آخر الأخبار

تحليل البيانات يعيد تعريف كشاف المواهب في كرة القدم

شارك

ولت الأيام التي كان فيها كشافو المواهب يجوبون الملاعب، معتمدين على الحدس والعلاقات، وربما بعض الحظ، لتقييم اللاعبين.

تحوّل اكتشاف المواهب اليوم إلى نظام يعتمد على البيانات والخوارزميات، حيث تستخدم أندية مثل مانشستر سيتي وبايرن ميونخ برمجيات فيديو مدعومة بالذكاء الاصطناعي لتحليل مهارات اللاعبين، وقدراتهم البدنية، ورؤيتهم التكتيكية، بعيدا عن الاعتماد فقط على الملاحظات المباشرة أو مقاطع الفيديو التقليدية.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 برشلونة ضد بلباو بنصف نهائي السوبر الإسباني.. الموعد والقنوات الناقلة
* list 2 of 2 قصص نجاح وإخفاق في تعاقدات برشلونة الشتوية end of list

هذا الأسلوب يتيح تقييم اللاعبين من أي مكان في العالم، بما في ذلك الشباب في الملاعب المحلية، بشكل أكثر دقة وعدالة. كما أصبح للكشافين دور مختلف، حيث يدمجون خبرتهم مع تحليلات البيانات لتحديد اللاعبين الذين يستحقون الاستثمار، بدل الاعتماد على الحدس وحده.

ونتيجة لذلك، تغيرت إستراتيجيات الاستقطاب والتطوير بالكامل، وأصبحت القرارات مبنية على معلومات رقمية دقيقة، رغبة في تقليل المخاطر وزيادة فرص النجاح.

ثورة البيانات في اكتشاف المواهب

لطالما عُرف سوق الانتقالات بعدم الاستقرار وكثرة الصفقات الفاشلة، خاصة مع ارتفاع مبالغ التعاقدات. وهنا لعبت تحليلات البيانات دورا مهما في تقليل المخاطر، من خلال اعتماد نهج علمي ومنهجي في اختيار اللاعبين.

وبدل الاعتماد الكامل على الكشافين التقليديين، باتت الأندية تحلل قواعد بيانات ضخمة تشمل لاعبين من مختلف الدوريات والفئات العمرية.

تجربة برينتفورد الإنجليزي الرابحة

ويبرز نادي برينتفورد الإنجليزي مثالا على ذلك، إذ نجح في اكتشاف مواهب غير مُقدّرة من دوريات أقل شهرة، عبر الدمج بين الرصد الميداني والتحليل الرقمي.

تشير بعض صفقات اللاعبين التي أبرمها النادي بين أعوام (2016-2022) إلى أن الفريق أنفق نحو 25 مليون يورو فقط على التعاقدات.

والأمر المذهل أن هؤلاء اللاعبين تم بيعهم مقابل نحو 198 مليون يورو إجمالا، مما يعني تحقيق صافي أرباح قدره نحو 172 مليون يورو من بيع اللاعبين.

على سبيل المثال، صفقة انتقال الدولي الإنجليزي أولي واتكنز إلى أستون فيلا في صيف 2020 مقابل نحو 34 مليون يورو، حققت لبرنتفورد أكثر من 27 مليون يورو ربحا صافيا، بعد أن تعاقد النادي مع اللاعب قادما من نادي إكستر في دوري الدرجة الثانية مقابل 6.8 ملايين يورو فقط.

مصدر الصورة الدولي الإنجليزي أولي واتكنز بقميص أستون فيلا (غيتي)

أبرز أنواع البيانات المستخدمة

ومع تزايد قدرة الذكاء الاصطناعي على تحليل البيانات، تقوم الأندية بإعادة صياغة إستراتيجيات الكشافة وتعزيز التخطيط التكتيكي، وفقا لما أشارت إليه منصات متخصصة مثل منصة "آر كي فوتبول" اعتمادا على عدد من البيانات بينها:

إعلان

* البيانات البدنية: تتضمن القدرة على التحمل، وعدد الركضات السريعة، وسرعة الاستشفاء، والمسافة المقطوعة، لتحديد القدرة الرياضية ومخاطر الإصابات.
* البيانات التقنية: تشمل دقة التمريرات، ونسبة تحويل الفرص إلى أهداف، ومساهمات اللاعب الدفاعية، لتقييم مستوى المهارة.
* البيانات التكتيكية: تركز على تحركات اللاعب بدون كرة، وموضعه في الملعب، وسرعة اتخاذ القرار، لتحديد مدى توافقه مع أسلوب الفريق.

وتساعد خوارزميات التعلم الآلي على فرز البيانات الضخمة، والكشف عن الأنماط المرتبطة بالنجاح أو احتمالية الإصابة، مما يمكّن الأندية من تقليل المخاطر وتحسين عمليات الاستقطاب.

وأصبح الاعتماد على البيانات جزءا أساسيا من تحليل اللاعبين، مع وجود عديد من المواقع والمنصات المتخصصة في هذا المجال، حيث تتنبأ الخوارزميات بمستقبل اللاعبين بدقة مذهلة، اعتمادا على لقطات الفيديو وبيانات المباريات.

التحليل التكتيكي

يُعد التأثير التكتيكي أحد أبرز نتائج استخدام تحليلات البيانات في كرة القدم. ففي السابق، كان وضع الخطط يعتمد إلى حد كبير على الملاحظة اليدوية والانطباعات الشخصية. أما اليوم، فأصبح بإمكان الأندية تحليل آلاف البيانات في كل مباراة، تشمل كل تمريرة وتسديدة وحركة داخل الملعب لكل لاعب وهو جوهر العملية.

مصدر الصورة قاد يورغن كلوب ليفربول إلى نجاحات كبيرة في سنوات إشرافه على العارضة الفنية (غيتي)

ويُعد صعود ليفربول تحت قيادة يورغن كلوب مثالا واضحا على ذلك، إذ ساهمت التحليلات المتقدمة في تطوير أسلوب الضغط العالي واللعب السريع.

ولم يعد التركيز مقتصرا على تصرفات اللاعب بالكرة فقط، بل شمل تحركاته بدونها، وهو ما أثّر بشكل مباشر على أنظمة الضغط والهجوم المرتد والتنظيم الدفاعي.

كما أصبحت خرائط الحرارة وشبكات التمرير أدوات أساسية لفهم مناطق الفاعلية، في حين ساعد نموذج "الأهداف المتوقعة" -التي يمكن للاعب المستهدف تسجيلها- على تقييم جودة الفرص بدل الاكتفاء بعدد الأهداف المسجلة باسمه.

ومع ما توفره شركات متخصصة -مثل أوبتا، وستاتس بومب، ووايسكوت- في توفير تحليلات تفصيلية للمباريات، برزت عدة أندية كنماذج رائدة في الاعتماد على تحليلات البيانات بينها:


* ليفربول: بقيادة فريق بحثي متخصص يسهم في قرارات التعاقد والتكتيك.
* مانشستر سيتي: يعتمد إستراتيجية بيانات موحدة عبر مجموعة أندية عالمية.
* ميتييلاند الدانماركي: بنى فلسفته بالكامل على التحليل الرقمي واكتشاف الفرص غير المستغلة.

بيانات لقياس الجاهزية البدنية

نظرا لتأثير الإصابات الكبير على نتائج الفرق، أصبح الحد منها أولوية قصوى للأندية. ومع تزايد المتطلبات البدنية لكرة القدم الحديثة، برزت تحليلات البيانات كأداة فعالة لإدارة أحمال اللاعبين.

تعتمد الفرق اليوم على أجهزة تتبع ونظم "جي بي إس" خلال التدريبات والمباريات، لرصد السرعة والمسافات المقطوعة ومعدل ضربات القلب.

ويتيح تحليل هذه البيانات اكتشاف علامات الإرهاق المبكر، مما يساعد المدربين على تعديل البرامج التدريبية أو تدوير اللاعبين، كما أن عددا من اللاعبين يسقطون في اختبار اللياقة الذي يسبق التوقيع على العقود الإدارية.

وكان مختبر "ميلان لاب" التابع لنادي ميلان الإيطالي من أوائل المشاريع التي استخدمت العلوم والتكنولوجيا لمتابعة الحالة البدنية للاعبين، وتصميم برامج تدريب فردية تهدف إلى تحسين الأداء وتقليل الإصابات.

إعلان

كما بدأت خوارزميات التعلم الآلي في التنبؤ بمخاطر الإصابات بالاعتماد على البيانات التاريخية وأحمال اللعب وعوامل خارجية، مثل السفر والطقس.

تفاعل الجماهير والنمو التجاري

لم يقتصر تأثير البيانات على الجوانب الرياضية فقط، بل امتد ليشمل التفاعل الجماهيري والعمليات التجارية؛ فمع تحول الأندية إلى علامات تجارية عالمية، أصبح فهم سلوك المشجعين ودراسة تفضيلاتهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي أداة مهمة لاتخاذ قرارات التسويق وحتى لمعرفة مدى حماس الجماهير لتعاقدات محتملة، سواء بشكل مباشر من إدارة النادي أو عبر الصحفيين المقربين الذين يجسدون جس نبض الجمهور.

مواهب اكتشفتها التقنية

في أكتوبر/تشرين الأول 2024، سجل اللاعب السنغالي الشاب بابي ديونغ هدفه الأول مع فريق ستراسبورغ بعد 5 دقائق فقط من نزوله بديلا ضد باريس سان جيرمان في الدوري الفرنسي.

ورغم خسارة الفريق، فإن هذا الهدف كان انتصارا لشركة صغيرة مقرها مدينة براغ التشيكية تسمى "عين الكرة"، تعمل هذه الشركة في مجال الفيديو وتحليل البيانات، وقد اكتشفت ديونغ بوصفه موهبة نادرة ووصت به للكشافين لدى مالك نادي ستراسبورغ.

لم يكن ديونغ الوحيد، إذ نجحت الشركة في تسويق عبد الله كانتي، لاعب خط الوسط من كوت ديفوار (18 عاما) الذي يلعب حاليا مع فريق تروا في فرنسا، ودانييل سكارود الجناح النرويجي (17 عاما) الذي ضمه أياكس أمستردام الهولندي.

وقال مدير الشركة، ديفيد هيكس -في حديث لموقع "وان فوتبول"- إن مؤسسته تملك فيديوهات وبيانات عن ربع مليون لاعب في 33 دولة، وهو ما يعكس التحول الهائل نحو اعتماد التقنية.

كما أكد أن كثيرا من الأندية تبحث عن المواهب التي لم يكتشفها أحد بعد وهذا لا يمكن تحقيقه بدون البيانات، وفي أغسطس/آب 2025 أعلن هيكس أن شركته ستعمل في مصر من أجل اكتشاف مواهب يمكن تسويقها لاحقا.

إيجابيات الكشاف الرقمي

تمنح التحليلات الرقمية نوادي كرة القدم قدرة أكبر على اكتشاف المواهب حول العالم، واتخاذ قرارات أكثر وعيا عند التعاقد مع اللاعبين، إضافة إلى متابعة الأداء الفني والبدني ويمكن عرض عدد من مميزاتها في التالي:

أولا: توسيع نطاق البحث

في الماضي، كان اكتشاف المواهب يعتمد بشكل رئيسي على التنقل الميداني، حيث يسافر الكشافون آلاف الكيلومترات لمتابعة اللاعبين المحتملين. أما اليوم، فأصبح الاعتماد على التحليلات الرقمية يتيح للأندية تقييم اللاعبين حول العالم باستخدام نماذج وخوارزميات متقدمة، وتحليل عناصر عدة مثل معدل التمرير الصحيح، التمركز، اللياقة، وسرعة اتخاذ القرار. هذه الطريقة توفر رؤية أكثر شمولية لقدرات اللاعب وإمكاناته.

ثانيا: تقليل مخاطر الصفقات

الاعتماد على البيانات يمكّن الأندية من اتخاذ قرارات أكثر وعيا عند التعاقد مع اللاعبين. فمن خلال تحليل الأداء، يمكن اختيار اللاعبين الذين لا يتناسبون فقط مع أسلوب اللعب الحالي، بل ويتماهون مع أهداف النادي الإستراتيجية على المدى الطويل، مما يقلل من مخاطر الانتقالات ويزيد فرص نجاحهم داخل الفريق.

كما تساهم التحليلات أيضا في تحديد القيمة السوقية للاعبين بدقة أكبر، مما يعزز قدرة الأندية على التفاوض وتحقيق أفضل عوائد على استثماراتها.


ثالثا: تتبع بيانات بدنية متقدمة

لا يقتصر دور التحليلات على الأداء الفني فحسب، بل يشمل الجوانب النفسية للاعبين مثل المرونة الذهنية والقدرة على التكيف واتخاذ القرارات تحت الضغط.

كما تساعد البيانات في التنبؤ بالإصابات من خلال دراسة أنماط الحركة، وحجم التحمل، والسجل الطبي للاعب، مما يمكّن الأندية من تصميم برامج تدريب واستشفاء مخصصة لتقليل المخاطر.

سلبيات الكشاف الرقمي

رغم تقدم الكشاف الرقمي، فإن الاعتماد عليه وحده يكشف عن محدوديات كبيرة قد تؤثر على دقة التقييم ونجاح تطوير اللاعبين، ويمكن استعراض بعض منها:

أولا: البيانات ليست كاملة أو دقيقة دائما

الكشاف الرقمي يعتمد بشكل أساسي على الإحصاءات القابلة للقياس، مثل عدد التمريرات الصحيحة، والتسديدات على المرمى، أو مواقع اللاعب أثناء الدفاع. بينما هذه البيانات مفيدة، غير أنها لا تلتقط الصفات الإنسانية وغير المادية التي يمكن أن تكون حاسمة في كرة القدم.

إعلان

فالاعتماد على البيانات يغفل عوامل مثل القيادة والتأثير النفسي للاعب ربما لا يكون الأسرع أو الأكثر مهارة من الناحية الفنية، لكنه قد يلعب دورا أساسيا في رفع معنويات الفريق أو توجيه زملائه داخل أرض الملعب وخارجها. وهذه التأثيرات النفسية والاجتماعية لا تُقاس بسهولة بالإحصاءات الرقمية.

ثانيا: الاعتماد على الماضي وليس المستقبل

التحليلات الرقمية تقوم على الأداء السابق، فهي تعتمد على فيديوهات مباريات سابقة وإحصاءات يمكن قياسها. هذا يشكل مشكلة خاصة مع اللاعبين الشباب، فلو أخذنا لاعبا (16 عاما) قد يتحسن بشكل مذهل خلال موسم واحد، أو على العكس قد يواجه تراجعا في مستواه بسبب ضغط التدريب أو ضعف اللياقة.

كما أن انتقال بعض اللاعبين من بيئة فقيرة أو معدومة قد يسبب نوعا من الصدمة للاعب شاب ويؤثر ذلك على عقلية اللاعب، أو التزامه بالتدريبات، أو مشاكل خارج الملعب. هذه العوامل قد تؤثر بشكل كبير على مسيرته، لكنها لا تظهر في البيانات والتحليلات التاريخية بدقة.

ثالثا: ضغط الإدارة على النتائج قصيرة المدى

حتى إذا كشفت البيانات عن لاعب واعد، قد يواجه النادي عقبات بشرية وتنظيمية عند محاولة دمجه في الفريق الأول، فغالبية المدربين يبحثون عن النتائج الفورية في الدوري أو البطولات الكبرى، كما أن الأندية تتعرض لضغط الفوز كل أسبوع، لهذا قد يفضل المدرب لاعبا مخضرما لضمان نتيجة، بدلا من منح فرصة للاعب شاب أظهرت البيانات أنه واعد.

وفي المحصلة، لن تستفيد الأندية التي لا تمتلك ثقافة تطوير لاعبين شباب أو فرق احتياط قوية من التحليل الرقمي بالكامل. فاللاعب الواعد قد يظل حبيسا في الأكاديمية بدلا من أن يتحول إلى نجم حقيقي في الفريق الأول.

الذكاء الاصطناعي

مع تطور الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي وجمع البيانات الفورية، يُتوقع أن تلعب تحليلات البيانات دورا أكبر في تحسين القرارات المتعلقة بانتداب اللاعبين كما هي الحال مع التكتيك والجاهزية البدنية.

وفي لعبة تُحسم نتائجها بهوامش ضيقة، فإن الأندية التي لا تواكب هذا التحول الرقمي مهددة بالتراجع. ومع ازدياد التنافس والعولمة في كرة القدم، أصبحت البيانات عنصرا لا غنى عنه، بعدما تحولت من مجرد مكمل للخبرة والحدس إلى ركيزة أساسية في صناعة اللعبة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا