منذ عودته إلى دوري الدرجة الأولى الفرنسي عام 2021، كتب نادي لانس واحدة من أكثر القصص إلهامًا في كرة القدم الفرنسية الحديثة، بعدما تحول من نادٍ عانى طويلًا بين الأزمات المالية وتقلبات النتائج إلى منافس دائم على المراكز الأوروبية، مستعيدًا مكانته التاريخية بين كبار الكرة الفرنسية.
النادي الذي تأسس عام 1906 في مدينة لنس، وسط منطقة عُرفت بمناجم الفحم والطبقة العاملة، ظل لعقود رمزًا للهوية الشعبية والكفاح الرياضي. ورغم أن تاريخه عرف صعودًا وهبوطًا، فإن السنوات الأخيرة حملت تحولًا استثنائيًا أعاد "الدم والذهب" إلى واجهة المشهد الكروي الفرنسي.
بعد خمس سنوات قضاها في دوري الدرجة الثانية، عاد لنس إلى دوري الأضواء عام 2021، لكن كثيرين لم يتوقعوا أن يتحول سريعًا إلى مشروع رياضي متكامل ينافس أندية تملك ميزانيات أكبر وخبرات أوسع.
وكان للمدرب فرانك هايس دور محوري في هذه النهضة، بعدما نجح في بناء فريق يعتمد على الضغط العالي والانضباط التكتيكي والروح الجماعية، ليقود النادي إلى احتلال مركز الوصافة في الدوري الفرنسي موسم 2022-2023 والتأهل إلى دوري أبطال أوروبا، في إنجاز أعاد إلى الأذهان أمجاد الفريق التاريخية.
ولم يقتصر تأثير هايس على النتائج فقط، بل نجح في ترسيخ هوية كروية واضحة أعادت الجماهير إلى مدرجات ملعب بولار دولولي، الذي استعاد أجواءه الشهيرة بوصفه أحد أكثر الملاعب حماسة في فرنسا.
ومع رحيل هايس، دخل النادي مرحلة جديدة بقيادة المدرب الفرنسي بيير ساج، الذي واصل البناء على المشروع القائم وأضاف إليه شخصية هجومية أكثر جرأة.
وقاد ساج لانس إلى موسم استثنائي في 2025-2026، نافس خلاله باريس سان جيرمان على لقب الدوري حتى الجولات الأخيرة، قبل أن ينهي الموسم وصيفًا ويتأهل مجددًا إلى دوري أبطال أوروبا، إضافة إلى بلوغه نهائي كأس فرنسا لأول مرة منذ عام 1998.
وتُوج ساج بجائزة أفضل مدرب في الدوري الفرنسي بعد نجاحه في تطوير أداء الفريق وتوظيف إمكانات لاعبيه ضمن منظومة جماعية متماسكة، مستفيدًا أيضًا من عمل جهازه الفني الذي ضم المغربي جمال عليوي مساعدًا أول، والجزائري بلال حمدي مساعدًا ثانيًا.
ومن بين أبرز الأسماء التي خطفت الأضواء في مشروع لانس الجديد، برز الدولي السعودي سعود عبد الحميد، الذي انضم إلى النادي معارًا من روما، ليصبح أول لاعب سعودي يشارك ويسجل في الدوري الفرنسي.
وقدم الظهير الأيمن مستويات مميزة خلال موسم 2025-2026، وأسهم في وصول لنس إلى نهائي كأس فرنسا بعدما صنع هدفين حاسمين في نصف النهائي أمام تولوز.
كما لعب دورًا مهمًا في ضمان تأهل الفريق إلى دوري أبطال أوروبا، بفضل قدرته على الربط بين الواجبات الدفاعية والانطلاقات الهجومية، فضلًا عن دقته العالية في التمرير.
ولم يكن تألق سعود حدثًا عابرًا، بل امتدادًا لمسيرة جعلته أحد أبرز لاعبي الجيل الحالي في الكرة السعودية، بعدما خاض تجارب ناجحة مع الاتحاد والهلال ثم روما، قبل أن يواصل حضوره الأوروبي مع لنس.
واستفاد لانس كذلك من خبرة النجم الفرنسي فلوريان توفان، الذي منح الخط الأمامي للفريق حلولًا هجومية متنوعة بفضل رؤيته وقدرته على صناعة اللعب والتسجيل.
كما تألق آلان سان ماكسيمان بأسلوبه المهاري المعتاد، ليشكل عنصرًا حاسمًا في المباريات الكبرى بفضل سرعته ومهاراته الفردية وقدرته على كسر التكتلات الدفاعية.
وأسهم هذا المزيج بين اللاعبين أصحاب الخبرة والمواهب الصاعدة في منح لنس شخصية تنافسية واضحة، جعلته قادرًا على مقارعة كبار الدوري الفرنسي رغم الفوارق المالية.
ورغم النجاحات الرياضية، لا يزال لانس يحتفظ بصورته التاريخية كنادٍ مرتبط بالهوية الاجتماعية لمنطقة شمال فرنسا، حيث تمثل جماهيره أحد أهم عناصر قوته.
ففي مدينة صغيرة ارتبطت لعقود بالمناجم والطبقة العاملة، تحول النادي إلى مساحة جامعة للذاكرة والانتماء، وبقيت مدرجات بولار دولولي عنوانًا للشغف والوفاء، حتى في أصعب الفترات.
لم تقتصر نهضة نادي لانس على الجانب الرياضي فقط، بل رافقها نجاح اقتصادي لافت جعل النادي نموذجًا للإدارة الذكية في فرنسا، عبر الاستثمار في المواهب وتطويرها ثم بيعها بعوائد مالية ضخمة دعمت خزينة النادي ومشروعه الرياضي.
وتصدر المدافع الأوزبكي عبد القادر خوسانوف قائمة أغلى الصفقات المبيعة في تاريخ النادي، عقب انتقاله عام 2025 إلى مانشستر سيتي مقابل 50 مليون يورو (نحو 54 مليون دولار).
عبد القادر خوسانوف اللاعب السابق لنادي لانس (مواقع التواصل)وقبل ذلك، باع لنس المهاجم البلجيكي لويس أوبيندا إلى لايبزيغ عام 2023 مقابل 49 مليون يورو (نحو 53 مليون دولار)، فيما انتقل المهاجم الفرنسي إيلي واهي إلى أولمبيك مارسيليا عام 2024 مقابل 35 مليون يورو (نحو 38 مليون دولار).
كما استفاد النادي من انتقال لاعب الوسط الإيفواري سيكو فوفانا إلى النصر مقابل 25 مليون يورو (نحو 27 مليون دولار)، إلى جانب بيع لاعبين بارزين مثل شيخ دوكوري إلى كريستال بالاس، وكيفن دانسو إلى توتنهام هوتسبير، ونيل العيناوي إلى روما، إضافة إلى أندي ضيوف الذي انتقل إلى إنتر ميلان.
كما شملت قائمة الراحلين المدافع الأرجنتيني فاكوندو ميدينا المنتقل إلى أولمبيك مارسيليا، والمدافع لويك بادي الذي غادر إلى رين عام 2021.
وأثبتت هذه الصفقات قدرة لنس على تحقيق توازن نادر بين الطموح الرياضي والاستدامة المالية، رغم محدودية موارده مقارنة بعمالقة الدوري الفرنسي.
سيكو فوفانا خلال مشاركته سابقًا مع لنس قبل الانتقال إلى الدوري السعودي (رويترز)لم يعد نادي لنس مجرد فريق يسعى إلى النتائج داخل الملعب، بل أصبح مشروعًا متكاملًا يعكس قدرة نادٍ من مدينة صغيرة على منافسة الكبار عبر رؤية واضحة تقوم على العمل التراكمي بدل القفزات المؤقتة.
فبين هوية ضاربة في عمق التاريخ، وجماهير تُعرف بوفائها الاستثنائي، وإدارة نجحت في تحويل التحديات المالية إلى مصدر قوة، صنع لنس نموذجًا مختلفًا في كرة القدم الفرنسية، حيث لا تُقاس القيمة فقط بالألقاب، بل بالاستمرارية وبناء الهوية.
ومع استمرار المشروع الرياضي وتناوب الأجيال من المدربين والنجوم، يبدو أن “الدم والذهب” لم يصلوا إلى ذروتهم بعد، بل ما زالوا يكتبون فصلًا جديدًا من قصة قد تمتد أكثر مما توقعه كثيرون، بين طموح لا يتوقف وجمهور لا يعرف سوى الإيمان.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة