الانبعاثات.

أما في "مختبر أرغون الوطني" (Argonne National Laboratory)، فإن نظام "موفا" (MOFA) -الذي يجمع بين الذكاء الاصطناعي التوليدي والمحاكاة الحاسوبية العالية الأداء- يعمل على اكتشاف مواد قادرة على امتصاص ثاني أكسيد الكربون بكفاءة عالية.

وفي مختبرات "جامعة جنوب كاليفورنيا" (USC)، يحاكي نموذج "أليغرو-إف إم" (Allegro-FM) سلوك مليارات الذرات من أجل تصميم خرسانة تمتص ثاني أكسيد الكربون بدلا من إطلاقه.

كما ابتكر "المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ" (ETH Zurich) مواد حية تحتوي على بكتيريا تمتص ثاني أكسيد الكربون وتحوله إلى كتلة صلبة، مع تسريع الذكاء الاصطناعي عملية فحص ملايين التركيبات الممكنة.

وتمتد هذه المحاكاة إلى تقييم دورة حياة المبنى بأكملها، مما يسمح بتحويل المباني من مصادر انبعاث إلى مصارف كربونية.

مصدر الصورة المدن الذكية تعيد صياغة مفهوم السكن البشري عبر الحياد الكربوني والاعتماد الكلي على الطاقة المتجددة (بيكسابي)

مدن اختارت مسار الخوارزميات

ثمة مدن حولت هذه الأفكار إلى سياسات ملموسة وقابلة للقياس، وتقود سنغافورة المشهد بثقة، حيث طورت ما يزيد على مئة حل مبني على الذكاء الاصطناعي في مجالات متعددة.

وساهمت إدارة حركة المرور بالذكاء الاصطناعي في خفض التأخيرات في ساعات الذروة وزيادة كفاءة النقل العام، مع خفض عام للانبعاثات الكربونية الإجمالية للمدينة بنسبة 15%.

كذلك تمتلك سنغافورة توأما رقميا يستخدمه المخططون لاختبار سياسات البناء وفهم ديناميكيات المناخ وإدارة الفيضانات وتخطيط الطاقة قبل تطبيقها على أرض الواقع.

إعلان

ويهدف مشروع "تبريد سنغافورة" (Cooling Singapore) إلى تطوير حلول مبتكرة لمواجهة ظاهرة ارتفاع درجات الحرارة.

وطبقت مدينة درانسي الفرنسية نظاما يحلل نوع المركبات وتدفق الحركة لتعديل توقيت الإشارات المرورية، مما قلل الازدحام وحسن جودة الهواء ووفر الوقت والوقود للسكان وخفض الانبعاثات بنسبة 25%.

وحققت كوبنهاغن انخفاضا في الانبعاثات يصل إلى 73% مقارنة بعام 2005، وذلك بالاعتماد على تقنيات الشبكة الذكية التي تربط مصادر الطاقة المتجددة بالتدفئة المركزية للمدينة.

وتقلل الإضاءة الذكية استهلاك الطاقة في كوبنهاغن بنسبة تزيد على 30%، وتخفض إدارة النفايات الذكية التكاليف بنسبة 15%، كما تتبنى المدينة مشاريع الأحياء الذكية، مثل "نورث هاربور" (Nordhavn)، التي تعتمد على المباني المستدامة.

وتمتلك أمستردام شبكة من المستشعرات الذكية التي تحسن توزيع الطاقة وتقود شاحنات القمامة الكهربائية عبر خوارزميات تحسين المسار، كما توازن الشبكة الذكية بين العرض والطلب على الطاقة مع دمج الرياح والطاقة الشمسية من أجل تنسيق استهلاك الطاقة في المباني والإضاءة والمواصلات بدقة.

في حين طورت برشلونة منصة "ستي أو إس" (CityOS) التي تربط آلاف مستشعرات الإضاءة والري والنفايات بنظام توقعات الطاقة المتجددة، مما خفض تكاليف الإضاءة الليلية بمقدار 30% وخفض استهلاك الماء في الحدائق العامة بنسبة 25%.

مصدر الصورة مراكز البيانات تستهلك كمية كبيرة من الكهرباء تقدر 1.5% من كهرباء العالم (بيكسلز)

بين الإمكانيات والحدود

يواجه الذكاء الاصطناعي تحديات كبيرة، حيث تستهلك مراكز البيانات كميات كبيرة من الكهرباء تقدر بنحو 415 تيراواط/ساعة في عام 2024، أي 1.5% من الكهرباء العالمية، وهذا الرقم مرشح للتضاعف بحلول عام 2030.

وبحسب تقديرات الوكالة الدولية للطاقة، فإن قطاع تقنية المعلومات يمثل نحو 2 في المئة من الانبعاثات العالمية، وهو رقم مرشح للارتفاع مع توسع استخدامات الذكاء الاصطناعي.

وتحذر الأمم المتحدة من أن هذا الاستهلاك يؤخر إغلاق محطات الفحم، ويزيد من استهلاك المياه للتبريد، خاصة في المناطق الجافة، كما أن تدريب نموذج واحد ينتج انبعاثات تعادل قيادة ملايين الكيلومترات بالسيارة.

وتسعى الشركات إلى مواجهة هذا التحدي عبر تطوير خوارزميات أكثر كفاءة تؤدي المهمة بعدد أقل من العمليات الحسابية، وتقليل الطاقة المستخدمة للتبريد عبر التنبؤ الدقيق بارتفاع الحرارة وضخ التبريد في الأماكن واللحظات المطلوبة، إلى جانب تطوير معالجات مصممة خصيصا تستهلك طاقة أقل.

كما تدور نقاشات حادة بين المتفائلين والواقعيين بشأن قدرة الذكاء الاصطناعي على قيادة التحول المطلوب، حيث يرى المتفائلون أن الإمكانيات كبيرة وغير مستغلة بالكامل بعد، فيما يحذر الواقعيون من وهم الحل التقني الكامل، حيث إن أزمة المناخ نابعة من تناقضات اقتصادية وسياسية وثقافية عميقة.

ويبرز التأثير الارتدادي كتحدٍ رئيسي، إذ قد يؤدي تحسين الكفاءة إلى زيادة الاستهلاك العام، مثل انتقال الناس من النقل العام إلى السيارات الذاتية القيادة، إلى جانب تعميق الفجوة الرقمية في الدول النامية، خاصة مع الاعتماد على شركات التكنولوجيا الكبرى.

ويشير تقرير أعدته وكالة الطاقة الدولية إلى أن تقنيات المدن الذكية تمثل فرصة عالية العائد، لكنها تحتاج بيئة تشريعية داعمة وسياسات جريئة وتغييرا سلوكيا.

ولا شك في أن خوارزميات الإنقاذ تحول المدن إلى كيانات قادرة على التنبؤ والتكيف وتقليل الانبعاثات، لكن من الصعب الاعتماد عليها كحل وحيد، لأنها تحتاج إلى دمج وثيق مع الطاقة المتجددة والسياسات الحكومية الجريئة والالتزام الجماعي العالمي والتغيير السلوكي الحقيقي.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار