في الأحياء الشعبية الممتدة على أطراف العاصمة الأرجنتينية بوينس آيرس، لم تعد كرة القدم مجرد لعبة أو مساحة للهروب من قسوة الواقع، بل تحوّلت بالنسبة لآلاف الشبان إلى فرصة أخيرة لكسب دخل إضافي في ظل أزمة اقتصادية خانقة تضيق فيها فرص العمل وتشتد فيها ضغوط المعيشة.
ويجسد إيميليانو ميجيليس هذه المعادلة اليومية التي تجمع بين الشغف والكفاح. فالشاب البالغ من العمر 26 عاماً يستهل يومه مبكراً بتوصيل مياه الشرب المعبأة برفقة عمه مستخدمين شاحنة متهالكة، لكن معركته الحقيقية تبدأ بعد انتهاء ساعات العمل، عندما يتوجه إلى الملاعب الشعبية المنتشرة في ضواحي بوينس آيرس لخوض مباريات كرة القدم للهواة أملاً في جني بعض الأموال الإضافية.
وتشكل كرة القدم جزءاً أصيلاً من الحياة اليومية في الأرجنتين، البلد المتوج بكأس العالم ثلاث مرات. ففي كل حي تقريباً تنتشر الملاعب الترابية المعروفة محلياً باسم "بوتريرو"، حيث يركض الأطفال خلف أحلامهم الكروية على خطى أساطير اللعبة. ويُروى أن الأسطورة الأرجنتينية دييغو مارادونا صقلت موهتها في أحد هذه الملاعب الترابية بمنطقة فيا فيوريتو الواقعة على أطراف العاصمة.
ولا تقتصر أهمية هذه الملاعب على صناعة الأحلام، بل أصبحت أيضاً مصدراً للدخل بالنسبة لكثير من اللاعبين. فالمبالغ التي يحصلون عليها تبقى متواضعة جداً مقارنة بالرواتب الضخمة التي يتقاضاها نجوم الأرجنتين المحترفون في الدوريات الأوروبية، لكنها تكفي أحياناً للمساعدة في دفع الفواتير وتغطية بعض المصاريف الأساسية.
ويقول ميجيليس إنه يستطيع تحقيق ما يقارب 500 ألف بيزو أرجنتيني شهرياً، أي نحو 350 دولاراً، من خلال الجمع بين عمله اليومي ومشاركاته الكروية، وذلك "في الأشهر الجيدة التي يحقق فيها الفوز بالمباريات".
وخلال السنوات الأخيرة، شهدت هذه المباريات الشعبية ازدهاراً ملحوظاً في الأحياء الفقيرة بمختلف أنحاء البلاد، بالتزامن مع تراجع فرص العمل الرسمية وإغلاق عدد من المصانع وتقليص الإنفاق الحكومي في عهد الرئيس خافيير ميلي، الذي تولى السلطة أواخر عام 2023.
وتعكس الأرقام الرسمية حجم هذه الظاهرة؛ إذ تشير بيانات الوكالة الحكومية للإحصاء لعام 2025 إلى أن أكثر من نصف الأرجنتينيين الذين تقل أعمارهم عن 30 عاماً يعملون ضمن الاقتصاد غير الرسمي، حيث يغيب الاستقرار الوظيفي وتبقى المداخيل عرضة للتقلب.
تختلف طرق تنظيم مباريات الملاعب الترابية، لكنها تشترك جميعاً في عنصر المخاطرة. ففي بعض الأحيان يشكل المنظمون الفرق، ثم يضع اللاعبون والجمهور رهانات مالية على النتائج. ويحصل أفراد الفريق الفائز على مبالغ صغيرة، بينما توزع بقية الأموال وفقاً للرهانات الرابحة.
وفي حالات أخرى، تدفع الفرق رسوماً للمشاركة في بطولات بنظام خروج المغلوب، ويحصل البطل في النهاية على الجائزة الكبرى، فيما يغادر الخاسرون دون أي مقابل.
وفي إحدى المباريات التي فاز بها فريقه مؤخراً، تم توزيع نحو 300 ألف بيزو أرجنتيني، أي ما يعادل 215 دولاراً. لكن ميجيليس، الذي لم يشارك في أي مراهنات، حصل على 17 ألف بيزو فقط، أي نحو 12 دولاراً، مقابل مشاركته في المباراة.
ويشرح موقفه قائلاً: "أنا لا أراهن في الغالب لأنني دائماً بحاجة إلى المال، هذه هي الحقيقة. المراهنة ليست شيئاً يستهويني. أنا أحب مباريات الشوارع بكل ما تحمله من إثارة وأدرينالين وكل ما تمنحه لك".
وبالنسبة لميجيليس، لا وجود لعطلات نهاية الأسبوع أو لأيام الراحة. فكلما سنحت فرصة لخوض مباراة، يشد رباط حذائه الملطخ بالوحل وينزل إلى أرض الملعب، سواء في المنافسات الشعبية أو مع فريق سان ميجيل شبه المحترف في بلدة جنرال لاس هيراس، حيث يتقاضى نحو 100 ألف بيزو، أي ما يعادل 70 دولاراً، عن كل مباراة.
وغالباً ما تمتد البطولات الشعبية إلى ساعات متأخرة من الليل، ما يجبره على بدء يوم عمله التالي دون الحصول على قسط كافٍ من النوم. ورغم ذلك، لا يفكر في تغيير هذا النمط من الحياة.
ويختصر ميجيليس علاقته باللعبة قائلاً: "كرة القدم هي كل حياتي. لقد تخليت عن كل شيء من أجلها؛ العمل، وأعياد الميلاد، ولا يوجد شخص لم أتخل عن وقتي معه من أجل اللعبة".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة