قبل ساعات من الموعد الذي ينتظره ملايين المصريين، بدا المشهد في الشوارع وكأنه يعيش حالة استثنائية؛ أعلام ترفرف فوق السيارات والشرفات، وأغان وطنية تنطلق من مكبرات الصوت، ومقاه تحولت إلى مدرجات مبكرة، بينما لا يكاد يخلو حديث في المواصلات أو أماكن العمل أو الأسواق من سؤال واحد: هل يواصل الفراعنة كتابة التاريخ أمام الأرجنتين؟
لم تعد مباراة منتخب مصر أمام الأرجنتين في دور الـ16 من كأس العالم 2026 مجرد مواجهة كروية، بل تحولت إلى حدث وطني يتجاوز حدود المستطيل الأخضر، بعدما أعاد المنتخب الأمل لجماهيره ببلوغ هذا الدور للمرة الأولى، وفتح الباب أمام حلم طال انتظاره بمقارعة كبار اللعبة.
وزادت المواجهة سخونة خارج الملعب، بعدما أثار المدير الفني حسام حسن موجة تفاعل واسعة برفعه العلم الفلسطيني عقب الفوز على أستراليا وإهدائه الانتصار للفلسطينيين، وهو ما قوبل بحملة هجوم من وسائل إعلام إسرائيلية، تزامنت مع دعوات أطلقها عدد من المؤثرين الإسرائيليين لتشجيع المنتخب الأرجنتيني في مواجهة مصر، لتكتسب المباراة أبعادا تتجاوز المنافسة الرياضية.
وقبل يوم من صافرة البداية، تحولت المقاهي المصرية إلى ساحات للنقاش، بينما أصبحت وسائل النقل العام منتديات مفتوحة لتبادل التوقعات والتحليلات، في مشهد أعاد إلى الأذهان ليالي البطولات الكبرى التي طالما عاشها المصريون.
ورصدت الجزيرة نت حالة من الفخر بما حققه المنتخب حتى الآن، يقابلها إيمان متزايد بقدرة الفراعنة على مواصلة المغامرة أمام حامل لقب النسخة الماضية، وأحد أبرز المرشحين للتتويج بالبطولة.
ويقول رجب محمد، وهو مقاول إنشاءات، إن بلوغ دور الـ16 يمثل "إنجازا مشرفا لكل المصريين"، معتبرا أن مجرد وجود مصر بين أفضل 16 منتخبا في العالم يدعو للفخر.
وأضاف محمود، وهو يتابع مباراة منتخبي البرازيل والنرويج في دور الـ16 على مقهى بمنطقة حدائق أكتوبر في الجيزة، أن المنتخب قدم مستويات مميزة طوال البطولة، موجها التحية إلى القائد محمد صلاح وجميع اللاعبين، موضحا أنه لم يكن متحمسا في البداية، لكنه وجد نفسه يزداد تعلقا بالفريق مع كل مباراة.
ويرى رجب أن محمد صلاح وإمام عاشور كانا أبرز نجوم المنتخب، بينما يعتبر هيثم حسن مفاجأة البطولة، بعدما قدم مستويات تجاوزت توقعات الجماهير.
وعن مواجهة الأرجنتين، يؤكد أن كرة القدم لا تعترف إلا بما يحدث داخل الملعب، متوقعا فوز مصر بهدف دون رد، قبل أن يضيف: "وحتى لو لم نتأهل، فما حققه المنتخب حتى الآن يدعو للفخر".
أما الطبيب الشاب أدهم عادل، الذي كان يجلس في المقهى ذاته، فيرى أن التأهل إلى دور الـ16 يمثل إنجازا جديدا يضاف إلى سجل الكرة المصرية والعربية، ويعيد إلى الأذهان ما حققه المنتخب المغربي في مونديال عام 2022.
ويؤكد أن طموحه لا يتوقف عند هذا الدور، بل يمتد إلى رؤية مصر في ربع النهائي، مشيدا بما قدمه إمام عاشور، الذي يراه أحد أبرز نجوم البطولة، رغم توقعه فوز الأرجنتين بنتيجة 2-1، مع أمنيته بأن يخالف الفراعنة جميع التوقعات ويصنعوا مفاجأة جديدة.
في الشوارع، بدا المشهد أكثر صخبا. المحال التجارية اكتست بالأعلام المصرية، فيما انتشر باعة الرايات والصفارات وأدوات التشجيع في الميادين والطرق الرئيسية، وسط إقبال لافت من الجماهير التي تستعد لليلة كروية استثنائية.
كما حرصت بعض المتاجر على بث الأغاني الوطنية عبر مكبرات الصوت، لتضفي على الأجواء طابعا احتفاليا أعاد للأذهان ذكريات البطولات التي صنعتها الكرة المصرية.
ويقول مسعود السيد، الذي اتخذ من أحد أرصفة شارع الهرم بمحافظة الجيزة مكانا لبيع الأعلام والصفارات، إن هذه الأجواء "لم نشهدها منذ أيام منتخب حسن شحاتة"، في إشارة إلى الجيل الذي توج بـ3 ألقاب متتالية في كأس الأمم الأفريقية بين عامي 2006 و2010.
ويضيف أن الإقبال على شراء الأعلام تضاعف بعد انتصار المنتخب على نيوزيلندا، مشيرا إلى أن المشترين من مختلف الأعمار، من الأطفال وحتى كبار السن.
من جانبه، يرى محمود ربيع، الذي يصف نفسه بأنه "مشجع كرة قدم درجة ثالثة" في إشارة إلى شدة تعلقه باللعبة، أن مواجهة الأرجنتين ستكون الأصعب منذ بداية البطولة، لكنها ليست مستحيلة، في ظل الشخصية القوية التي ظهر بها المنتخب تحت قيادة حسام حسن.
ويعتقد أن الجهاز الفني نجح في منح اللاعبين والجماهير ثقة كبيرة بإمكانية الذهاب بعيدا في البطولة، رغم التحديات المناخية التي واجهت المنتخبات خلال النسخة الحالية.
أما عيد محمود، فيؤكد أن أكثر ما يميز المنتخب هو ثبات مستواه من مباراة إلى أخرى، وهو ما منح الجماهير شعورا بالاطمئنان قبل المواجهة المرتقبة.
ويتوقع أن تمتد المباراة إلى ركلات الترجيح، معربا عن ثقته الكبيرة بقدرات الحارس مصطفى شوبير، الذي يعتبره أحد أهم أسلحة المنتخب في البطولة.
في المقابل، يرى الطالب زياد محمد، مرتديا قميص المنتخب، أن الفراعنة نجحوا أخيرا في التخلص من شعار "المشاركة المشرفة"، بعدما حققوا انتصارات رفعت سقف طموحات الجماهير.
ويضيف أن الأداء الذي قدمه منتخب الرأس الأخضر أمام الأرجنتين أثبت أن بطل العالم ليس بمنأى عن المفاجآت، مؤكدا أن وجود نجوم بحجم محمد صلاح وعمر مرموش يمنح المصريين الأمل في مواصلة المشوار، وربما بلوغ نصف النهائي.
وفي الإسكندرية، العاصمة الثانية لمصر، لم يكن المشهد مختلفا كثيرا عن القاهرة. امتدت الأعلام المصرية على كورنيش البحر، وبدت في أيدي الأطفال الذين استعدوا بدورهم للمباراة المرتقبة، في صورة عكست اتساع دائرة الحلم من الكبار إلى الصغار.
وترتدي الطفلة رغد، التي لم تتجاوز 11 من عمرها، قميص النادي الأهلي الذي يحمل الرقم 22، وهو الرقم الذي يرتديه إمام عاشور، صاحب هدف تقدم مصر أمام أستراليا.
وتقول بابتسامة طفولية إنها لا تعرف أسماء جميع لاعبي المنتخب، لكنها تحب محمد صلاح وإمام عاشور، "اللي جاب الجون في الماتش اللي فات"، قبل أن تضيف بحماس: "هنشوف ماتش الأرجنتين مع بابا في القهوة".
وبين توقعات متفائلة وأخرى أكثر حذرا، اتفقت الجماهير على حقيقة واحدة؛ أن منتخب مصر نجح في إعادة الروح إلى الشارع الرياضي، وأعاد للمصريين الإيمان بأن المستحيل قد يصبح ممكنا.
ومع اقتراب صافرة البداية، تبدو المقاهي وكأنها مدرجات مكتملة العدد، والشوارع وكأنها ترتدي ألوان المنتخب، فيما يترقب الملايين 90 دقيقة قد تفتح صفحة جديدة في تاريخ الكرة المصرية، أو تثبت، في أقل الأحوال، أن الفراعنة عادوا مجددا إلى المكان الذي يليق بهم بين كبار العالم.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة